في ظل الحراك الداخلي والتطورات الإقليمية، العراق إلى أين؟

سامي سعدون

ما الذي يجري في العراق، وما الذي ينتظره؟ وهل ما يأمله الشعب من تغيير جاد وخلاص فعلي ونهاية ‏حقيقية لمأساته بعد طول انتظار، نتيجة الحراك الذي تشهده الساحة العراقية والتطورات المحيطة؟!

 

‏الحراك والنشاطات والتطورات هذه تمحورت في ثلاثة اتجاهات بارزة هي:

‏1 ـ وعود إدارة الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترمب، بتصحيح خطأ ما فعله اسلافه في العراق، وذلك ‏بتغيير معالم العملية السياسية والعمل على ابعاد الأحزاب الاسلاموية والتحقيق في عمليات الفساد وتأهيل ‏العراق وإعادة اعماره بعد انكفاء الدور الإيراني المهيمن على الساحة العراقية، والاعلان عن ان ايران ‏مصدر الإرهاب والراعية له وانها المسؤولة عن عدم استقرار المنطقة ،وانهاء الوجود الإيراني وإخراج ‏ايران والمليشيات المرتبطة بها من العراق حسب ما ينشر من مقالات وما يسرب من انباء .‏

‏2 ـالمؤتمرات التي عقدت تحت شعار المصالحة الوطنية برعاية اطراف دولية وإقليمية هدفها الإبقاء على ‏العملية السياسية الحالية صنيعة المحتل رغم فشلها وذلك بتغييرات في المسميات والوجوه،حتى وان أدت ‏الى تقسيم العراق!‏

‏3 ـ التشققات التي طالت ابرز التكتلات والتحالفات المشاركة في  السلطة، وابرزها اعلان عمار الحكيم ‏رئيس المجلس الأعلى الاسلامي عن خروجه من المجلس وتشكيل (تيار الحكمة) وقيام ‏سليم الجبوري رئيس البرلمان ورئيس الحزب الإسلامي، الوجه السياسي لجماعة (الاخوان المسلمين) بالانشقاق وتأسيس حزب ‏جديد، وكذا فعل أحمد المساري!

اما حزب الدعوة برئاسة نوري المالكي فقد اصبح اكثر من ثلاثة أحزاب ‏ابرزها حزب حيدر العبادي بعد اعلان انشقاقه قريباً والذي سيدخل فيه منفرداً او متحالفاً مع أحزاب أخرى ‏في الانتخابات المقبلة إضافة الى الانشقاقات غير المعلنة، مجموعة علي الاديب ومجموعة عبدالكريم ‏العنزي وكذلك ما يسمى بحركة الدعوة في العراق! وكذا الحال بالنسبة للتيار الصدري الذي يشهد تساقط ‏ابرز قادته بسبب الفساد.‏

وقد رافق هذه التطورات تهافت وهرولة سياسيي السلطة باتجاه واشنطن وموسكو، والابرز والجديد ‏التحرك صوب السعودية! والتي اعقبت زيارة ترمب للرياض وحصاده لأكثر من 450 مليار دولار مقابل ‏حماية المملكة ودعم الرفض السعودي للتمدد الإيراني ومخاطر وجود ايران في العراق!

وفي ظل قيام ما ‏يسمى بتفاهمات أميركية/ روسية حول سوريا والمنطقة فيما يشدد الكونغرس من عقوباته الاقتصادية ‏وفرض عقوبات جديدة اعتبرتها روسيا حرباً اقتصادية ضدها، وكذلك تصعيد اعلامي أميركي ضد النظام ‏الإيراني ووجوده في العراق واعتبار ايران دولة إرهابية وراعية للارهاب وهي مسؤولة عن الأوضاع ‏المتردية وغير الامنة في المنطقة وفرض عقوبات جديدة على طهران اعتبرها الملالي مخالفة للاتفاق ‏النووي مهددين بالرد المناسب! يضاف الى ذلك الأزمة داخل مجلس التعاون الخليجي وتشكّل محور من السعودية ومعها ‏الامارات والبحرين إضافة الى مصر والأردن ودول أخرى في المنطقة، وتداعيات كل ذلك على الوضع ‏العربي بشكل عام، وما يهمنا، وهو ما هدفنا اليه، تأثير كل ذلك على العراق ونتائج الحراك الجاري في ‏حل الأوضاع المتفاقمة والتي لم تشهد رغم مضي ما يزيد على 14 عاماً، أي تغيير جاد او خلاص حقيقي‏، فاذا كانت التفاهمات بين الكبار قد عملت على تهدئة وضع سوريا، ولو مؤقتاً! وان الازمة الخليجية في ‏طريقها للتسوية على طريقة ترمب الذي يسيل لعابه امام مليارات الخليجيين!.. فهل ان سياسة ‏واشنطن إزاء ايران ونظرة ترمب لثروات العراق! وتداعيات ما يحصل في المنطقة، والحراك الداخلي ‏سيجد الحل المطلوب للعراق وشعبه؟

