الخطايا الثلاثة عشر

صلاح المختار

قرأت قبل سنوات قصة أميركية بعنوان (الخطايا الـ 13) (‏‎13 sins‎‏) والقصة رمزية حولت الى فيلم تدور حول ‏كيفية توريط الانسان بموقف كان يرفضه ولا يتخيل انه سوف يتبناه في يوم ما وتحت اي ظرف لكنه يجر تدريجيا ‏وبدون لفت انتباهه الى الخروج عن كل قناعاته ! تبدأ القصة باغراء افراد درست حالتهم جيدا مسبقا وعرفت ‏مشاكلهم العائلية والشخصية بالتفصيل خصوصا الحاجة للمال فوضعت جوائز يسيل لها اللعاب بلا جهد كبير ‏او حتى صغير ولا مخاطرة او تنازل ، وطبقا للخطة فكلما نفذ الشخص مطلبا او رد على سؤال سهل من المطالب ‏ال13 لا يشكل خرقا لثوابته منح مالا ضخما انزل في حساب بنكي اعد له من قبل مدير اللعبة ، لكنه يجد انه امام ‏مطالب تزداد خطورتها قليلا وتدريجيا كي لا يشعره التغيير القليل بانه يخرج عن خطه المستقيم ! وكلما وافق زادت ‏رصيده في البنك واصبح عامل اغراء شديد جدا خصوصا حينما يصل الرقم الى مليون دولار من حقه اخذها ولكن ‏بشرط اكمال الاجابة على بقية الاسئلة وتنفيذ ما يطلب منه فيها ، وفي هذه المرحلة تبدأ عملية نفسية صرفة وهي ‏الاضطراب النفسي الناتج عن ادراك وهمي انه حصل على مبتغاه المالي لذلك وباللاشعور تتحرك الانانية وتبدأ ‏بفرض تأثيراتها القاتلة بنعومة ملمس افعى.

 

وبتأثير نعومة ملمس الافعى تصل الطلبات المتزايدة الخطورة والانحراف الى ارتكاب جرائم يجد تبريراتها في ‏مخزن الانانية المقترن بحسابة الملاييني في البنك فتزداد بشاعة الجرائم عندما تصل للاقارب ويطلب منه قتل ‏زوجته او ابنه من اجل الحصول على الملايين وعدم الغاءها ، وهنا يكون قد اصطيد تماما واصبح اسير ذاته الانانية ‏التي تنسى كل شيء الا جشعها ، وهكذا كان التكتيك الاساس المتبع معه لاجل ضمان تحويله من خاضع لقيم ‏ومبادئ عليا وسامية الى قاتل ولص وخائن وغدار وبلا قيم ! انه هو تقسيط الخيانة وكل عمل مناف لقيمه ‏وتغليفه بجلد افعى الوانه جذابة وساحرة لتسهيل ابتلاع الطعم القاتل ، وجلد الافعى هو التطمينات اللطيفة ‏له والكلام المعسول المغري والوعود التي تستجيب لاصله الطيب كي يواصل اللعبة ولا يتراجع في منتصف ‏الطريق . لقد تساقطت تدريجيا اعمدة القيم والروادع وهو غارق في اضطرابه النفسي واهتزاز  قواعد ‏الاستقرار الفكري والاخلاقي! ‏

في اثناء هذه العملية يفقد الانسان القدرة على التراجع لان شرط اللعبة هو عدم الانسحاب والا فقد ما ‏تراكم من اموال ضخمة في حسابة ، ولهذا يصبح الانسان اسير الجشع ويتخلى عن انسانيته وطهارته ويصبح ‏مستعدا لارتكاب اي عمل ومهما كان بشعا من اجل الاحتفاظ بالملايين التي حصل عليها . انها كما هو واضح وبلا ‏لبس خطة شيطانية لا تضعها الا مخابرات متقدمة كالمخابرات الأميركية والموساد والمخابرات البريطانية ‏وترتكز اساسا على عامل نفسي هو تعظيم الانانية تدريجيا وازاحة الغيرية الحاملة للقيم الاخلاقية والانسانية ‏وكل ما هو نبيل وجميل كي يصبح الفرد وهو ضحية الاضطراب النفسي المصطنع مستعدا لارتكاب اي عمل ‏مهما كان مناقضا لماضيه وتربيته ، فكيف اذا كان ناقص التربية والوعي والاخلاق اصلا  كما كان حال ما سمي ‏بـ (المعارضة العراقية) وكما هي الان بعد ان حكمت ؟ ‏

