مسمار جحا الأميركي!

صلاح المختار

وقبل ان نبدأ من الضروري توضيح القصة: باع جحا بيتا لشخص اخر ولكنه اشترط لاكمال البيع ان ‏يبقي مسمارا في البيت تعود ملكيته له فوافق المشتري دون ان يحسب لما وراء ذلك فأخذ جحا يزور صاحب ‏البيت عند الغداء والعشاء وفي كل مناسبة ليشاركه الاكل وغيره، حاول المشتري إبعاد جحا لكنه فشل، لأن ‏المسمار ملكه ومن حقه تعليق اي شيء عليه! فاضطر لترك البيت لجحا وهرب من مضايقاته.

واليوم أميركا ‏تمارس نفس اسلوب جحا رغم دلالاته العميقة وهو ما سنتناوله لاحقا.

 

ومناسبة تذكرنا لقصة جحا هو ما ‏نشرته صحيفة نيويورك بوست الأميركية أول من أمس 9-9-2017 وقالت فيه "إن أدلة جديدة ضمن دعوى قضائية ‏موسعة يجرى رفعها ضد الحكومة السعودية في ما يتعلق بـهجمات 11 سبتمبر، تظهر أن سفارتها في واشنطن ربما ‏تكون قد مولت تجربة مسبقة على عملية خطف الطائرات نفذها موظفان حكوميان في السعودية، ما يعزز ‏بدرجة أكبر الاتهامات بأن موظفين وعملاء تابعين للمملكة أداروا وساعدوا في تنفيذ الهجمات".

سبق لادارة جورج بوش الابن ثم لادارة باراك اوباما ان شجعتا على رفع هذه الدعاوى واتهام السعودية بالقيام بهجمات 11 ‏سبتمبر او دعمها وتمويلها وصدر (قانون جاستا) في فترة اوباما والذي اقره الكونغرس الأميركي وطالب بمحاسبة ‏السعودية على اتهامها بالتورط في هجمات نيويورك وواشنطن في عام 2001 واخذ تعويضات ضخمة منها. لكن ‏تلك الادارة عطلت التنفيذ مؤقتا ولاسباب محسوبة ثم ظهرت ادلة جديدة على تورط (اسرائيل الشرقية)– ايران‏‏– في الهجمات وتحميلها المسؤولية خصوصا مع كشف مراسلات بن لادن والتي اكد فيها عدم مهاجمة القاعدة ‏لـ(اسرائيل الشرقية) لأن قيادات من القاعدة تقيم بها وهي ممر ستراتيجي لجماعات القاعدة.

ومن اجّل تنفيذ قانون جاستا ضد السعودية في عهد اوباما كان ينفذ خطة وليس لانه ترك السعودية لأن ‏مهندس أميركا المبرقع الوجه– النخبة الحاكمة فعلا- قرر ايصال رئيس اخر محترف صفقات تجارية ليقوم ‏بانتزاع اكبر قدر ممكن من اموال السعودية ودول الخليج العربي ، فبعد التخويف والتلويح باقامة دعاوى ضد ‏السعودية وايصال الحالة لنقطة الانتقال للفعل المادي وعقد محاكمات للسعودية في أميركا وصل ترمب ‏للرئاسة فغيَّر اساليب التعامل مع السعودية ودول الخليج العربي فأعلن التعاون معها وركز حملاته على ‏(اسرائيل الشرقية) واتهمهت بالوقوف وراء الارهاب وتحميلها مسؤولية احداث 11سبتمبر! ‏

وعقدت القمم الثلاثة الأميركية- السعودية والأميركية- الخليجية والأميركية- الاسلامية وصدرت عنها ‏بيانات ونتجت عنها اتفاقيات مع السعودية، ثم فجرت الازمة الخليجية فزاد ابتزاز أميركا لدول الخليج العربي ‏وعقدت اتفاقيات مع قطر والامارات العربية المتحدة بمبالغ ضخمة فوصل ما جناه ترمب من دول الخليج ‏العربي اكثر من تريليون دولار عمليا بضربة واحدة وبدون محاكمات معقدة وطويلة وغير مضمونة النتائج  ‏للسعودية حول الاتهامات التي وجهت لها في عهد اوباما وكان هدفها الحقيقي ابتزاز السعودية! وتظهر عبقرية ‏الشيطان الأميركي عندما نلاحظ انه لو ان المحاكمات عقدت في عهد اوباما للسعودية لما وصلت للنتائج التي ‏توصل اليها ترمب ابدا، اما الان فقد اخذت أميركا من دول الخليج وهي ستأخذ من (اسرائيل الشرقية) لاحقا ‏وحتما .‏

اغلق ملف اتهام السعودية مؤقتا طبعا لأن جحا يريد ان يبقي مسماره فاعلا وتواصل اتهام (اسرائيل ‏الشرقية) بالمسؤولية، ولكن حدة وعمق مرض أميركا البنيوي يحتاج لاكثر من بضعة تريليونات دولار فعادت ‏الاوساط الأميركية المكلفة بالامر بممارسة لعبة ابتزاز السعودية مجددا بما نشرته امس الصحيفة الأميركية . ‏