ما تشهده الساحة العراقية من حراك ونشاطات ليست جديدة على شعبنا، فهي تظهر مع أي تطور ‏يشم فيه المتسلطون ان سلطتهم مهددة، ومع كل حراك شعبي مندد بأفعال السلطة ومطالب بأدنى ‏الحقوق المشروعة، حيث تنشط حيتانهم وتكثر لعبهم المسرحية وتتنوع أفانينهم، وما ان يتم امتصاص ‏غضب الشارع وتمييع موجبات انتفاضته بوعود كاذبة وخطب وافاعيل خادعة وحيل ماكرة بالاستخدام ‏المسيء للدين من خلال المعممين وفتاواهم المحذرة للاتباع من فقدان السلطة ومواجهة المصير الاسود ! الى جانب التآمر والغدر من الخلف والقمع  باستخدام كل الوسائل البشعة، حتى تعود "حليمة لعادتها ‏القديمة" فيعود معها الوضع الى ما هو أسوأ وعلى جميع الأصعدة ،وهذا ما حصل عدة مرات، ولهذا ‏لايعول كثيراً على الحراك الداخلي لأبرز اركان السلطة فهم يختلفون على كل شيء ولكنهم موحدون حول ‏هدف واحد وهو عدم التفريط بالسلطة لأنه يعني فقدان المليارات والامتيازات والحضوة لدى الاسياد ‏الفرس وغيرهم!

فالانشقاقات والاطاحة بهذا او ذاك والهرولة تجاه هذه العاصمة او تلك "لمصلحة ونفع ‏ذاتي وليس من اجل العراق" لن يغير شيئاً طالما بقيت نفس الوجوه وبذات الاتجاهات والولاءات، فبروز ‏تيارات وأحزاب جديدة من الأحزاب العتيدة ما هي الاّ لعب تكتيكية لأغراض انتخابية، وربما ان الاسياد ‏والقيادات قد ادركوا فشل هذه الأحزاب وعدم جدوى استمرارها بتناقص أنصارها ورفضها من قبل ‏الشارع فلابد من حركة خادعة لحين تجاوز المرحلة وضمان البقاء في السلطة بعد الانتخابات!

فالاحزاب ‏البارزة المتسلطة والتي تقود العملية السياسية البائسة ثبت انها فاشلة وعاجزة، وان قادتها ‏وحكوماتها المتعاقبة وبرلمانها لم يفلحوا الاّ في تضييع البلاد والتفريط بالأرض والسيادة وبثرواتها ‏ونفائسها والإساءة الى تاريخها وحضاراتها العريقة ليعودوا بالعراق الى عصر التأخر والظلام! فعم ‏الفقر واضحى العراق الثري والثاني في العالم في امتلاك احتياطي نفطي مديوناً اذ بلغ الدين الخارجي‏، حسب مقرر اللجنة المالية في البرلمان احمد حاجي 81 مليار دولار لغاية أيلول/ سبتمبر 2015! ‏وساد الجهل والتخلف وانتشرت ثقافة البدع والاباطيل والظلامية وتفشت الامية وصارت الثروة الوطنية ‏نهباً للحكام وللمحتلين، ولم تعد هناك بنى تحتية ولا نهضة زراعية ولا ثورة صناعية ولا قيم اجتماعية، ‏واستهدف الانسان العراقي بشكل أساس للنيل من شموخه وقوة ارادته فأهدر دمه وفقدنا خيرة ‏الأبناء بين مغدور ومعتقل ومطارد ومشرد، فالاحزاب والتكتلات وسلطة المحاصصة فشلوا تماماً‏، والتصدعات والتناحر والانشقاقات امر متوقع وكان من الممكن تسريع انهيار العملية السياسية ‏وسقوطها لولا وجود ايران وحرسها الثوري بقيادة قاسم سليماني واليوم مثيله العراقي (الحشد)، ولولا ‏تدخل دول وقوى أخرى في مقدمتهم الولايات المتحدة، اذ ما زال وضع العراق الحالي هو ما يحقق اجندتها ‏إزاء العرب والمنطقة ووفقاً للمصالح.

اما الوعود الأميركية والحماسة التي جاء بها الرئيس ترمب لاصلاح أوضاع العراق وما يقال عن العزم ‏في طرد ايران، فهي حتى اليوم عبارة عن تصريحات واقوال دونما أفعال، وهذا ليس بجديد علينا‏ ،فالأميركان لا يتحركون الاّ اذا مست مصالحهم ودون ان يؤثر ذلك على علاقاتهم والتزاماتهم تجاه ‏الاخرين.

ويلمس من تصريحات اركان الإدارة الأميركية الجديدة تخوفهم من النفوذ الإيراني المتسع ‏والوجود المهيمن في العراق ووضع اليد على 4 عواصم عربية ووفق سياسة توسعية غير مخفية ‏لاقامة امبراطورية فارس الكبرى.. فايران بهذا التوجه تزاحم واشنطن وتضر بمصالحها، ومع هذا ‏ما زالت أميركا تتعامل معها بأسلوب ناعم بفرض عقوبات جديدة ودعوة طهران لنبذ الإرهاب والمشاركة ‏في الحرب على داعش في العراق وسوريا والإرهاب بشكل عام!

