إسهال عراقي مع إيران وعكسه مع العرب

علي الكاش

قال الحسيني القنوجي "لم يبق في الجهات الأربع وما بها من‎ ‎المدن والأمصار والقرى من العلم ‏إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه، فقد أباد الزمان‎ ‎أهله كأن لم يَغنوا بالأمس. فقد ذهب العلم برمته ‏وجاء الجهل بأسره". (أبجد العلوم).‏

 

في مقالنا السابق تحدثنا عن الإنشقاقات والتشظيات الجديدة في الكتل والأحزاب السياسية الحاكمة ‏الشيعية منها والسنية، في الوقت الذي حافظت الأحزاب الكردية على كياناتها الحالية رغم ‏الإختلافات الجوهرية فيما بينها.

في الحقيقة لا توجد مسألة توحد الأحزاب الكردية سوى المطالبة ‏بكركوك وقرض ما يمكن قرضه من الأراضي العراقي في إنتهازية واضحة للعيان.

بدأ  الإنشطار ‏الحزبي مع عمار الحكيم وتلاه سليم الجبوري بتأسيس احزابهما الجديدة، وتلتهم أحزاب أخرى، ‏ويبد ان حزب الدعوة المنشق أصلا الى مجموعتين متنافستين يقود أحدهما نوري المالكي ويقف ‏ورائه نظام الملالي وزعماء الحشد الشعبي الموالين لولاية الفقيه، ويقود المجموعة الثانية حيدر ‏العبادي وتقف معه الولايات المتحدة والجيش والأجهزة الأمنية. ‏

يبدو ان المالكي أدرك أن على شفا هوة عميقة في الإنتخابات القادمة، وأن كفته لا يمكن ان ترجح ‏بدون دعم دولي قوي، سيما ان موقف الولايات المتحدة منه لا يُخفى على أحد، لذا توجه الى آية الله ‏الروسي بوتين عسى أن يحصل منه على دعم! وهذا ما جعله يطالب بكل صفاقة ووقاحة بتواجد ‏روسي عسكري على الأراضي العراقية، كأنه لم يرى في وجود ما يقارب عن (60) قوات اجنبية ‏في بلد صغير كالعراق ما يكفي! لكن ما فات المالكي انه تجاهل تصريحاته السابقة في رفض ‏التواجد العسكري الأجنبي في العراق، وفاته أيضا انه زعيم لحزب ديني له تقاطاعات عقائدية حادة ‏مع الأحزاب العلمانية، وفاته ايضا ان العلاقات الدولية لا تتوقف على زيارة مسؤول مهما كان ‏حجمه السياسي، ولا أيضا على دعوة لتواجد عسكري، فروسيا لا يمكن ان تخطو هذه الخطوة دون ‏أن تدرس آثارها وتداعياتها الداخلية والخارجية، سيما في ظل تواجد عسكري امريكي وأوربي ‏كثيف، ورغبة امريكية جدية بتخليص العراق من براثن الولي الفقيه. بل أن التواجد الروسي في ‏سوريا تبعه تواجد امريكي بتوافق وتنسيق ما بين الطرفين. وفات المالكي أيضا بأنه منصبه ‏كنائب رئيس الجمهورية هو منصب تشريفي، ولا يحق له ان يطالب بتواجد عسكري أجنبي إلا ‏بموافقة البرلمان ورئيس الحكومة الحالية. ولولا قاعدة (غض النظر) التي تتبعها الأحزاب الحاكمة ‏لإستدعى الأمر محاكمة المالكي أو على أقل تقدير، إستضافة خائبة من قبل البرلمان الغافي، او ‏صدور بيان من رئيس الحكومة يرفض مطالبة المالكي بالتواجد الروسي ويبين حجمه الحقيقي ‏الحالي.‏

ويبدو كالعادة ان الأحزاب الحاكمة تحاول اتباع التقية السياسية في علاقتها مع نظام الملالي، فلم ‏يعد مخفيا الدور الإيراني في خراب العراق ونهب ثرواته وتدمير مقدراته كافة، ولم يعد مخفيا ان ‏الحشد الشعبي صنيعة ايران، هو نواة لتأسيس الحرس الثوري العراقي، وصارت الدعوات علنية ‏بأن رئيس الحكومة القادم سيكون من الحشد الشعبي، بل ان شخصيات سنية رعناء أخذت تروج ‏لهذا الأمر مثل صالح المطلك. ويبدو ان هذه التصريحات غير المنطقية التي يروج لها زعماء ‏الحشد وجحوش أهل الستة تتجاهل الإرادة الأمريكية والدولية في هذا الشأن، فالأحلام شيء، ‏والواقع شيء آخر.‏

