مسعود لن يشقَّ لكم البحر بل سيُغرِقُكُم فيه!

الصورة: مسكوكة نقدية تم إصدارها في منتصف السبعينات تخليداً للاخوة العربية الكردية في العراق.

جعفر المظفر ‏

بعيدا عن الإنتساب التاريخي لوطن واحد هو العراق فإن العلاقات الأخوية مع الكثيرين من الأخوة الكرد ‏تعطيني قوة الثقة بانني حينما أتحدث عنهم وأعلن موقفا مناقضا لموقف بعض سياسيهم الرامي ‏للإنفصال عن العراق، فإن ذلك لا يتأسس ولا ينطلق على اية قاعدة من الإنحيازات العرقية أو التضادات ‏ذات الطابع الإنتمائي لغير العراق.‏

 

ثمة خطأ على بعض الاخوة الكرد تلافيه .. لقد كتبنا ضد طائفيي الشيعة ونحن محسوبين عليها. كتبنا ‏ضد الفقه السياسي الشيعي والسني الذي يتأسس على روح إفتراقية مع الوطن العراقي. كتبنا ضد الفدرالية ‏الشيعية يوم نادى بها عبدالعزيز الحكيم. ثم كان هناك من حاول إقناعنا بضرورة العمل من أجل منح ‏البصرة مدينتنا الحبيبة فدرالية أو حكما ذاتيا أو حتى تأسيس دولة خاصة بها، فرفضنا وحاربنا الفكرة ‏إنطلاقا من هويتنا العراقية التي أنجبتها عصور وعصور تمتد إلى ما قبل التاريخ وما بعده، وهي هوية ‏ليست محسوبة على عصر إلا إذا حملت أفضل ما فيه، أو على عرق إلا إذا تجذَّرت فيه الروح الصافية، ‏ولا أدري كيف يقدر المرء أن يتخلى عن هذه الهوية فيضع نفسه معادياً لإسم العراق ثم يعتبره حكراً لقومية ‏دون أخرى ولدين دون آخر ولطائفة دون أختها!‏

أنا لا أكتب ضد محاولة إنفصال الأكراد عن العراق إنطلاقا من إنتمائي العربي وإنما إنطلاقا من عراقيتي ‏التي أجد من بين صفوف الكرد من هو أكثر إلتصاقا بها مني.‏

أنا أكتب ضد تجزئة العراق سواء كان صاحب المشروع كرديا أو عربيا أو تركمانيا.‏

أنا عراقي قبل كل شيء، وقد علَّمتني التجارب المرة السابقة إنني بعد إعتباري لهذه الحقيقة فقط ومن ‏خلالها سيكون أفضل لي أن أوزع إنتماءاتي الأخرى بالإتجاه الذي يخدم العراق، فإن تعارض المشروع ‏مع مصلحة العراق رفضته.‏

كل مشروع يتحدث عن الديمقراطية والليبرالية والحرية والتقدمية والإنسانية وحقوق الإنسان وحرية الرأي ‏والمعتقد يمكن لوطن عراقي موحَّد أن يجعله أجمل وأروع وأقوى وأنفع.‏

قد يجعل الموروث السياسي الكردي صوتي باهتا، فثمة سهولة في الحديث عن مظلومية تعرض لها ‏الكرد، لكن بإمكان سياسي الشيعة أن يتحدثوا عن مظلومية يعتقد البعض منهم أنها تمتد لألف وأربعمائة ‏عام. وحتى لو كان ذلك صحيحاً فإن العراق العراق ليس مسؤولاً عن تلك المظلومية بل أراه في كينونته ‏الحضارية كوطن جامع هو الحل. واليوم فإن بإمكان السنة أن يتحدثوا عن مظلومية بإمكانها أن تؤسس ‏لدولة، وهل أن التركمان لا يملكون مثلها أو يزيد؟!‏

إن الظلم كان قد توزع على الجميع، وقد خضع له الجميع، وقد تساوى به الجميع. ولقد صار عليهم سوية ‏أن يعيدوا بناء عقائدهم وإقتراباتهم على ضوء هذه الحقيقة.‏

