تزامن مشبوه بين أميركا وإيران في سوريا والمنطقة

محمد زاهد غُل

منذ ثلاثة أشهر أطلق وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان تهديدا للدول العربية والإسلامية قال فيه، إنّ هناك محاولات في المنطقة لإضعاف الجمهورية الإيرانية، وقال إن »على حكام السعودية تذكر مصير صدام حسين، الذي كان غارقاً في العمالة». وقال إنّ بلاده «أصبحت تصمم وتنتج حاجتها من الصواريخ البالستية وكروز بمدى 300 كيلومتر». وقال «ليس فخراً للسعودية أن تتحول لمخزن للسلاح الأميركي» و »إذا ارتكبت السعودية حماقةً لن يبقى فيها مكان آمن غير مكة والمدينة». وقال إنّ «العراق بعد عام 2003 أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية، وإنّ لديهم في العراق قوة هي الحشد الشعبي، التي سوف تقوم بإسكات أي صوت يميل إلى التحالف العربي الاسلامي». وقال دهقان أيضا إنّ بلاده «عادت قوة عظمى وإنّهم أسياد المنطقة».

 

هذه التهديدات العسكرية من إيران والصادرة من موقع رسمي على لسان وزير الدفاع الإيراني، ليست مجرد تهديدات وإنما ترسم معالم التحالفات العسكرية في المنطقة، وأن هذه التحالفات تقوم على المستوى الأمني والعسكري اولاً، بغض النظر عن المستوى السياسي وتصريحاته، وبالأخص بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإيرانية.

فما أشار إليه وزير الدفاع الإيراني هو اعتراف بأن إيران حصدت نتائج الاحتلال الأميركي عام 2003 للعراق، بأن أصبح العراق جزءاً من الإمبراطورية الايرانية، وأن إيران أصبحت دولة مصنعة لسلاحها الصاروخي، بينما الدول العربية تخزن الأسلحة الأميركية بمئات المليارات، ولا تسمح لها أميركا بتصنيعها، ولا بإخراج الاحتلال الإيراني من الأراضي العربية، بل إنه يذكر حكام العرب بمصير صدام حسين، الذي قامت أميركا بإسقاطه من حكم العراق بالقوة العسكرية، بعد احتلالها للعراق عام 2003 وإعدامه على أيدي عراقيين، أي ان وزير الدفاع الإيراني يهدد حكام العرب باحتلال أميركا لبلادهم، وتسليمها لإيران وإعدامهم على أيدي اتباعهم من العرب.

وعندما يقول بأنه لن يبقى مكان آمن إلا مكة والمدينة، فهو يقول لن يبقى عربي مسلم حي في الحرب المقبلة، لأن الدمار والقتل سوف يدمر كل شيء، كما فعلت أميركا عند احتلالها للعراق. حديث دهقان كان يبطن التحالف الإيراني الأميركي، لأن ما يحصل في العراق كان تحالفا إيرانيا أميركيا اعترف به ترمب، بداية بإدانة سياسة اوباما مع إيران في حملته الانتخابية، ولكنه يواصل تنفيذ هذه السياسة التحالفية مع إيران وحرسها الثوري، بل ذهبت سياسة ترمب إلى تحالف أكبر مع إيران بوقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برنامج تسليح فصائل سورية معارضة في الشهر الماضي، فهذا القرار يصب أولاً في مصلحة الاحتلال الإيراني في سوريا، وقد وصف السناتور الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية ليندسي غراهام هذه الخطوة بأنها «ستكون أشبه بالاستسلام الكامل للأسد وروسيا وإيران». وقال «إن وقف تسليح المعارضة السورية، إذا صح، فإن ذلك سيكون «خسارة كبيرة أولا للسوريين الذين يتعرضون لهجمات بلا هوادة من قبل الأسد، وثانيا لشركائنا من العرب، وثالثا لوضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط». واعتبر أن مثل هذه الخطوة ستعني بالضرورة، منح عاصمة عربية أخرى للإيرانيين. وما يفسر ذلك أيضاً هو سماح الإدارة الأميركية لحزب الله اللبناني بالسيطرة على معظم الحدود اللبنانية السورية في العمليات العسكرية الأخيرة، والسماح له بالهيمنة على القرار اللبناني سياسيا وعسكريا، وهذا لا يتم من دون موافقة أمنية وعسكرية (إسرائيلية) أيضاً.