ما هي دلالات هذا السلوك الأميركي الملفت للنظر؟ ‏

‏1-اولا وقبل كل شيء السلوك الابتزازي الأميركي هذا يتناسب بقوته وحجم صراخه مع قوة ودرجة صراخ ‏الرأسمالية الأميركية من خطورة ازمتها البنيوية والتي لن تحلها اموال العالم التي يمكن نهبها ا لان اصلها هو ‏وصول النظام الرأسمالي مرحلة الشيخوخة النهائية واستنفاده كافة قدراته الذاتية ببروز التناقض الجذري ‏بين الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وطابعها الكلي فليس منطقيا ولا عمليا ان تملك بضعة عوائل اكثر من ‏‏80% من ثروات البشرية وتتحكم في العالم وتقرر مصيره ! الان الرأسمالية الأميركي تحتضر وهي في غرفة ‏الانعاش منذ عقود وكلما زاد احتضارها زاد انفلات تصرفات اداراتها واجهزتها واعلامها وخرجت حتى عن تقاليد ‏دولة تحترم نفسها وسمعتها ، والتقلب الأميركي في عهود بوش الصغير واوباما وترمب بشكل خاص ليس سوى ‏تعبير واضح عن فقدان القادة الأميركيين اخر مظاهر الاصول والتقاليد والضوابط التي تحكم اي دولة .‏

‏2- غرفة الانعاش هي عبارة عن عملية نهب منظم بقوة السلاح يمارس فيها الابتزاز ليس مع العرب ‏فقط بل مع الجميع : مع روسيا والصين ومع اوربا حليفتها ، ومع اليابان وكوريا الجنوبية ، باستفزاز كوريا ‏الشمالية لتوريط الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها بحروب طاحنة لا تستفيد منها سوى أميركا ! فمن ‏يواجه عملية احتضار طويلة ومؤلمة ينقل مشاعر الالم لغيره ويجبره على المشاركة فيها ويذيقه اشد منها وهذا ما ‏فعلته أميركا وتفعله في العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها وما ستفعله مع دول اخرى .‏

‏3-أميركا وهي متيقنة مسبقا بأن العراق لم تكن له اي صلة بهجمات 11 سبتمبر اتهمته بها لكي تبرر تدميره ‏وغزوه والاستيلاء على ثرواته المعروفة والمجهولة - حتى الان بالنسبة للعراقيين والمعروفة بالنسبة للأميركيين - ‏اضافة للاساطير التوراتية المتحكمة في رؤوس قادة أميركيين ، وهذه النزعة تعبر عن احقر ما يصل اليه بشر ‏فهو عندما يعلم انه يكذب ومع ذلك يستخدم الكذب لابادة وتشريد وتعذيب الملايين فانه فاقد لاي صلة بالبشر ‏الطبيعيين وهو قبل هذا يشعر انه يقف على ارض هشة فيدفعه هذا الشعور للنهب اكثر والقتل بنطاق اوسع . ‏

‏4-لو طبق معيار اقامة دعاوى قضائية على دول ارتكبت جرائم حرب او جرائم ضد الانسانية فسوف نجد ‏ان أميركا ستحتل الموقع الاول والاهم في سلم من ارتكب تلك الجرائم ولهذا فمن المتوقع ان العديد من الدول ‏سوف تقيم دعاوى ضد أميركا لانها الدولة الاكثر عدوانية وشنا للحروب في التاريخ الانساني فما سجل عليها انها ‏شنت اكثر من خمسين حربا عدوانية استعمارية رغم قصر عمرها . لكن ما يمنع ذلك هو قوة أميركا الفائقة ‏وبالطبع فان هذه القوة مؤقتة وسوف يأتي الوقت وتدفع فيه أميركا اثمان جرائمها حتما وستكون الاجيال ‏القادمة من الأميركيين هي التي تتحمل النتائج  لان جرائم مثل التي ارتكبت في فيتنام وجنوب شرق اسيا ‏والعراق وسوريا واليمن وفلسطين وغيرها لن تنسى ولن تندثر بالتقادم . ‏

‏5-رغم بروز ادلة عديدة أميركية في المقام الاول تثبت ان من قام بهجمات 11سبتمبر هي المخابرات ‏الأميركية بالتعاون مع الموساد وتوفر الشهادات الدامغة الا ان المهندس الحاكم فعلا لأميركا يمارس لعبة جحا ‏ذاتها فقد دق مسماره في بيوت العالم ثم اخذ يدخل البيوت كلما اراد بحجة ان المسمار له ، وعملية 11سبتمبر ‏بهذا المعنى وفي هذا الاطار عبارة عن عملية مخابراتية اعدت اصلا في أميركا لتحقيق الاهداف التي نراها تتحقق ‏الان في العالم كله خصوصا في العراق وسوريا وليبيا واليمن ودول الخليج العربي ، وهدفها التوسع اللصوصي ‏الأميركي في العالم ونهبه وابادة الملايين بحجة ارتكاب جريمة ضد أميركيين ! ونرى مسمار جحا في العراق حيث ‏تعود أميركا الان لتعليق ملابسها على مسمارها – قواعدهاالعسكرية والمخابراتية - لتحل محل وكيلها ‏خامنئي الذي خولته حكم العراق لاكمال تدميره ثم تستلم منه العراق مجددا .‏

وكما ان حجا انتهى قصة في التاريخ فيقيناً ان أميركا بصفتها دولة مصطنعة وطارئة سوف لن تكون نهايتها ‏افضل من نهاية أي قصة ملفقة في التاريخ ولن تنفعها كافة مساميرها. ‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,393,840

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"