أزمة الخليج العربي وأثرها في تراجع الخطاب الإعلامي المهني

نزار السامرائي

لست قطرياً ولا ينبغي لي أن أكون، ولست سعودياً أو إماراتياً ولا ينبغي لي أن أكون، مع كل التقدير والإجلال ‏لهذه الأقطار العربية وشعبها العربي الأبي الذي أعتز به أيمّا اعتزاز، حيث تربينا في العراق على أن وطننا يمتد ‏من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ومع ذلك فأنا عراقي الأصل والمولد والجنسية وأعتز بهذا الانتماء ‏مهما دارت بي عجلة الزمن أو جارت عليّ الأيام أو تشرَّدت شرقا أو غربا، ولا فرق عندي بين بلد عربي ‏وآخر، فأنا قومي التوجه بعثي الفكر وقد قلتها مرارا وتكرارا حتى صارت مملة لدى من اطلّع عليها قبل ‏اليوم.‏

 

ولكنني أقولها بصدق ويقين بأنني أحس بأنني حريص على المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات ‏ومصالحها وأمنها القومي أكثر من كل العاملين في فضائيات "الجزيرة" و "العربية" و "الحدث"، لأن هذه ‏الفضائيات تحولت بين ليلة وضحاها إلى صبي أحمق أو مجنون يقذف الجدران الزجاجية في زقاق بيتهم ‏ويكّسر المصابيح التي تنير شوارع المدينة، بالحجارة.‏

لا ألوم العاملين فيها، إذ أنهم تركوا بلدانهم مختارين بعد أن تركوا جمالها وهواءها الطيب وجاءوا إلى دول ‏الخليج العربي عالية الحرارة والرطوبة والمختلفة في تقاليدها الاجتماعية، مع كل معاناة الغربة عن الوطن ‏ومرارة العيش بعيداً عن الأهل، وكما جاء في القرآن الكريم (ولا ينبئك مثل خبير) فقد قاسيت من وحشة ‏الغربة وضراوتها أكثر من ثلاثة عقود لا مختاراً بل مضطراً، وحبل السنين على الجرار، ولكن شتان ما بين ‏من اختار الغربة الناتجة عن هجرة بحثاً عن تحسين أوضاعه المادية في بلده مع مورد يعيش هو وأسرته ‏منه، أو مرتّب يرتزق منه لتنمية ثروة يحلم بتنميتها ولو على آلام أولياء نعمته وجراحات بلدانهم النازفة، ‏وبين هجرة من أضطر إليها بقوة الضغط والسلاح حد القتل!

واقع الحال عندما كنت أتابع هذه الفضائيات لاحظت أن معظم مذيعيها، إن لم يكونوا كلهم، وكذلك العاملين ‏فيها وبمختلف الأقسام الفنية والتحريرية، ربما ما عدا الشؤون المالية وبعض الشؤون الإدارية، هم من غير ‏مواطني البلدان المالكة أو الممولة لهذه القنوات، لأسباب اجتماعية ومالية تعكس عزوف المجتمع ‏الخليجي عموماً عن الوظائف الإدارية والانصراف إلى أعمال التجارة وشؤون المال، فضلاً عن أن أقطار ‏الخليج العربي لم تصل مرحلة الاعتماد على الكوادر المحلية لإشغال وظائف إعلامية من مستوى عمل هذه ‏الفضائيات التي أرادتها الدول التي أطلقتها استنساخا لـ ‏BBC‏ بحكم أن الجزيرة ولدت من رحم ‏BBC‏ ‏وعلى أكتاف عدد من العاملين السابقين في هيئة الإذاعة البريطانية بما في ذلك الفنيين منها، وحين ارتأت ‏جهات خليجية إطلاق فضائيات منافسة لفضائية "الجزيرة" لم تشأ أن تكون أقل شأناً منها سواءً في شكليات ‏الرسالة الإعلامية أو في مضمونها السياسي والفكري، وإن كانت في واقع الحال أضعف في مجمل النتيجة ‏التلفزيونية منها، وظل التنافس قائماً بين الجانبين من دون الإعلان عن تاريخ ميلاده!

ولكن مع اندلاع ‏الأزمة الخليجية الأخيرة، نزع كل فريق لباس الحشمة والحياء وظهر على حقيقته، أشبه بالملك ‏الذي كان عارياً إلى أن صرخ طفل "أن الملك عارٍ" وظهر على السطح ما كان مخفياً من قيح وحصبة ‏وجدري في وجوه العاملين فيها، لأنهم ظهروا قبل دخولهم إلى غرفة المكياج، وإذا بهذه القنوات تنحدر إلى ‏مستويات مضحكة حد البكاء ومثيرة للسخرية بأدائها ورسائلها الإعلامية، بل عرّت ما كان سائداً من صورة ‏أخوية لعلاقات أقطار الخليج العربي، فأين ذهبت كل تلك الرصانة المزعومة؟ وأين اختفى كل الوقار الذي ‏كان يطلُّ فيه المذيعون علينا قبل نشوب الأزمة بين قطر ودول الحصار، وخاصة ما يرتبط بهذه الأزمة ‏حتى بدأ كثير من العرب يطرحون أسئلة عن مستقبل هؤلاء العاملين فيما لو عادت المياه إلى مجاريها بين ‏دول تعوَّدنا منها كل المفاجآت والانتقال من حالة الود والتطابق إلى الكراهية والعداء، أو من التصادم ‏والحرب إلى التوافق والزواج الكاثوليكي!

أنا أقدّر ظرف غير القطريين وغير السعوديين والإماراتيين في كل من "الجزيرة" و"العربية" و "الحدث" في كسب ‏رضا المسؤولين في هذه البلدان، والتي يظنون أنه يتلخص في المزايدة على المواطن في ولائه واندفاعه ‏لخدمتها، حتى أنهم أحياناً يحرجون المسؤولين والضيوف في ما يطرحون من مواقف، بحيث يبدأ الضيف ‏بسؤال نفسه هل يصحّ له أن يكون أقل حماسة من مذيع غريب في الدفاع عن بلده؟!

ومن الملاحظ أن ‏هؤلاء المذيعين ومقدمي البرامج لا يكترثون للآثار الناجمة عن التناسل السريع للأزمة ولا يهمهم أين يصل ‏سيلها، لا سيما أنهم يتصرفون على نحو يظنون أنه يرضي مركز القرار السياسي في البلدان التي يعملون ‏فيها، ولكن هذا الأداء لا يمكن أن يخدم رسالة الإعلام وما يسعى إليه من تأكيد مهنيته وحياده وطموحه ‏للوصول إلى مستوى أداء BBC، فضلا عن أنهم سيبقون في حال المصالحة الخليجية بسواد ‏وجوههم.‏

فهل هناك من يُراهن على ثبات في السياسات العربية إلى الأبد؟!

أظن أن من يفعل ذلك يمتلك غباءً مركباً ‏وراسخاً في فهم التقاليد العربية العاطفية المتقلبة على مدار الساعات.‏

الوطن العربي مرتهن الإرادة وهناك من يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات نيابة عنه أو فرضها عليه على ‏نحو يتماهي مع المزاج العربي العام والمصالح العليا "للأصدقاء الخارجيين" وعلى رأسهم الأميركان.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,949,124

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"