العراق.. موسم تغيير العناوين والولاءات والضامنين

مثنى عبدالله

مازالت مهزلة الانتخابات العراقية المقبلة بعيدة بعض الشيء. لكن التحضير لها بدأ مبكرا، وملامحه قيام ‏الاحزاب الاسلامية الحاكمة وشخصياتها المعممة وغير المعممة، بالهجرة من العناوين الإسلامية التي ‏تبرقعت بها، وتغيير ولاءاتها السياسية، وربما حتى الضامنين الإقليميين ولو على استحياء بعض الشيء. ‏

 

انشطارات بالجملة شملت أحزاب الاسلام السياسي الشيعي والسني، والكل ذاهبون إلى ارتداء صرعة الموسم ‏الجديدة، وهي استخدام تسمية التيار المدني، علّهم يواجهون بها استحقاقات المرحلة المقبلة. ‏

المضحك أن التسميات تغيرت، لكن الوجوه هي نفسها التي سرقت وتاجرت بالوطن والمواطن على مدى ‏أربعة عشر عاما. قد يتساءل البعض عن كيفية انفصال عمار الحكيم الشيعي عن مجلسه الاعلى ‏الإسلامي الذي توارثه أبا عن جد مثلا؟ أو عن كيفية انفصال سليم الجبوري السني عن حزبه الإسلامي ‏العراقي الذي كان سببا في وصوله إلى المنصب الحالي؟ هذه الظاهرة معروفة جدا في الاحزاب الكلاسيكية ‏لاسباب أيديولوجية، أو خلافات حول التطبيق العملي، لكن انشطارات أحزاب السلطة العراقية هي لغرض ‏تبديل الجلود استعدادا لسلوك الطريق نفسه بعد الفضيحة، أسوة بالشركات المفلسة التي تذهب أحيانا إلى ‏تغيير اسمها للدخول إلى السوق ثانية. لقد بدأوا لوم بعضهم بعضا وتبادلوا الاتهامات عن أسباب الهزيمة ‏السياسية والأخلاقية النكراء التي حلت بهم. ولكي تستمر هذه الكيانات على الساحة بدأت لعبة التغرير ‏بالمنتمين إليها، فكل يريد أن يسحب أكثر عدد من الاعضاء معه إلى الكيان الجديد، وكل يريد أن يستولي ‏على مسروقات الكيان القديم من عقارات وسيارات وأمول منقولة وغير منقولة، ومحافظات نفوذ، وزعامات ‏عشائرية وقبلية كانت تدين لهم بالولاء. ‏

وبدأ (المجاهدون) والموالون والانصار والاتباع يُقلّبون أي العروض أفضل لهم، كي يحددوا الجهة التي ‏يلتحقون بها. فالعمل السياسي بالنسبة للبعض سوق نخاسة ومزادا على المصالح. وهذا هو ديدن الكثير ‏من الزعامات السياسية والوجاهية والقبلية العراقية منذ أزمان بعيدة وليس اليوم. فالولاء حالة نسبية لديهم ‏تخضع لحالة العرض والطلب. فقد كانت سيوف أمثال هؤلاء مع والي الكوفة وقلوبهم مع الأمام الحسين ‏بن علي في واقعة كربلاء. وهو الفعل نفسه الذي حصل مع ملوك العراق وعبدالكريم قاسم والعارفين ‏عبدالسلام وعبدالرحمن. أما مع صدام حسين فكانت الصورة من الوضوح بحيث تعمي الابصار. آلاف ‏الزعامات العشائرية رقصت له وترقص الان للمالكي والعبادي، والمئات من رجال الدين ألقوا خطبا عصماء ‏في حضرته، واليوم في حضرة السلطة أيضا، كان أبرزهم رئيس الوقف السني الحالي عبداللطيف هميم، ‏وخالد الملا أحد أبرز التابعين لرئيس الوزراء السابق. والعشرات وربما المئات من قادة الجيش والأمن ‏والمخابرات السابقين اصطفوا طوابير أمام بوابات فندق الشيراتون في بغداد، بعد أيام قليلة من احتلال ‏بغداد، كي يحظوا بلقاء جنرال أميركي كان مقره فيها، عارضين عليه خدماتهم في إنشاء أجهزة أمنية جديدة ‏تخدم الأميركان، وحاملين معهم مئات الملفات والمعلومات التي كانوا يتداولونها في عملهم قبل الاحتلال، ‏كبادرة حسن نية من قبلهم للعهد الجديد، كي يثق بهم. ‏