هل تنفذ هذه اللعبة مع العرب ؟ نعم وهذا ما حصل بالفعل وما يحصل الان :‏

هذه اللعبة نفذت بعد تبني سايكس بيكو ، وكانت فلسطين ساحتها الاولى بعد تقسيم الاقطار العربية ووضع ‏حدود لها ، فقد بدأت بالمطاليب الصغيرة والناعمة : وطن قومي لليهود المساكين المضطهدين في العالم لا يؤثر على ‏الفلسطينيين ولا على العرب الذين لديهم اراض شاسعة جدا ، ثم جاء وعد بلفور وغزو بريطاني لفلسطين لتطبيقه ‏لاحقا وضم الاحواز لبلاد فارس وتسميتها بايران كي تصبح لاحقا المطرقة التي تكمل عمل السندان الصهيوني، ‏وحرب عام 1948 بدعم بريطاني وغربي وتأسيس (إسرائيل) الغربية وتحديد مطاليبها بالاعتراف بها فقط مقابل ‏السلام وانتهاء الحرب ، اجبار العرب على التفاوض بعد حرب عام 1967 بوعد الانسحاب الصهيوني من سيناء ‏والضفة وغزة وفقا لقرار مضلل كتبه اللورد كارادون وزير الخارجية البريطاني وطبقا للعبة ارتكاب الخطايا قبله ‏العرب دون وعي مسبق فجعل قرار 242 الذي صدر عن مجلس الامن يقول ب(انسحاب (إسرائيلي) من اراض عربية)  ‏محتلة وليس (الاراضي المحتلة) ، وكان ذلك هو المقتل ومسمار جحا الذي جعل المفاوضات تدور حتى الان  (بانتظار ‏وصول جودو) الذي لم يصل ولن يصل كما في مسرحية  للكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت ! ‏

بعد ذلك تحول العرب الى ضحايا ضعفاء عسكريا رغم ظهور وتعاظم المقاومة الفلسطينية واتخذت لعبة ‏ارتكاب الخطايا وجها اخرا وهو احتواء المقاومة عبر انظمة عربية تبنت شعار المقاومة وتحرير فلسطين وزايد ‏بعضها على الميثاق الوطني الفلسطيني كما فعل حافظ اسد ! وتم تفكيك صفوف العرب وتراجعت (إسرائيل) ‏الغربية عن مطلب السلام وجعلت مطلبها الاساس تعديل الحدود ( بشكل طفيف وتبادل الاراضي مقابل دولة ‏فلسطينية في الضفة والقطاع ) ، ثم انتقلت لعبة الخطايا الى مرحلة ضيقت الخناق على العرب حينما جاء دور ‏مطلب (السلام مقابل السلام) واختفى مطلب ارجاع الارض المحتلة ، وتناسلت المستعمرات والعرب يتنازلون بلا ‏توقف بينما الصهيوني يتنمر ويزداد اصرارا على اقامة (إسرائيل) التوراتية !

لا اريد المزيد من التفاصيل اذ يكفي استرجاع احداث فلسطين لنرى كيف ان العرب جروا تدريجيا لصعود ‏سلم التنازلات عن حقوقهم وكراماتهم ومبادئهم وقيمهم تدريجيا ولم يروا انهم ينزلون لقعر جهنم الا بعد ان وصلوه ‏بمواجهتهم لاكبر مخطط صهيوني غربي وهو الربيع العربي  الذي مازال مشتعلا ويحرق الاخضر واليابس وينمي ‏المستعمرات الصهيونية ويعقبها بمستمعرات ايرانية في العراق وسوريا واليمن ولبنان وبفراخ وبيوض مستعمرات ‏ايرانية في كل دول الخليج العربي ومصر والسودان والمغرب العربي  جاهزة للتحول الى ديوك ودجاج ناضج جنسيا ! ‏ومع ذلك نجد من مازال مصرا على مواصلة لعبة الخطايا الثلاثة عشر ! ‏

ولعبة الخطايا الـ 13 حينما نفذت في العراق كانت البداية تبدو (لطيفة) ظاهريا وكانت الخطوة الهائلة ‏ستراتيجيا ضد العراق قد هندستها نفس الجهات التي وضعت لعبة الخطايا ، وهي مخابرات الغرب الاستعماري ‏بفرض الحصار الشامل وغير المسبوق والذي ادي الى قلب حالة العراق رأسا على عقب : فمن حالة الرفاهية والقوة ‏والتقدم الى حالة التقشف والعجز المالي عن تمويل مشاريع التنمية العملاقة وتوفير ما يستحقه الشعب من ‏خدمات خصوصا العجز عن توفير الدواء والغذاء المطلوبين. نلاحظ الخطورة النفسية لهذا التغيير وقبل ‏خطوراتها المتعددة الاخرى وهي ان العراق كان يعيش قبل عام 1968 حالة مختلة تتمثل في وجود 80% من الفقراء ‏والاميين فيه وعندما انهي الفقر والامية بعد ثورة عام 1968 وذاقت ملايين العراقيين الفقراء طعم الرفاهية ‏والاقتدار المادي والمعنوي  اعيد العراق بالحصار الى فترة ما قبل الرفاهية.

