الاستفتاء على الانفصال وما يسمى بحق تقرير المصير للشعب الكردي في اقليم كردستان بشمال العراق

غني نعمان الطائي

تدور هذه الأيام أحاديث كثيرة في الساحة العراقية عن الاستفتاء في محافظات اقليم كردستان على الانفصال عن الدولة العراقية، ويطرح فيها ما يسمى بـ(حق تقرير المصير للشعب الكردي في العراق) مما يثير إشكاليات سياسية ومغالطات قانونية كثيرة، من شأنها إلحاق مزيد من الضرر الجسيم  بالوطن العراقي المكلوم بجروح الفساد والتطرف والارهاب ومنهج الاقصاء الديني والعرقي والطائفي المدمر في ظل الاحتلال والهيمنة الايرانية.

وفي هذا الصدد نشير إلى الملاحظات التالية:

 

أولاً: إن فساد النظام السياسي القائم في العراق وانحرافه لا يبرران للأحزاب الكردية الدعوة لفصل أجزاء من أرض العراق، خصوصاً ان الأحزاب الكردية شاركت في التهيئة لهذا النظام قبل الغزو، وفِي بنائه على اسس منحرفة بعد الاحتلال، وأسهمت إسهاماً فاعلاً في إيصال العراق الى هذا المستوى من التدهور والانحراف والفساد والظلم والتعسف.

فالموقف المعارض لانحراف النظام لا يجيز معاقبة الوطن العراقي والانتقام من الدولة العراقية.

ثانياً: ان الحديث عن حق تقرير المصير بوصفه حقاً مكفولاً في القانون الدولي لا يقوم على أي أساس قانوني. فالقانون الدولي يتيح حق تقرير المصير للشعوب الخاضعة للاستعمار والاحتلال الأجنبي فقط، وهذا ما نصَّ عليه قراران للجمعية العامة للأمم المتحدة باتا بحكم القاعدة القانونية الاساسية في هذا الشأن وهما:

١- (( قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٥١٤ (د-١٥) في ١٩٦٠/١٢/١٤ الذي تضمن اعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة)) والذي يعترف بحق الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية والقهر الأجنبي في تقرير المصير والحريّة والاستقلال.  

٢- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٣٢٤٦ الدورة ٢٩ بتاريخ ١٩٧٤/١١/٢٩ وعنوانه (حق جميع الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية والقهر الأجنبي، غير القابل للتصرف في تقرير المصير والحريّة والاستقلال) وهو يؤكد على القرار السابق أعلاه للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثالثاً: متى كان شعب اقليم كردستان يخضع  لاحتلال دولة العراق لكي يمنح سكانه حق تقرير المصير؟!

هل كانت أرض الإقليم تشكل دولة مستقلة أو تابعة لدولة أخرى غير دولة العراق وقامت دولة العراق باحتلالها لكي يُمنح سكانها حق تقرير المصير؟

عودوا لتاريخ العراق تجدون أن أرض المحافظات الثلاث ذات الأغلبية الكردية كانت دائما جزءا من الكيان العراقي منذ عهود الدول البابلية والآشورية والعباسية، وكان أغلب سكانها من السريان العراقيين، وحتى اسم محافظة "أربيل" اسم بابلي كان في الأصل "أربا أيلو" اي مدينة الآلهة الأربعة. وفي أيام الحكم العثماني كانت تابعة لولاية الموصل التي هي واحدة من ثلاث ولايات تشكلت منها الدولة العراقية الوطنية الحديثة منذ عشرينيات القرن الماضي.

إن القول بحق الأكراد العراقيين في تقرير المصير يعني أنهم كانوا ومازالوا خاضعين  للاحتلال والاستعمار من جانب الدولة الدولة العراقية. وهذه مغالطة تاريخية تدحضها كل الوقائع.

