بعد الفوضى الخلّاقة.. شرق أوسطي جديد!‏

صبحي غندور‏

مارست واشنطن في معظم النصف الأخير من القرن الماضي (أي في فترة الحرب الباردة) سياسة قامت على ‏ثلاثة محاور: محور العدوّ (أي الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو)، محور الأصدقاء (أوروبا الغربية ودول حليفة ‏أخرى)، ثمّ محور الخصوم (أي الدول غير المصنّفة نهائياً في أحد المعسكرين، كالصين وعدد من دول آسيا ‏وأفريقيا وأميركا اللاتينية). ‏

 

وحرصت واشنطن في هذه السياسة على "عزل العدوّ" وعلى "تعميق الصداقة مع الصديق" وعلى "تحييد ‏الخصم قدر المستطاع". وعندما انهار "العدوّ" أصبح مطلوبٌ أميركياً تبعية "الصديق" دون اعتراض، وفرز الخصوم ‏بين أعداء جدد أو أتباع جدد!!. ‏

أميركا لم تصنع الحرب العالمية الثانية، لكنّها استفادت من تداعيات الحرب لكي تُضعف المنافسين ‏الأوروبيين الذين تربّعوا على عرش زعامة العالم منذ الثورة الصناعية في أوروبا. ‏

أميركا لم تخطّط للعدوان الثلاثي (البريطاني/ الفرنسي/ الصهيوني) على مصر عام 1956، لكنّها استفادت من ‏ثورة مصر عبدالناصر والمنطقة العربية على البريطانيين والفرنسيين من أجل وراثة دورهم ونفوذهم في منطقة ‏الشرق الأوسط. ‏

أميركا لم تشعل نار الخلافات العقائدية والسياسية بين روسيا والصين، خلال فترة الحرب الباردة مع المعسكر ‏الشيوعي، لكنّها استفادت من الصراعات الداخلية في الدائرة الشيوعية من أجل عزل الاتحاد السوفييتي وانشغاله في ‏‏"حروب عقائدية داخلية". ‏

طبعاً هناك عدّة حروب وصراعات بدأتها أميركا أو خطّطت لبعض تفاصيلها لأجل توسيع دائرة هيمنتها أو ‏لتحجيم نفوذ المنافسين لها. بعض هذه الحروب سارت في اتّجاه الهدف الأميركي، وبعضها الآخر مشى في ‏الاتّجاه المعاكس لرغبات واشنطن، لكن الحروب كرّ وفرّ، وقد فشلت أميركا في أماكن عديدة كان أبرزها في ‏الميدان العسكري خسارتها لحرب فيتنام، وكان أهمّها في الميدان السياسي خسارتها لموقع النفوذ في إيران، وعجزها ‏عن حماية نظام الشاه من طوفان الثورة الشعبية الإيرانية. ‏

لكنّ واشنطن "الفاشلة" في إيران بنهاية السبعينات، نجحت في الفترة التاريخية نفسها من بدء حرب استنزاف ‏طويلة لمنافسها السوفييتي، من خلال إطلاق ظاهرة "المجاهدين الأفغان" ضدّ الحكم الشيوعي في كابول المدعوم ‏سوفييتياً، وأيضاً نجحت في استمرار حرب مدمّرة للعراق وإيران معاً ولثروات منطقة الخليج ‏العربي، ثمّ نجحت واشنطن في توظيف أخطر صراع عربي/ عربي في التاريخ المعاصر، والذي نتج عن قيام حكم ‏العراق باحتلال الكويت. ‏

هكذا هو تاريخ الإمبراطوريات والقوى الكبرى في العالم: صناعة أحداث للاستفادة من نتائجها، أو توظيف ‏أحداث قائمة لخدمة مصالح القوّة الكبرى المهيمنة. وهكذا هو أيضاً تاريخ المنطقة العربية مع القوى الكبرى. ‏فأميركا ليست شواذاً في سلوك الأمبراطوريات العظمى، مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة والشعارات العقائدية والمراحل ‏التاريخية. والمشكلة ليست في وجود تخطيط أو تآمر أجنبي بل في عدم توقّعه أو التحسّب له ولأساليبه وأهدافه. ‏وهي مشكلة "الداخل" الذي يوجِد الأرض الخصبة لزراعة تآمر "الخارج" ثمّ يترك لهذا الطرف الخارجي أن يحصد ‏النتائج!. ‏

وتميّزَ انتهاء الحقبة الأوروبية الاستعمارية، التي امتدّت إلى منتصف القرن العشرين، بأنّ الاستعمار ‏الأوروبي كان يُخلي البلدان التي كانت تخضع لهيمنته، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، بعد أن يوجِد فيها ‏عناصر صراعات تسمح له بالتدخّل مستقبلاً، وتضمن إضعاف هذه البلدان التي قاومت الاستعمار وتحرّرت منه. ‏فقد ظهرت دول وحكومات خلال القرن الماضي إمّا تتصارع فيما بينها على الحدود، أو في داخلها على الحكم بين ‏‏"أقليّات" و"أكثريّات"، وفي الحالتين، تضطرّ هذه الدول النامية الحديثة للاستعانة مجدّداً بالقوى الغربية لحلّ ‏مشاكلها أو لدعم طرفٍ داخلي ضدّ طرفٍ آخر. وجدنا ذلك يحدث أيضاً في صراعات الحدود بين عدّة دولٍ عربية ‏وإفريقية. كما حصلت عدّة حروب أهلية وأزمات أمنية وسياسية في بلدانٍ أخلاها المستعمر الأوروبي بعد أن فرض ‏فيها أنظمة حكم مضمونة الولاء له، لكنّها لا تُعبّر عن شعوبها، وتُمثّل حالةً طائفية أو إثنية فئوية لا ترضى عنها ‏غالبية الشعب.‏

