الدمار والميليشيات يمنعان عراقيين من العودة إلى مناطقهم

الصورة: يتخوّف المدنيون من انتهاكات تُرتكبها الميليشيات المسيطرة على مدنهم.

كرم سعدي

على الرغم من استعادة القوات العراقية مدناً عديدة كانت تحت سيطرة تنظيم "داعش"، إلا أن عدداً كبيراً من ‏سكان هذه المدن يخشون العودة إلى مناطقهم، إذ يعربون عن عدم ثقتهم بتوفير نسبة من الأمان تمكّنهم ‏من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، خصوصاً في ظل وجود الميليشيات التي يتهمونها بارتكاب انتهاكات ‏طائفية.‏

 

عمر جاسم الذي نجا من الموت على يد الميليشيات عام 2013، يقول إنه لن يعود مجدداً إلى الفلوجة، ‏والتي أصبحت اليوم تخلو من أي وجود لعناصر "داعش"، وتبسط القوات العراقية سيطرتها عليها منذ ‏حزيران/ يونيو 2016، بعد أن كانت تحت قبضة التنظيم لأكثر من عامين. عمر الذي ترك دراسته ‏الجامعية في بلده، يواصل منذ عامين الدراسة في جامعة تركية حيث يقيم. يقول في حديث لـ"العربي ‏الجديد" إنه يلاقي صعوبة في العيش والدراسة والعمل، لكنه مضطر لذلك فـ"المعيشة ليست سهلة. أعيش ‏في شقة صغيرة مع مجموعة من الأصدقاء محاولاً تقليل المصروف. أن أعمل وأدرس هذا صعب جداً لكن ‏ليس لدي خيار آخر".‏

يتواصل عمر مع أفراد عائلته الذين عادوا منذ نحو خمسة أشهر إلى الفلوجة، بعد نزوحهم لأكثر من ‏ثلاث سنوات إلى مناطق في العاصمة بغداد، لكنه ما زال غير واثق من استتباب الأمن في بلده. ويقول ‏إن "شباباً ورجالاً كثراً قُتلوا بدم بارد على يد الميليشيات، والتي تفرض سيطرتها في العراق حتى اليوم. لقد ‏كتب الله لي عمراً جديداً حين نجوت بأعجوبة من الموت على أيديها".‏

عمر، وبحسب قوله، ساعده أحد المزارعين في الاختباء داخل سيارته، حين داهمتهم هو ومجموعة من ‏أصدقائه أثناء عودتهم من الجامعة في بغداد إلى مدينتهم الفلوجة، قوة من الميليشيات، واقتادتهم إلى جهة ‏مجهولة، موضحاً أن أصدقاءه وهم ثلاثة، عُثر على جثثهم وقد عذبوا بشدة، وكان ذلك في عام 2013.‏

وتلقى الميليشيات في العراق دعماً حكومياً، وأصبحت قوة أساسية من بين القوات المشاركة في القتال ضد ‏تنظيم "داعش"، لكنها، وفق تأكيدات مواطنين وتوثيق منظمات مجتمعية وحقوقية وتقارير دولية، ارتكبت ‏انتهاكات عديدة بحق مدنيين بدواعٍ طائفية. وانضمت جميع فصائل الميليشيات إلى هيئة "الحشد الشعبي" ‏التي تأسست صيف 2014، بناءً على فتوى من المرجع الديني علي السيستاني، بحجة مقاتلة "داعش" ‏الذي سيطر على مساحات واسعة من البلاد في حزيران 2014.‏

 

في محافظة الأنبار، غرب البلاد، بدأت الحياة قبل أشهر تعود للأسواق والأحياء والقرى في المحافظة التي ‏أعلنت بغداد استردادها نهاية كانون الثاني/ ديسمبر 2015. حركة الأسواق والمقاهي والمطاعم تشهد ارتفاعاً ‏مع ارتفاع أعداد العائدين من أهالي المدينة، بعد نزوحهم منها إثر سيطرة التنظيم والمعارك التي شهدتها ‏المحافظة سابقاً، لكن على الرغم من ذلك ينصح المواطن عبدالحميد العيساوي أولاده الأربعة بعدم العودة.‏

العيساوي، وهو متقاعد وفي العقد السابع من العمر، يرى أن بقاء أولاده بعيداً أكثر أمناً لهم، ويؤكد أن أبناءه يتمنّون العودة، على الرغم من كونهم يعيشون حياة مستقرة في الأردن. ‏ويوضح العيساوي الذي يسكن في قرية بمنطقة الجزيرة في الأنبار: "لقد قُتل اثنان من أبناء أخي، وثلاثة ‏من أبناء عمومتي، وعدد كبير من أقاربي، وراح ضحية الطائفية على يد الميليشيات 11 شاباً من أبناء ‏قريتنا الصغيرة المكوّنة من 27 بيتاً".‏

