هل ستولد دولة مهاباد الثانية في العراق؟

الصورة: إعدام رئيس جمهورية مهاباد، قاضي محمد، في إيران عام 1947. أرشيفية.

مثنى عبدالله

أيام قليلة تفصلنا عن الاستفتاء المزمع عقده لتحديد قرار الأكراد بإنشاء دولة لهم من عدمه، بعدما يقارب ‏70 عاما على ولادة دولة مهاباد الكردية عام 1946، والتي لم تستمر في الوجود سوى 11 ‏شهرا.

 

حصل استفتاء عام 2005 لاغراض ابتزاز الحكم في بغداد، وكانت نسبة المؤيدين قرابة 98%. اليوم ‏هنالك حراك سياسي كردي لشرعنة قيام دولة كردية، يقابله حراك عراقي/ تركي/ إيراني، بعدم السماح ‏بتفعيل المسألة الكردية خارج إطار كيانات هذه الدول. وهم يعملون معا ضد أي سياسة انفصالية كردية، ‏على الرغم من أن هذه الدول فشلت جميعها في تشكيل آيديولوجية وطنية يكون الأكراد جزءا منها في دولة ‏وطنية. كما فشلوا أيضا في إبقاء القضية الكردية في إطار الدولة، وحلها بجهودهم الخاصة، ومنع أي ‏مساع للانفصال.‏

الحراك الكردي اليوم قوي إلى درجة لا يمكنه فيها أن يبقى من دون التوصل إلى نهاية، والنهاية المنطقية ‏لهذه العملية حسب ما يؤمنون به هي إنشاء دولة. وأيا ما كانت تصريحات بعض ساستهم الودية والسلمية، ‏فإن قيام الدولة باتت مطروحة ومدفوعة بقوة مستمدة من القومية، وإعلان الاستقلال معناه ارتقاؤهم من ‏مستوى العرق إلى مكانة الأمة، وأي أمة تسعى إلى قيام دولتها. هنا يُقال إن طرح موضوع الاستقلال، هو ‏مجرد طموح تكتيكي للاحزاب والحركات السياسية الكردية الموجودة اليوم، مستندين إلى الابتزازات الكردية ‏السابقة لحكومة بغداد في موضوع التمويل وكركوك، لكنهم ينسون المنطق العام لتطور العملية التاريخية، ‏الذي يعني قيام الدولة. صحيح أن التواجد الكردي السياسي في العراق وتركيا كبير جدا، فمنهم رئيس ‏الجمهورية ووزراء وبرلمانيون في العراق. وكذلك في تركيا منهم رئيس الوزراء ووزراء ونواب، لكن كل هذا ‏لم يعد مقنعا لهم للبقاء في هذه الاطر، خاصة أن الجيل الكردي الشاب حاليا بدأ يرفض التعريف بنفسه ‏كونه عراقيا أو سوريا أو تركيا. كما أنهم يمتلكون اليوم جيشا وأجهزة أمنية ومؤسسات دولة وحكما، ونفطا ‏وسياحة واستثمارات وموارد أخرى، على الرغم من المشاكل المستعصية في أكثر من صعيد. وأن الظروف ‏التي تمر بالمنطقة برأيهم هي أكثر إيجابية لهم من ظروف عام 1991.‏

يسأل البعض عن الموقف التركي في هذا الجانب ونقول، خشيت تركيا من مناطق حكم كردية في العراق ‏وقبلت بها في ما بعد. وقد وصل حجم التبادل التجاري مع الاكراد 4 مليارات دولار سنويا، ونصف ‏الشركات العاملة في شمال العراق شركات تركية. الظاهر أنهم اليوم يرفضون إقامة مناطق حكم كردي في ‏سوريا أيضا لكنهم سيقبلون بها في ما بعد كذلك. صحيح أننا دائما ما نذكر حالة العداء بين تركيا والاكراد، ‏لكننا غالبا ما ننسى الموقف التركي اليوم الذي بات براغماتيا، خاصة مع فشل النزعة العثمانية الجديدة، ‏التي كانت تطمح لجمع أكراد العراق وسوريا إلى الدولة التركية في دولة عثمانية جديدة، حيث حاولوا أن ‏يرأسوا التيار الكردي في المنطقة لصالحهم لكنهم فشلوا.‏