حتى البعثيون انتظم بعضهم في حزب الدعوة وأحزاب إسلامية أخرى بحجة أن انتماءهم إلى حزب البعث ‏كان تقيّة. وفجأة تحوّل الشيوعيون إلى شيعة في نظام المحاصصة الطائفية، وحصلوا على مناصب وفق ‏هذا التوصيف وليس وفق توصيف أنهم شيوعيون كانوا في المعارضة. وعلى الرغم من أن الشارع العراقي ‏يعاني من حالة انقسام واضحة في الرؤى والأفكار، جعلته يغط في سبات عميق وكأنه ليس المعني ‏بالحالة، وليس من يعانيها يوميا، لأسباب عديدة منها عدم وجود الرمزية السياسية والاجتماعية الحقيقية. ‏لكن الانقسامات الحالية في أحزاب المنظومة الطائفية والاثنية الحاكمة، والهروب نحو تشكيلات وتسميات ‏أخرى، تؤكد على أن الشارع بات يريد الابتعاد عن الخطاب الحالي الذي هو الركيزة الاساسية للوضع ‏السياسي بعد عام 2003. هذا الخطاب الذي يتحدث على أساس تصنيفات طائفية، وينفذ أجنداته من ‏خلال تشكيلات طائفية وإثنية، بيت سياسي شيعي، وبيت سياسي سني، وثالث كردي وتركماني وغيرها.‏

المزاج المجتمعي بات غير راغب في هذا الوضع، ولم يعد لديه أدنى شك بأن هذه البيوتات السياسية لا ‏تمثله. لكن من يعتقد بأننا أمام مرحلة انقلاب تام فهو على خطأ كبير. صحيح أن الوضع الحالي يشهد ‏حالة تفتيت وتصدع في أركان هذه التشكيلات الطائفية، لكننا لسنا أمام مرحلة إعادة التشكيل على أسس ‏وطنية عابرة للحدود الدينية والمذهبية والإثنية. هنالك كذبة كبرى يسوقها الساسة السنة والشيعة، أسمها ‏تشكيل كتل عابرة للطائفية، وهنالك نغمة وطنية يعزفها البعض ويرتلها آخرون، لكن الوطنية في العمل ‏السياسي لا تعني حصيلة جمع طائفي مع طائفي آخر إطلاقا. كما أنها ليست اتفاقية يوقعها هذا الطرف ‏أو ذاك للانتقال إلى العمل الوطني والتخلي عن الطائفية السياسية. حتى الدعوة إلى الغالبية السياسية بدت ‏وكأنها دعوة خارج إطار التشكيل الطائفي، لكنها في الحقيقة في صلب هذا المنهج.‏

المرحلة الحالية هي مرحلة انحسار تنظيم «الدولة»، خاصة بعد إعادة الموصل ثاني أكبر المحافظات إلى ‏الخريطة العراقية. وما بعد العودة، مرحلة مليئة بالتناقضات الجديدة والصراعات التي ستختلف جذريا عن ‏الصراعات التي راقبنا فصولها في ما سبق. كما أن لها استثمارتها واستحقاقاتها وفيها أوراق ضغط كبيرة ‏ومغرية، وعلاقات وتحالفات مع أطراف إقليمية ودولية، ظهرت بعض ملامحها في زيارة رجل الدين مقتدى ‏الصدر إلى السعودية والإمارات. لكن يجب الانتباه إلى أن من يتحرك أكثر ليس بالضرورة أن يكون هو ‏الرابح، بل ربما يكون في حالة سعي محموم للمنافسة وتحسين الشروط. ‏

أيضا هنالك معادلة جديدة على أرض الواقع يُنظّر لها فصيل الاسلام السياسي الشيعي، وهي أن من ‏يسمون أنفسهم زعامات سنية لم يعد لهم دور في المستقبل، حتى إن كانوا مشتركين بالعملية السياسية، ‏لأنهم لم يحافظوا على المحافظات التي كانوا يحكمون فيها سلموها إلى تنظيم «الدولة»، وأنها حُررت بدماء ‏الشيعة. وأن السعودية كمرجعية لهم أتت للشيعة في عقر حكمهم معترفة بخطأ سياستها.‏

منذ الغزو الأميركي برزت معادلة المهزوم والمنتصر في العراق. المهزومون هم من كانوا في السلطة قبل ‏عام 2003، ويسمونهم السُنة. والمنتصرون هم من وصلوا إلى السلطة بعد ذلك التاريخ ويسمونهم الشيعة. ‏بعد الموصل تعززت هذه المعادلة وتجذّرت أكثر، وأعطت للزعماء من (الطائفة المنصورة) حصانة أكبر ‏من ذي قبل. لذا رأينا كيف أن محافظ البصرة يختلس ملايين الدولارات ويهرب عن طريق إيران بسيارات ‏الدولة سالما. لكن الزعماء من (الطائفة المهزومة) يجدون أبواب السجون مشرعة لهم، ويُطبق القانون ‏عليهم بطريقة نموذجية وبالحد الاعلى من العقوبة. حصل ذلك مع محافظ صلاح الدين وربما محافظ ‏الانبار الذي ينتظر. لكن أليس من العار أن يبقى الفصيل الشيعي الذي رشح محافظ البصرة ‏الهارب، مُصرّا على أن هذا المنصب من حصته حصرا، وهو من سيرشح لها آخر؟ وأليس من العار أن ‏يبقى الحزب الاسلامي العراقي السُني مُصرّا على أن منصب محافظ الانبار من حصته ومن حقه ترشيح ‏غيره؟ ‏

حين تنعدم الاخلاق تماما في الممارسة السياسية، وعندما يكون الدين والطائفة مجرد وسائل في هذه ‏الممارسة، لم يعد هنالك حزب يشعر بالعار حين يرشح لصوصا للمناصب.‏

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,495,505

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"