رابعاً: إن القول بهذا الحق المزعوم يعني أن لكل مجموعة سكانية ذات هوية عرقية أو دينية أو مناطقية متميزة الحق في الانفصال عن دولتها الأم. وهذا يعني أن للسكان المسلمين في فرنسا (والذين يزيد عددهم على سكان منطقة الحكم الذاتي في العراق) الحق في تقرير مصيرهم والانفصال عن فرنسا، وينطبق الامر نفسه على الأتراك في ألمانيا والنمسا، كما يعني أيضا أن للسكان الهنود في بريطانيا، والذين يزيد عددهم على سكان المحافظات الكردية، الحق في تقرير المصير والانفصال عن بريطانيا، وكذلك الحال للبنانيين والسوريين في بلدان أفريقية وأميركية لاتينية كثيرة. بل ان الولايات المتحدة التي تضم اكثرمن 4 آلاف مجموعة دينية ومذهبية مختلفة ستتمزق الى مئات الدول إذا منحت كل مجموعة دينية وعرقية مختلفة الحق في الانفصال!!

خامساً: ثمة مغالطات هزيلة كثيرة ترد في حديث المسؤولين الأكراد ومنها (ان اقليم كردستان اتحد طوعا مع العراق بعد 2003)! أي أن الوضع الشاذ الذي فرضته أميركا وبريطانيا على العراق بعد عدوان 1991 والذي اضطر الدولة العراقية لسحب الادارة الحكومية من المحافظات الثلاث قد رتَّب حقوق السيادة والاستقلال للمنطقة، لكنها اتَّحدت مع العراق طوعاً بعد الاحتلال ومن حقها الآن أن تفض هذا الاتحاد! وهذا أمر غير صحيح على الإطلاق.

كما ان القول ان "شعب الإقليم كان يتعرض قبل عام 2003 لحصار متعدد من حكومة بغداد ومن الجارتين تركيا وايران" فيه مغالطة كبرى. فقد خصصت حكومة العراق الوطنية جزءاً من الحصص التموينية الواردة بموجب برنامج الغذاء مقابل النفط لشعب الإقليم، بحسب عدد سكان المحافظات الثلاث، بإشراف الامم المتحدة وكانت الحكومة العراقية تخصص جزءاً من المواد النفطية للإقليم وكانت شركة تابعة لعائلة مسعود بارازاني تدير هذه الشركة التي كانت تتسلم كميات من مشتقات النفط العراقي لاستهلاك محافظات الإقليم. وحتى الكتب الدراسية كانت الحكومة الوطنية ترسلها للإقليم. ثم توَّجت الحكومة الوطنية نهجها هذا في التعامل الوطني المحتضن للإقليم وأهله، رغم الإجراءات الاميركية البريطانية لإبعاده عن ادارة الحكومة الوطنية المركزية، توَّجته بالاستجابة السريعة والفورية لطلب السيد بارازاني للقيادة الوطنية العراقية لإنقاذ الإقليم من غزو بيشمركة جلال طالباني المدعومة بقوات إيرانية تقدمت واحتلت أجزاءً من محافظتي أربيل ودهوك اضافة للسليمانية، فتحركت قوات الجيش العراقي وطردت القوات الغازية وحررت الإقليم وانسحبت تاركة للسيد بارازاني السلطة في الإقليم.

فعن أي حصار يتحدث ممثلو السلطة الكردية؟!

سادساً: ان الدعوة للانفصال تلحق ضرراً بالغاً بكل شعب العراق بما فيهم، بل في مقدمتهم، العراقيون الأعزاء من أبناء القومية الكردية الذين نشأوا وترعرعوا هم ومن قبلهم آباؤهم وأجدادهم في مجتمع واحد اندمجوا فيه بمصاهرات متشابكة وتمتعوا بكل ما تمتع به أشقاؤهم من العرب والتركمان والسريان من خيرات العراق وأمنه وعزه، وعانوا من كل ما عاناه اشقاؤهم من ظلم وهيمنة أجنبية.

سابعاً: إن حل ما يتذرع به الداعون للانفصال من "معاناة سكان الإقليم مع حكومة بغداد"، إنما يكون في التضامن مع أشقائهم العراقيين الآخرين من العرب والتركمان والسريان لإزاحة الهيمنة الايرانية الأجنبية وحكم المليشيات والعصابات الطائفية والأحزاب الرجعية الفاسدة، وإقامة نظام حكم وطني مدني ديمقراطي مستقل يتيح لكل العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية او الدينية او المذهبية او الجغرافية التمتع بخيرات وطنهم وبالعيش الحر الكريم في ربوعه، ويتساوى في المشاركة بادارته كل العراقيين المؤهلين بغض النظر عن هذه الانتماءات وبغض النظر عن هويتهم السياسية.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,783,113

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"