تجربة الحكم ما بعد الإحتلال أثبتت من ناحيتها أن سياسيي الكرد لم يكونوا بمعزل عن الحالة السيئة التي ‏يعتمدون عليها الآن لتبرير تفعيلهم لدعوة الإنفصال.‏

من حقي كعراقي، لا كعربي، أن أسأل سياسيي الكرد إلى أين أنتم ذاهبون بأهلي وأصدقائي وأخوتي الكرد.‏

أدري أن الوقت قد مضى على كلام كهذا، وأن الأغلبية من أخوتي الأكراد أنفسهم باتوا يتطلعون إلى قيام ‏دولة مستقلة، وسيعتبرني هؤلاء إنني أضع كلامي موضع من فقد الإحساس بالزمن وحقائقه.‏

وأدري أن نسبة لا يستهان بها من العرب العراقيين باتت تتمنى أن يتخلص العراق من أكراده لكي يصبح ‏قادراً على تحقيق وحدة الصف ووحدة الهدف!‏

أما أنا فمن قوم يؤمنون أن لا مقدس يعلو على مقدس الحق الإنساني، وليس بنيّتي أن أُرْضي عربياً أو ‏عراقياً على حساب الحق الكردي في الإستفتاء، وحتى في دولة مستقلة، لكن الذي أدريه أن هذا الحق يجب ‏ان لا يتم الوصول إليه بطريقة ستحول المظلوم إلى ظالم بعد أن تجعله أوهام القوة يظن أن بإمكانه فرض ‏الأمر الواقع في منطقة إقليمية ليس من السهولة هز ثوابتها الديموغرافية.‏

ونعلم أن دولة كردية بدون كركوك لن تقوم، وإن جيرة وديعة بين الأكراد المنفصلين وبين العراق لن تولد ما ‏لم تحسم هوية هذه المدينة العراقية، فكيف إذا اضيفت إلى ذلك مشكلة باقي الأراضي كسهل نينوى ‏وسنجار وخانقين وزرباطية نزولا حتى بدرة وجصان.‏

وأسأل: لو أنه قدِّر لكردي عراقي أن يضع أهدافاً جديدة من أجل حصوله على حقوقه الوطنية فهل ‏سيظن أنه سيحصل على وضع أفضل من ما تحقق له في سنواته الأخيرة، أم أنه سيظن أن الذي يشجعه ‏على الإنفصال هو الذي يتآمر عليه، وليس ذاك الذي ينصحه بعكسه؟!

إن العراقيين جميعا هم في أمسِّ الحاجة إلى مراجعة ثوابتهم السياسية السابقة وتعديل إستراتيجياتهم القديمة ‏على ضوء ما تحقق منها وما فشل، وفي المقدمة منها تلك التي تم وضعها في ظروف مغايرة جدا ‏للظروف الحالية، وسوف تتأكد أغلبيتهم أنهم جميعا بحاجة إلى (العَرْقَنَة) التي توحّدهم في دولة عمادها ‏العلمانية والمساواة أمام القانون عِبْرَ عراق يمر من خلال مصالحه إلى العالم.‏

وبالأمس لم يكن لدى الكرد ما يخسرونه، وكانوا، يوم يعلو صوت النفير، أسرع من غزال جبلي في صعود ‏الجبال، أما اليوم فصارت لهم حواضر يعز على المرء أن يراها تذهب ضحية لهدف كان قد تم وضعه في ‏ظرف لم يكن لدى الكردي ما يخسره. ‏

إنه البحر المتلاطم أمامكم ومسعود لا يملك عصا موسى لكي يشق البحر.‏

وحتى لو أنه مَلَكَها فهو ليس موسى وعصرنا لم يعد عصر المعجزات.‏

إنه عراقكم كما هو عراق العرب والتركمان والكلدوآشوريين.‏

ولو أن عربياً قال لكم: إذهبوا عنه: فقولوا له: إذهب أنت فنحن هنا قاعدون.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,271,119

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"