متغيّراتٌ دولية كثيرة حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال العقود الماضية التي تبعت انتهاء الحقبة ‏الأوروبية الاستعمارية، ومنها وراثة الولايات المتحدة للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وظهور معسكريْ "الشرق ‏الشيوعي" بقيادة روسيا و"الغرب الرأسمالي" بزعامة أميركا. لكن انتهاء "الحرب الباردة" بين المعسكرين، مع غروب ‏القرن العشرين، لم تكن نهايةً لنهج التنافس الدولي على العالم وثرواته ومواقعه الجغرافية الهامّة، كما هو موقع ‏الأمَّة العربية وثرواتها الهائلة.‏

إنّ صُنّاع القرار الأميركي يأملون الآن كثيراً في تحقيق أهداف السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط"، من ‏خلال تفاعلات الصراعات المحلّية والإقليمية الدائرة بالمنطقة، ودون حاجةٍ لتورّطٍ عسكريٍّ أميركي كبير في أيٍّ من ‏بلدانها!. ‏

فبعد احتلال العراق في العام 2003، أطلقت إدارة بوش الابن ثلاثة شعارات، فشل الأول منها وتعثّر الثاني ‏وبقي الشعار الثالث رهناً بما يحدث من صراعات ومتغيّرات عربية. الشعار الأول كان عقب غزو العراق مباشرةً ‏حينما تحدّث أكثر من مسؤول أميركي عن أنّ العراق سيكون "نموذجاً للديمقراطية" في الشرق الأوسط، وأنّ دولاً ‏عديدة في المنطقة ستحذو حذوه. الشعار الثاني، كان عن "الشرق الأوسط الكبير" الجديد الذي سيخرج إلى الوجود ‏بعد تفاعلات الحرب في العراق، وبعد حروب (إسرائيل) في لبنان وغزّة في عام 2006، والتي دعمتّها بشدّة إدارة ‏بوش الابن. ‏

لكن الممارسة الأميركية في العراق كانت "نموذجاً" للفشل والكذب والخداع في السياسة الأميركية، ولم تتدحرج ‏أنظمة المنطقة خلف "الدومينو العراقي"، كما توهَّم وراهَنَ "المحافظون الجدد"، وكذلك كان مصير أحد أهداف شعار ‏‏"الشرق الأوسط الكبير" في القضاء على ظواهر المقاومة ضدّ العدو الصهيوني.

أمّا الشعار الثالث، الذي أطلقته الوزيرة كونداليزا رايس خلال الفترة الثانية من حكم بوش الابن، فكان عن ‏‏"الفوضى الخلّاقة"، والتي كانت المراهنة على حدوثها في بلدان الشرق الأوسط من خلال تفاعلات الأزمات الداخلية ‏في دول المنطقة. ولعلّ ما حدث ويحدث في السنوات الماضية داخل عدّة بلدانٍ عربية يؤكّد أنّ شعار "الفوضى ‏الخلّاقة" لم ينتهِ مع نهاية حكم "المحافظين الجدد"، وبأنّ المراهنات استمرت قائمة على هذا الشعار، رغم التغييرات ‏التي حدثت في "البيت الأبيض".‏

الوقائع والتجارب كلّها تؤكّد وجود أهداف ومصالح ومؤسّسات أميركية تصنع القرار الأميركي، وهي محصّنة ‏ضدّ تأثيرات ما يحدث في الحياة السياسية الأميركية من تحوّلات وصراعات انتخابية محلّية.  ‏

وستكون نهاية هذا العام الجاري، فترة حصاد سنوات الفوضى العربية التي بدأت في العام 2011 بشعار: ‏‏"الشعب يريد إسقاط النظام"، لكن دون حسم للخطّ الفاصل بين "إسقاط النظام" و"عدم سقوط الوطن". فصحيح أنّ ‏الانتفاضات العربية بدأت بإرادة شعوبٍ مقهورة، لكنّ معظمها انحرف إلى مسار أجندات إقليمية ودولية؛ بعضها ‏استهدف تقسيم الأوطان وتدويل أزماتها الداخلية، وبعضها الآخر يراهن الآن على تثبيت النفوذ والمصالح في "شرق ‏أوسطي جديد" لم تنجح واشنطن في تحقيقه بمفردها، فاختارت التوافق مع موسكو على رسم التسويات رغم استمرار ‏الخلافات على مقدار الحصص!. ‏

في الأفق الآن، مشاريع دولية لعددٍ من بلدان المنطقة تقوم على إعادة تركيبها بأطرٍ سياسيّة ودستوريّة جديدة ‏تحمل الشكل الفيدرالي "الديمقراطي"، لكنّها تتضمّن بذور التفكّك إلى كانتوناتٍ متصارعة في الداخل، ومستندة إلى ‏قوًى في الخارج. فهذه هي غايات الحروب الأهلية العربية المدعومة بتدخّلٍ أجنبي متعدّد الأطراف في أزمات الأمّة ‏العربية، تلك الأمّة التي بدأت كياناتها الوطنية الكبرى تتصدّع واحدةً تِلوَ الأخرى، وكلُّ من في الأمّة، بما لديهم ‏من هموم محلية، منشغلون ومتصارعون!.‏

العرب الآن إلى مصيرٍ مجهول، وهناك مخاوف من أن تشهد المنطقة من جديد ما شهدته منذ مائة عام؛ ‏من رسم خرائط جديدة، ومن مراهنات على الخارج، ومن حصد صهيوني لهذه المتغيّرات، بينما تشهد أوطانٌ في ‏الأمّة العربية الآن حروباً أهلية، في ظلّ تشويهٍ لحقائق الصراعات، ولعنفٍ تشارك فيه قوًى حاكمة ومعارضة!.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,255,880

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"