ويشير إلى أن أقاربه الذين قُتلوا "كانوا يحاولون النجاة بأنفسهم حين هربوا من القرية بعد سيطرة داعش على ‏منطقتنا، فوقعوا بقبضة الميليشيات التي قتلتهم، فضلاً عن مقتل امرأة واثنين من أولادها على يد داعش ‏حين هموا بالهروب من القرية". ويضيف: "الحقيقة أن أولادي يتمنون العودة، وقد عرضوا عليّ حلولاً عديدة ‏من بينها الإقامة في بغداد، ليكونوا قريبين مني ومن والدتهم، لكني أرفض هذا باستمرار، فحياتهم أغلى من ‏وجودهم قربنا".‏

ولا يقتنع العيساوي بالأمان الملحوظ الذي تشهده الأنبار، وهو ما شجّع آلاف العائلات التي نزحت سابقاً ‏على العودة إلى مناطقها، ويشير إلى أن "داعش ما زال يمتلك جيوباً في صحراء الرمادي، وحتى الآن ‏يشكّل خطورة، كما أن الميليشيات التي قتلت كثيرين منا تفرض وجودها في البلاد"، مضيفاً "لن أدع أولادي ‏يعودون حتى تنتهي بلادنا من وجود هذه المجموعات المسلحة المجرمة".‏

أما في الموصل شمال البلاد، والتي أعلن رئيس وزراء النظام حيدر العبادي تحرير الجانب الأيمن منها في تموز/ يوليو الماضي، وكان قد أعلن تحرير الجانب الأيسر منها في كانون الثاني/ يناير الماضي، فيراقب ‏كثير من سكانها النازحين منها، ما يدور فيها عبر وسائل الإعلام، خصوصاً بعد عودة أعداد كبيرة من ‏سكانها النازحين إليها.‏

السكان العائدون إلى الموصل هم من الجانب الأيسر، إذ لم تتعرض هذه المنطقة إلى التدمير الكامل ‏مثلما هو الحال في الجانب الأيمن، والذي لم يعد صالحاً للسكن، بعد أن تهدمت أحياؤه وبناه التحتية.

‏العائدون في الغالب، بحسب ما يقول الناشط في المجال الإغاثي محمد الطائي، كانوا ‏في مخيمات تفتقد إلى الخدمات البسيطة، وفضّلوا العودة إلى السكن في بيوتهم بالجانب الأيسر على الرغم ‏من كون بعض هذه البيوت لم يعد صالحاً للسكن، لتعرضها لهدم في بعض أو أغلب أجزائها نتيجة ‏المعارك.‏

الهدم الكامل أو الجزئي الذي تعرضت له منازل المدينة، يدفع كثيراً من السكان النازحين إلى عدم ‏العودة، وهو ما يشير إليه المواطن رافع الشمري الذي يرى أن "المدينة لم تعد موجودة". الشمري الذي يقيم ‏في اليونان برفقة عائلته، بعد نزوحه من الموصل عام 2014، يقول إنه على تواصل مستمر مع أقارب ‏وأصدقاء بعضهم عاد إلى الموصل.‏

ويشير إلى أنه كان يملك منزلين في الجانب الأيسر من الموصل ومحال ‏تجارية في الجانب الأيمن منها، ووفقاً لصور وصلته من أقاربه وأشخاص كانوا يعملون في محاله التجارية، ‏فكلها لم تعد موجودة. ويضيف: "المنزلان تحوّلا إلى أطلال بسبب المعارك التي دارت بين داعش والقوات ‏العراقية، وقيل لي إنهما تعرضا لقصف جوي إذ كان عناصر داعش يختبئون فيهما"، مستطرداً بالقول ‏‏"مخبزان وخمسة محال أملكها في أسواق بالجانب الأيمن سُويّت بالأرض للسبب نفسه".‏

ويلفت الشمري إلى أن "ما يصلني من صور ومقاطع فيديو وما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي وفي ‏وسائل الإعلام، يؤكد أنه لم تعد هناك مدينة اسمها الموصل. ليس هناك سوى بقايا مدينة".

ويضيف ‏‏"الدمار بالإمكان تجاوزه، نستطيع بناء ما تدمر مهما طال الوقت، لكن العيش بأمان هذا ما لا نثق به ‏حتى نرى تبديلاً في الحكومة، وأن يعدل القضاء فيُحاسب المجرمين من الميليشيات والفاسدين الذين سرقوا ‏البلاد وما زالوا يسرقون". ويؤكد أن "انعدام الأمن ووجود الميليشيات عاملان مهمان لبقاء الفساد الذي بسببه ‏تنعدم الخدمات في كل محافظات البلاد، حتى تلك التي تُعتبر آمنة ومستقرة كالمحافظات الجنوبية، كل ‏هذا يدفعنا إلى البقاء خارج بلدنا، ويبقينا نترقب العودة".‏

 

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,534,332

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"