وماذا عن الموقف الأميركي أيضا؟ دعونا نضع السؤال بالصيغة التالية: هل الأميركان يلعبون الورقة ‏الكردية؟ أم أن الاكراد هم من يلعب الورقة الاقليمية لتحقيق أهدافهم؟ لقد استثمرت الولايات المتحدة هذه ‏الورقة كثيرا، وقبل الأكراد بهذا الاستثمار طويلا دون عوائد لهم، إلى الحد الذي كانوا فيه بندقية على الكتف ‏الأميركي زمنا طويلا. اليوم ترفض أميركا الاستقلال الكردي حفاظا على الحدود الدولية المعروفة، لانها ‏تدرك بأن ما بعد الاستقلال حروب وأزمات لا تنتهي. كما أنها تعلم بأن العزف الجديد على موضوع ‏الاستقلال هو لعب كردي للتخلص من المشاكل الداخلية المستفحلة، ولكسب مساعدات واهتمام أقليمي ‏ودولي لهم. لكن الرفض الأميركي ما زال لحد الان قولا لا فعلا، بينما لديهم القابلية الكبيرة على فرض ‏الرأي والضغط عليهم للتخلي عن هذا الهدف. لكن يبدو أن الاستثمار في هذه القضية لم تستنفد أغراضها ‏بعد.‏

هنا يجب ألا تغيب عن البال حسابات الموقف الايراني كذلك. فهذه الدولة لا ترغب أن يأتيها الصداع من ‏أكرادها، في وقت هي في أمسِّ الحاجة إلى هدوء الجبهة الداخلية، لتحقيق الأهداف المرجوة من انخراطها ‏في ملفات إقليمية كبيرة. كما أنها ترى في العراق لقمة سائغة تريدها كاملة في الفم، وتحسب حسابات ‏حلفائها في الحكم، في أن لا يبدو وكأن العراق يتمزق في ظل سلطتهم. فالايرانيون واثقون من أن انفصال ‏الاكراد يعني لاحقا انفصال السنة الذي سيمحي طريقهم الحريري إلى سوريا فالبحر المتوسط. وقد حاولوا ‏الضغط على حلفائهم في السليمانية لعرقلة الاستفتاء، لكن هؤلاء ينظرون إلى مصالحهم أيضا ويريدون ‏جزءا من كعكة الدولة الكردية. لذا قد نرى لاحقا انخراطا عسكريا إيرانيا في شمال العراق، تحديدا محافظة ‏السليمانية، لزعزعة الجهد الكردي لقيام الدولة الكردية.‏

هل (إسرائيل) بعيدة تماما عن هذا الملف؟

محال أن يكون ذلك لأن المسألة الكردية على قدر كبير من ‏الاهمية لمصالحها في الشرق الاوسط، ولا يمكن أن تدعها تفلت من يدها كقاعدة مهمة لها للعمل ضد ‏أعدائها في المنطقة، كما أنها مجسّات بالغة الحساسية للتعامل مع أي تغيرات في الوضع السياسي في ‏المحيط. وقد ستثمرت في العلاقة مع الاكراد كثيرا في المجالات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية. قد ‏يكون إعلان الاستقلال أشبه بقرار حصار وعزلة كبيرة ضد الاكراد من قبل دول محيطة، وربما بعيدة أيضا، ‏كما أنهم سيفقدون مزايا اقتصادية وعناصر حماية يوفرها لهم وجودهم كجزء من العراق.

والاهم من كل ذلك ‏هو هل يوجد في ذهن الساسة الاكراد مشروع استراتيجي لقيام الدولة؟ ما هي إجراءاتهم المستقبلية لمصالح ‏أكثر من مليوني كردي موجود في بغداد، حين يصبحوا جالية لدولة أخرى؟ وماذا عن خط الأنبوب ‏الاستراتيجي الناقل للنفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي الذي يمر بشمال العراق؟ وما مصير ما يسمى ‏الاراضي المتنازع عليها، خاصة كركوك الغنية بالنفط وقدس أقداس الاكراد كما صرح بذلك مسعود ‏بارزاني؟ ‏

يشير ساسة أكراد إلى أن هذه أمور يمكن التوصل إلى حل لها وهي ليست صعبة. صحيح ذلك لكن كم ‏من الوقت سيمضي، وكم دماء ستجري، وكم موارد ستُهدر لحين الوصول إلى حل؟ لقد استقل جنوب ‏السودان عن شماله فأوقف النفط المار عبر الانبوب في أراضيه، وانطلقت معارك كبرى بين الجنوب ‏والشمال في آبيه، وحصلت مذابح بين الشماليين والجنوبيين في المناطق المختلطة، وطردت حكومة ‏الشمال مئات الاف من العمال الجنوبيين من العمل لانهم باتوا بحاجة إلى إذن إقامة. كما ما زالت ‏المشكلة قائمة في البوسنة بعد 20 عاما من تقسيم يوغسلافيا وكذلك في كوسوفو، وبين أرمينيا وأذربيجان. ‏إذن فالتقسيم والحدود والاستقلال قد يشفي الغليل لكنه ليس الحل الحقيقي.‏

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,269,033

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"