كما أسلفنا سابقا ان التسميات الجديدة للأحزاب الحاكمة والطروحات الفكرية الجديدة لا تعكس ما ‏تبطنه هذه الأحزاب، فالطروحات قبل الإنتخابات هي ليست نفس الطروحات ما بعد الإنتخابات، ‏بل أحيانا تتعارض معها، والتجربة أفضل برهان. كما ان نزع رداء المسؤولية عن التدهور ‏والخراب الذي حل بالعراق ولبس رداء مغاير له، إنما هي الاعيب لا تنطلي إلا على الجهلة ‏والحمقى. السنوات العجاف السابقة، والمشاريع البرلمانية التي أقرت أو لم تقر لحد الآن تعكس ‏تلبيس وتدليس الأحزاب الحاكمة على الشعب ومحاربة دعواته.‏

الأحزاب العابرة للطائفية والتنصل عن حكم الملالي وتبني سياسة الإنفتاح السياسي والإقتصادي، ‏والمشاركة الحقيقية في الحكم، والإبتعاد عن الطروحات الدينية، والشوق الى الحضن العروبي ‏وغيرها من الأفكار، كانت قبل أشهر نفس الأحزاب تطالب بردعها وتناشد الحكومة بحمل العصا ‏الغليظة تجاه من يروج لها. فما الذي جرى لتنتقل طروحات هذه الأحزاب (180) درجة من ‏أقصى اليمين الى أقصى اليسار؟ ‏

هل هناك سبب غير الإنتخابات القادمة؟ لنأخذ موقف عمار الحكيم كنموذج، فقد صرح خلال ‏إستقباله لإعلاميين إيرانيين ـ  بعد زيارة مقتدى الصدر الى السعودية والإستقبال الحافل الذي ‏حظي به، رغم ان الموقف السعودي كان متسامحا للغاية مع الصدر الذي سبق ان هدد بإرسال ‏الآلاف من مقاتلي تياره الى البحرين لمحاربة التواجد السعودي، وطالب بإدارة دولية لمكة ‏والقطيف ـ تصريحا متناغما مع الموقف الإيراني تجاه زيارة الصدر والهجوم الذي شُنٌ عليه، فقد ‏صرح عمار الحكيم بأنه  يرفض زيارة السعودية" إلا بعد خروج القوات السعودية من البحرين، ‏ووقف قتل الشعب اليمني المظلوم ومنح الحكم للحوثيين"! بالطبع هذه الطروحات إيرانية بحته، ‏والحكيم فضح نفسه أمام الملأ بهذا الإعلان الذي يتعارض مع طروحات تياره الجديد. السياسة ‏الدولية للعراق لا يحددها المالكي ولا عمار الحكيم، فهم رؤساء أحزاب، يمكن لهما ان يطرحا ‏أفكارهما في باحة البرلمان. كما أن المملكة السعودية لم توجه أصلا دعوة زيارة  الى الحكيم لأنها ‏تدرك جيدا بأنه قزم تابع لإيران سواء في مجلسه القديم أو تياره الجديد. كما ان الطروحات حول ‏زيارته للسعودية لا يمكن ان يصرح بها عاقل يرغب فعلا بتصفية الأجواء السياسية مع الدول ‏الشقيقة. النتيجة التي نخرج بها، ان أقزام إيران لا يمكنهم ان يخرجوا من جلباب خامنئي مهما ‏إدعوا خلاف ذلك. وعجبي عندما يكشف العميل نفسه جهارا بلا حياء.‏

المسألة المهمة: هل سيكون موقف الشعب العراقي في الإنتخابات القادمة مثل ذلك الرجل الذي ‏شكا لآخر بقوله: قد لدغتني عقربٌ، فهل عندك لهذا دواءٌ؟ فأجابه: نعم الصياح حتى الصباح!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,699,492

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"