في حوار مع وجهات نظر، الدبلوماسي والأكاديمي العراقي عبدالواحد الجصاني: حق تقرير المصير لا ينطبق على الأكراد، ولا ينبغي التطيّر من "مغامرتهم المتهورة"/ 1

الصورة: اللقاء التاريخي بين الرئيس صدام حسين (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة حينها) والملا مصطفى البارزاني فتح أبواب حلٍ شاملٍ للقضية الكردية في شمال العراق.

قال الدبلوماسي والأكاديمي العراقي المعروف، الدكتور عبدالواحد الجصاني، إن حق "تقرير المصير" كما وصَّفه القانون الدولي لا ينطبق على مواطني دولة العراق من القومية الكردية، كما لا ينطبق على الأكراد في أي من الدول المجاورة للعراق.

وأكد في حوار خاص أجرته معه صحيفة وجهات نظر أن أكراد العراق جزء من نسيج المجتمع العراقي، ولم يحصل تمييز ضدهم في أي وقت بسبب انتمائهم العرقي.

وشدد الدكتور الجصاني على أن ادّعاء الساسة الأكراد أنهم يمثلون حركة تحرر ‏وطني هو كلام باطل، مشيراً إلى ان "حقائق التاريخ القريب تؤكد أن هؤلاء الساسة قبلوا، ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، أن يكونوا حركة تمرد مسلحة تأتمر بأوامر ‏القوى الإقليمية والدولية التي تعمل على إضعاف العراق"، موضحاً أن "التاريخ يؤكد أن هؤلاء الساسة لم يتوافقوا مع أي من الحكومات التي مرَّت على العراق، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار".

وأضاف الدبلوماسي العراقي أنه "بالرغم من حرصنا على الوحدة الوطنية للعراق، فإن على العراقيين أن لا يتطيّروا من إجراء الأكراد لهذا الاستفتاء، بل وحتى إذا ما أعلنوا دولتهم المستقلة، موضحاً "تضطر أحياناً لأن ‏تترك المغامر المتهور يذهب إلى آخر الشوط لكي يكتشف فساد بضاعته، ثم يعود إلى حضن الوطن بأقل الخسائر".

وعن مستقبل الأوضاع في العراق في ظل الاجراءات الكردية المرتقبة، قال الدكتور الجصاني إن "الأكراد لم ‏يقبلوا بالحدود الإدارية لمحافظات السليمانية واربيل ودهوك، بل ابتدعوا في دستور عام 2005 موضوع (المناطق المتنازع عليها) ‏وهذا سيقود إلى صراع دموي على الأراضي والموارد لا أفق لنهايته، لأنّه مصطنع ولا يستند إلى أي منطق جغرافي أو ديموغرافي ‏أو تاريخي".

وعن موقف دول الجوار من (الدولة الكردية المزمعة) أكد "حتى لو ‏فرضنا أن الدول المجاورة قبلت بالتعايش السلمي مع الدولة الجديدة، فإن هذه الدولة ستكون، رغم العلم والدستور ومجلس الأمة، ‏أسيرة ارادات الدول الثلاث".

وتابع القول "إذا كان بعض ‏الأكراد يشكو اليوم من ظلم السلطة العراقية المُنشأة بعد الاحتلال، فغداً سيخسرون مظلة الدولة العراقية ويفتحون عليهم أطماع ثلاثة دول مجاورة ‏وأطماعاً أجنبية أخرى، وتصبح كردستان العراق أرضاً لا سيادة لأحد عليها، مثل أجزاء من الصومال الحالية".

وأكد أن "الأحزاب الكردية في العراق مشتتة الولاء لقوى خارجية: إيرانية وتركية و (إسرائيلية) وأميركية الخ... وهذه الولاءات المتناقضة يمنع ‏تصادمها حالياً ادِّعاءٌ مصطنعٌ بوجود عدو مشترك، إضافة إلى وجود موارد منهوبة من دولة فاسدة (هي العراق اليوم) بما يُرضي جميع الأحزاب، ولكن عندما ‏ينكشف هذا الغطاء ستتفاقم الصراعات بين الولاءات، وستكون كردستان العراق في حالة أسوأ من وضع جنوب السودان، حيث ‏الاحتراب الداخلي يأخذ مأخذه".

وبخصوص العامل الدولي في دعم انفصال أكراد شمال العراق، أوضح الدبلوماسي الجصاني "لم تعد (القضية الكردية) عنصراً هاماً في سياسات كثير من الدول الغربية، بعد ان أصبح العراق منهكاً ولا حاجة لطرف محلّي يُنهكه ‏أكثر، كما كان يجري في السابق، لذلك فإن تعويل الأكراد على الدعم الغربي  لهم هو تعويل غير واقعي" مشيراً إلى أنه "حتى الولايات المتحدة التي ترى في الأكراد ثاني أكبر ‏حليف لهم في المنطقة بعد (إسرائيل) تخشى التورط في (المستنقع الكردي) لأن آفاق نجاح هذه (الدولة) شبه معدومة"‎.‎

وحول طريقة التعامل مع مخططات الانفصال والشرذمة قال الدكتور الجصاني "يتوجّب على المثقفين العراقيين تكثيف جهودهم في نشر قيم الوطنية والوحدة والمستقبل المشترك، مع تركيز على المواطنين العراقيين الأكراد، وإبراز ‏مخاطر جنوح المغامرين السياسيين إلى المساس بهذه الوحدة".‎

 

وفيما يأتي الجزء الأول من الحوار..