يظهر واضحا دور مهندس لعبة الخطايا وتعمده احداث تغييرات نفسية عميقة اجبارية ، فالحصار كان ‏حالة صادمة نفسيا فحينما كانت اغلبية العراقيين تعيش حالة بائسة تعودوا عليها تكونت سايكولوجية ‏الصبر واحيانا خنوع شرائح كثيرة للواقع المر لكنهم حينما ذاقوا الرفاهية وانتهاء الفقر اصبحت عودتهم الى ‏الفقر والمرض والامية اكثر ايذاء لانهم تعرفوا على معنى وطعم الرفاهية وانهاء العوز والفقر والمرض ، وهذا ‏التغيير كان مدروسا من قبل من فرض الحرب الايرانية على العراق ثم فجر ازمة الكويت وادخل شعب العراق ‏نفق الحاجة والعوز مجددا لانه  طبق نظرية اغراء خطرة وهي: عوّد الانسان على حالة جيدة واحرمه منها ‏سوف يريد العودة اليها باي ثمن حتى لو كان ممارسة الخطايا! وهكذا تهيأت البيئة النفسية لمرحلة اخطر.‏

وبعد ان يئست أميركا من احتواء العراق سلميا باغراءات كبيرة لجأت الى اعتماد العداء فجمعت ما يسمى ‏المعارضة العراقية والزمتها برفع مطاليب مغرية مثل الديمقراطية وحماية حقوق الانسان فرأينا عدد محدودا ‏ينخرط في المعارضة خارج العراق وقسم منها مقتنع بان مطاليبها مشروعة وليس فيها خيانة مادامت مقتصره على ‏المطالبة بالديمقراطية وحقوق الانسان . حصل الغزو بعد ان اهتزت سايكولوجيا العراقي بصفة عامة في فترات ‏الحربين والحصار لكن رد الفعل كان مذهلا للغزاة الأميركيين والبريطانيين والايرانيين حيث نهضت فورا مقاومة ‏شعبية مسلحة هدمت السيناريو الاول للغزو بتعجيز الغزو عن تحقيق اهم اهدافه وهو تحقيق السيطرة التامة ‏على العراق لاجل تحويله الى قاعدة استثمار ونهب امبريالي ، فالمقاومة منعت تحقيق هذا الهدف وغيرت كل قواعد ‏صراع تلك المرحلة فكان لابد من اغراءات اخرى تفضي لتحييد المقاومة وتوريط من كان معارضا  للغزو بسلسلة ‏خطايا متعاقبة تزداد خطورتها تدريجيا وصولا للتلوث .‏

فماذا فعلت أميركا في اطار لعبة الخطايا ال13 ؟ ‏

‏1-سلمت العراق الى (إسرائيل الشرقية) مع ايحاء واضح جدا بان من الضروري تدمير ما تبقى من اركان الدولة ‏العراقية والمجتمع العراقي بالعنف وزيادة الحرمان والمرض والامية ونشر المخدرات والتحلل الاخلاقي وغيره ونشر ‏الفساد المنظم على نطاق واسع  لضمان قتل الملايين وتهجير ملايين اخرى من العراقيين .‏

‏2-اختارت أميركا عمدا وتخطيطا حثالات العراق الاكثر تخلفا وامية وسقوطا اخلاقيا لتسلم الوزارات ‏وعضوية البرلمان والمؤسسات الحكومية لان هؤلاء هم الاقدر على ايصال العراق الى حالة لا تصلح لعيش حتى ‏الحيوانات فكيف تكون حال شعب ذاق طعم الرفاهية والاستقلال ؟ ‏

‏3-تحولت الاهداف بالنسبة للبعض من طرد الاحتلال الى التخلص من الفساد  والتصفيات الطائفية ‏والعرقية وهذا هدف كبير لأميركا .‏

‏4-ارتبط الفساد بنغول (إسرائيل الشرقية) اكثر من اي جهة اخرى خصوصا وان المال العراقي كان يسلم لها ‏ووصلت المبالغ حصلت عليها ما بين 600 و800 مليار دولار والناس تراقب ما يجري بيأس تام !‏

‏5-حينما وصل الوضع الى مرحلة لم تعد تحتمل تحول الهدف بالنسبة لمن انخرط في صفوف العملية ‏السياسية وهو يعتقد بانه يخدم العراق الى محاربة الفساد والفاسدين وتركت الديمقراطية جانبا ، ومثلما تعاون ‏مع أميركا وبريطانيا و(إسرائيل الشرقية) وغيرها لاجل اسقاط النظام الوطني فانه تعاون مع أميركا وغيرها لاجل ‏القضاء على الفساد فوجد هدفا يبدو سليما ظاهريا جعله لا ييأس من مواصلة العمل ضمن العملية السياسية  ، ‏اي تحت خيمة أميركا . ‏

ماذا حصل ؟ من كان يمثل كشفت مؤخرته بهذه اللعبة، ومن كان جادا في محاربة الاحتلال لكنه ناقص ‏خبرة ووعي اوصله مهندس لعبة الخطايا الى الانخراط في العملية السياسية وترك المقاومة والاعتماد على ‏وعود أميركا بطرد (إسرائيل الشرقية) وصار يصلي كي ترجع القوات الأميركية! اما الصائم فانه واصل صيامه ‏ورفض الافطار على خمر وهؤلاء وحدهم من ينقذون العراق ! هل ترون الى اين يوصل الذكاء مقابل نتائج ‏السذاجة او الجشع والانانية؟ ‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,393,739

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"