ثم ان ما يهم ترمب وفق نظريته بيع ‏الخدمات هو كم سيكسب من أموال ونفط من العراق ومن السعودية ودول الخليج العربي الأخرى.

ايران اليوم تشارك العراق حقوله النفطية ‏الجنوبية عدا ما استولت عليه بعد عام 2003 وجعلت من العراق سوقاً للبضائع والمنتوجات ‏الإيرانية، فضلاً عن هيمنة شركاتها على الصناعة النفطية العراقية بدرجة أساس، استثمارات وتنقيب ‏وصيانة مع تزويد العراق بالمشتقات النفطية، وبيع حتى مياه الشرب والطاقة الكهربائية، واغراق ‏الشوارع بسيارات (السايبة) الإيرانية والصناعات الفاشلة الأخرى والتي تدر عليها المليارات سنوياً، لذا ‏لايستبعد ان تتحرك إدارة ترمب تجاه العراق وتعمل على اخراج ايران منه، ولكن متى ما حصدت الفوائد ‏من الجميع بما فيهم ايران!

لن يكون خلاص الشعب العراقي وتحرره على ايدي الأحزاب والكتل والسياسيين الفاسدين المشاركين في ‏العملية السياسية الحالية الفاشلة، وليس بظهور حزب بمسمى جديد وابعاد هذا او ذاك عن الواجهة، او ‏بالانفتاح والتهافت على بعض العواصم في الازمات.

نعم الانفتاح على ‏الأقطار العربية، واولها دول الجوار كالسعودية مطلوب اذا كان الهدف هو رفض الوجود الأجنبي ‏والتمرد على النظام الإيراني والخروج عن طوعه، فالعراق عربي وهذا محيطه الطبيعي ومن الخطأ الفادح ان ‏يتوهم حكام بغداد اليوم انهم قادرون على إلغاء هوية العراق العربية والدفع به باتجاه ايران، فهوى العراق لم ‏ولن يكون فارسياً والتاريخ يشهد بذلك، كما ان مؤتمرات ما يسمى بالمصالحة الوطنية التي تعقد منذ عدة ‏سنوات في عواصم منها واشنطن وباريس والدوحة وعمان وأنقرة، هي الأخرى لا تحمل الحلول ‏لمحنة شعبنا، فدعاتها صنيعة دول وقوى احتلت او شاركت او سهّلت احتلال العراق وتدميره وابادة ‏شعبه وتشريده، ومشاريعهم للمصالحة هي بين المشاركين في العملية السياسية الفاشلة، وهؤلاء بالتأكيد ‏يخدمون اجندات أسيادهم وحسب منافعهم الشخصية حتى وان أدى ذلك الى تمزّق العراق باسم (الاقلمة ‏والفدرلة)!، فاذا ما ارادوا مصالحة وطنية حقيقية فهي في المشروع الوطني الذي يحافظ على وحدة وسيادة واستقلال العراق وعلى هويته العربية والإسلامية وبما يلغي حالة ‏الانقسام الطائفي والعرقي وسياسة المحاصصة والاقصاء والاجتثاث ويحقق المصلحة الشاملة والعادلة ‏ويعيد بناء العراق بمشاركة الجميع دون استثناء ليمارس دوره الإنساني ويحتل مكانته العربية ‏والإقليمية والدولية.

والخلاص المنشود والتغيير الجذري الشامل لن يتحقق الا على ايدي ابناء الشعب العراقي وهو امر ليس ‏بالمستحيل رغم هول ما مرّ علينا من مصاعب وكوارث ومحن، وما تشهده الساحة العراقية من حراك ‏سواء على صعيد التناحر والخلافات والانشقاقات بين الأحزاب والقوة المتسلطة، وهذا النفور والرفض ‏للهيمنة الإيرانية، والتوجه الجديد، وان جاء متأخراً صوب العرب وتحديداً السعودية التي ادركت خطورة ‏ايران، رأس حربة الإرهاب في العالم، وفهم مخاطر السياسة التوسعية الإيرانية واحتلال العراق والتمدد من ‏خلاله نحو الخليج العربي، وما للعراق بعد طرد ايران من أهمية في صدّ الإيرانيين وحمايتهم، وهذا ما ‏كان، حسب التسريبات، محور محادثات ترمب في زيارته للرياض! ثم الحزم النسبي الذي أبدته واشنطن ‏إزاء حكام ايران، يضاف الى كل ذلك ما شهدته الأيام الماضية من تظاهرات وانتفاضات شعبية في ‏محافظات الفرات الأوسط والجنوب وتمزيقهم لصور خميني وخامئني والمالكي المرفوضة زيارته من قبل ‏أهالي النجف وكربلاء! ومهاجمة مقرات حزب الدعوة وكانت هوسات المتظاهرين "من اللطم ملينا.. ‏صدام رد لينا".. كلها مؤشرات في ان العملية السياسية تقترب من السقوط وان عملية اخراج ايران ‏ورفض وجودها قد ابتدأت بجدية يدركها شعبنا.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,693,035

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"