وما يؤكد ذلك أيضاً ان أميركا سمحت لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي قبل شهر أن يتعاون مع نظام الأسد سياساً وعسكرياً، بل التعاون بتقاسم عائدات النفط في الحسكة وغيرها، علما بأن هذه المناطق تخضع أمنيا وعسكريا للقواعد العسكرية الأميركية في الحسكة وغيرها، أي أن أميركا تتعاون مع نظام الأسد بتوفير مساعدات مالية واقتصادية ولوجستية له في شمال سوريا، وهذا لا يكون دون تفاهم أميركي إيراني أيضاً، فالأمر تم وفق اتفاق مبرم بين الجانبين، ينص على أن يحصل نظام الأسد على 65% من عائدات إنتاج النفط في المناطق المذكورة، وتنظيم «ب ي د» على 20%، فيما سيخصص المبلغ المتبقي للقوات العربية المكلفة بحماية الحقول لصالح التحالف بينهما بإشراف أميركي. لذا ينبغي النظر إلى المعارك الأخيرة داخل سوريا، وعلى الحدود السورية اللبنانية، وبالأخص ضد «داعش» على أنها كانت ضمن مساومات إيرانية وأميركية نفذها «داعش» وحزب الله اللبناني، فأميركا عملت على تزويد هذه التنظيمات الارهابية بالأسلحة بطرق مختلف، وقد ضبط الجيش التركي جنوب شرقي البلاد بندقية لمنظمة «بي كا كا» الإرهابية، أميركية الصنع، تعود لدفعة الصنع نفسها التي كشفت بأيدي تنظيم «داعش» الإرهابي عام 2014، ما اضطر أميركا في حينها لإعلان أن هناك أسلحة أميركية وقعت بأيدي «داعش» عن طريق الخطأ، فأميركا الداعم الأساسي لـ»ب ي د» تدخل أسلحة بمليارات الدولارات للتنظيمات الإرهابية في سوريا، بينما المدنيون في المنطقة يعيشون أصعب الظروف الإنسانية، بل تُخضع أميركا إيصال المساعدات الإنسانية لشروط الاتفاقيات العسكرية والسياسية، على طريقة الابتزاز الإيرانية التي ينفذها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني في العراق وسوريا. هذه التحالفات التي تجريها أميركا مع الإيرانيين سرا، ومع الأحزاب الارهابية الكردية سرا وعلنا لن تزيد المنطقة إلا قتلاً ودماراً، فأميركا بإضعافها للدول العربية لصالح إيران، لن يحقق لأميركا الاستقرار ولا لإيران النصر، كما أن محاولة أميركا إضعاف تركيا لصالح الأحزاب الارهابية الكردية لن يحقق لأميركا الاستقرار ولا لحزب العمال الكردستاني النصر، لأن هذه السياسة الأميركية قائمة على المراهنة الخاطئة والخطيرة، فهي تعلن عن تغيير خريطة الشرق الأوسط ديمغرافيا وسياسياً، رغما عن الجغرافيا الطبيعية، ورغما عن التاريخ العربي، ورغما عن الحضارة الاسلامية، أي انها تسير في خطى معاكسة لمسار التاريخ الطبيعي وسنن الحياة البشرية الطبيعية، فهذه السياسة الأميركية لا ولن يقبل بها الشعب العربي في الحاضر والمستقبل، ولا الشعب الإيراني ولا الشعب التركي ولا الشعب الكردي، وإنما تستغل أميركا حالة الاضطراب في المنطقة العربية الناتجة عن مخلفات سيئة وضعيفة منذ الحرب العالمية الأولى لتحقيق مصالحها فيها، بينما المستعمر الأول والمنشئ لهذه المخلفات الفرنسي والبريطاني لم يستطع أن يحقق فيها نصرا، وإن استطاع ان يؤخر النصر ويمنع الحرية ويعيق الديمقراطية فيها، أو يبقي الهزيمة على اهلها لأجل محدود فقط، فلسان حال أميركا اليوم لإيران الملالي: نحن نستنزف الدول العربية ماليا، بينما شرط تحالفنا معكم: أن تستنزفوا العرب بشرياً وعسكرياً وحضاريا.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,361,303

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"