*يكثر الحديث هذه الأيام عن منح أكراد شمال العراق حق تقرير المصير في استفتاء سينظم في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، هل ينطبق هذا الحق على الأكراد في شمال العراق؟

  • مبدأ الحق في تقرير المصير الوارد في ميثاق الأمم المتحدة وفي قرارات الجمعية العامة ينطبق على البلدان والشعوب المستعمرة ‏ولا ينطبق على المجموعات العرقية أو الثقافية التي ترغب بالانفصال عن الدولة التي هي جزء منها. الفقرة (1) من قرار الجمعية ‏العامة 41/101 تقول "تطلب إلى جميع الدول أن تنفذ تنفيذا كاملا وأمينا جميع قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بممارسة الحق في ‏تقرير المصير والاستقلال للشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية". 

*إذن ما هو الأساس الذي تعتمد عليه سلطات إقليم كردستان في شمال العراق في إجراء هذا الاستفتاء، إذا كان حق تقرير المصير لا ينطبق عليهم؟

  • رغم أن حق تقرير المصير لا ينطبق على الأكراد في شمال العراق، وفي أيٍ من الدول المجاورة للعراق التي هم جزءٌ من شعبها، كما بيّنّا في أعلاه، لكن بالمقابل أصبح مبدأ الانفصال الطوعي، لمجموعة إقليمية أو عرقية أو ثقافية، عن الدولة التي هم جزء تاريخي منها، من الأمور ‏المقبولة في العلاقات الدولية، حيث يوجد لدينا حالياً في أوروبا أحزاب ومنظمات طالبت وتطالب بتنظيم استفتاء للانفصال عن الدولة الأم، ‏مثل كاتالونيا الأسبانية وكورسيكا الفرنسية واسكتلندا البريطانية، وحتى ولاية كاليفورنيا فيها حركة تدعو للانفصال عن الولايات ‏المتحدة. 

*هل تستند هذه المطالبات على الدوافع العرقية والثقافية فقط أم أن لها دوافع أخرى؟

  • هذه الحركات، ورغم أنها تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان وإلى جوهر الديمقراطية المستند إلى رأي الشعب، إلا أن ‏الاقتصاد يلعب دوراً أساسياً في رغبتها بالانفصال، فهي ترى أنفسها مناطق أو ولايات غنية لكن القوانين والضرائب الفيدرالية تستنزف مواردها، وأنها ‏لو استقلَّت لازدهرت اقتصادياً. 

*وهل تعتقد أن هذه الرؤية واقعية وعملية؟

  •  أعتقد أنها نظرة قاصرة، مثلها مثل تصويت أغلب البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، فقد صوّتوا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، ثمّ  بدأوا ‏الآن يكتشفون أن فوائد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعيدة المدى أكبر بكثير من أعبائه‎.‎ 

*لكن الأحزاب السياسية المسيطرة على أكراد العراق تقول أن الأكراد تعرضوا إلى تمييز عرقي وعمليات إبادة بسبب قوميتهم، ما رأيكم؟

  • أكراد العراق جزء من نسيج المجتمع العراقي، ولم يحصل تمييز ضدَّهم في أي وقت بسبب انتمائهم العرقي، وإن ادِّعاء قادتهم إنهم يمثّلون حركة تحرر ‏وطني هو كلام باطل، والحقيقة أن هؤلاء القادة  قبلوا، ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، أن يكونوا حركة تمرد مسلحة تأتمر بأوامر ‏القوى الإقليمية والدولية التي تعمل على إضعاف العراق، كما أن التاريخ يؤكد أن هؤلاء القادة لم يتوافقوا مع أي من الحكومات التي مرَّت على العراق، من أقصى اليمين ‏إلى أقصى اليسار. كما أثبتت وقائع التاريخ القريب، إنهم عندما يتوقّف عنهم الدعم الخارجي يصبحون كالقشّة في مهب الريح، كما حصل بعد اتفاق الجزائر بين العراق وإيران عام 1975‏‎، حين انهارت حركة التمرد الكردية خلال أيام وسلَّمت أسلحتها وأعلنت تخليها عن التمرد المسلح بعد توقف دعم شاه إيران لهذه الحركة.‎ 

*هل يعني هذا أننا يجب أن نقف بقوة ضد انفصال كردستان، خاصة أن الزعامات الكردية تسعى إلى توسيع خارطة الإقليم إلى مناطق أخرى، ربما تعادل ضعف مساحة أراضي المحافظات الكردية الثلاث؟

  • إذا طالب الأكراد في محافظات الحكم الذاتي الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك) بالاستفتاء، وحتى بالانفصال، فلا يجب على كثير من العراقيين أن يتطيّروا من ذلك، لأنّك أحياناً تضطر أن ‏تترك المغامر المتهوّر يذهب إلى آخر الشوط لكي يكتشف فساد بضاعته، ثم يعود إلى حضن الوطن بأقل الخسائر، لكن الأكراد لم ‏يقبلوا بالحدود الإدارية لمحافظات السليمانية واربيل ودهوك، بل ابتدعوا في دستور عام 2005 موضوع (المناطق المتنازع عليها) ‏وهذا سيقود إلى صراع دموي على الأراضي والموارد لا أفق لنهايته، لأنّه مصطنع ولا يستند إلى أي منطق جغرافي أو ديموغرافي ‏أو تاريخي. ولنتذكر ماذا حصل بين صربيا والبوسنة من مذابح على وراثة جمهورية يوغسلافيا، والمتوقع في العراق سيكون أكثر خطورة ‏وإيلاما‎.‎ 

يتبع في جزء ثاني..

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,534,304

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"