كرد العراق والانفصال المكلف

سامي سعدون

استفتاء انفصال كردستان الذي أعلن مسعود بارزاني عن إجرائه في شمال العراق، أثار ردود فعل متباينة حول العالم، بين أغلبية رافضة‏، وأقلية تدعو الى التأجيل، ومؤيد واحد هو الكيان الصهيوني!

 

ورغم التحرك الدولي واللقاء مع بارزاني بهدف عدوله ‏عن ذلك او على الأقل تأجيله لسنتين، وهو موقف الغرب والولايات المتحدة، كي لا تنشغل المنطقة بموضوع آخر يؤثر على ‏التوجه الدولي للقضاء على داعش، الا انه حتى اليوم (19 أيلول) يصر بارزاني ومن معه على اجرائه في موعده ‏المقرر في 25 من الشهر الجاري، مشترطا للحوار مع بغداد تحديد سقف زمني بضمانات دولية للاستقلال!

التوقعات ‏تتباين بين ترجيح تأجيل الاستفتاء او اجرائه وعدم الاخذ بنتائجه التي ستكون لصالح الانفصال نتيجة هيمنة الحزبين ‏المتنفذين الديمقراطي برئاسة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني برئاسة جلال طالباني، وإمكانية فرض والتلاعب ‏بالنتائج حسب رغبة هذين الحزبين ليبقَ الاستفتاء ورقة مساومة مع الحكومة المركزية وهو احد الآراء المرجحة، او ‏الإصرار على الاستفتاء وإعلان الانفصال وهو ما يراه القلة! واذا ما حصل ذلك فانه يعني اندلاع خصومات إقليمية دموية ‏قد تصل حد التدخل وتعريض العراق لاحتلالات أخرى باقتطاع أجزاء من كردستان ودخول القوات التركية الى كركوك بادعاء ‏حماية التركمان، وكذلك ايران لخدمة مشروعها التوسعي الطائفي، فتركيا وايران هما ‏المرشحان للتحرك وافشال الانفصال لأن نسبة الاكراد في هذه البلدان اكثر، ومعهما النظام السوري وسلطة بغداد، وان الدول الثلاث (تركيا وإيران وسوريا) لم يعترفوا بالكرد ‏وبحقوقهم القومية بخلاف العراق، فهو الدولة الوحيدة التي منحت الكرد الحكم الذاتي الموسع، واعترفت بكامل حقوقهم ‏واشراكهم في الحكم وتعيين وزراء كرد ونائبا لرئيس الجمهورية، وجعلت اللغة الكردية الى جانب العربية في التعليم. ومع هذا ‏فان علاقة السياسيين الكرد وبالأخص الحزبين المتنفذين ومنذ قيامهما كحزب واحد قبل انشقاق طالباني وتأسيسه اتحاده والى اليوم كانا خنجر غدر في خاصرة العراق وحكوماته المتعاقبة، وكان الاكراد كلما ضعفت الدولة العراقية او ‏انشغلت بمشكلة تحركوا في عصيانهم وتمردهم وما يصحبه من قتل ودمار والبراهين كثيرة، واقربها الدور الكردي المشارك ‏في العدوان على العراق وتضييق حصار الظالمين على شعبنا قبل وخلال العدوان الثلاثيني عام 1991 اذ كانت المسرحيات ‏التي قام بها طالباني، بعد مذبحة حلبجة التي نفذها الإيرانيون وألصقها بالعراق، قام من خلال البيشمركة بسوق العوائل ‏الكردية وتجميعها داخل الحدود التركية في (مخيمات الملاذ الآمن) بالترهيب والتخويف من الجيش العراقي! ليدفع ‏الولايات المتحدة ومن معها من دول العدوان المتحالفة الى فرض حظر الطيران العراقي بما في ذلك السمتيات وفق خطوط ‏عرض 38 و42 وهي تغطي الجزء الأكبر داخل الأراضي العراقية، وذلك خلال الانشغال في مقاتلة قوات التحالف، بعد ‏هذا جاء مسعود وجلال مع وفدين يضمان كبار المسؤولين في حزبيهما الى بغداد في نيسان/ ابريل ‏‏1991 ودخلا، مستغلين ظروف ما بعد العدوان وفي ظل حصار مستمر وعدوان مسلح متوقع، في مفاوضات استمرت حتى ‏آب/ أغسطس من نفس العام، وانتهت بالاتفاق على انهاء حالة الاحتراب وعلى حل كل الإشكالات وتحسين الحكم الذاتي، حيث تم اعداد سبع ‏اتفاقيات شملت العلاقات من جميع النواحي، ومنها بروتوكول للتعاون بين الأحزاب الثلاثة (الحزبان الكرديان وحزب ‏البعث) اما موضوع كركوكك فقد اتفق على تركه للمستقبل!

وقبل التوقيع على الاتفاقيات، وفي لقاء مع السيد الرئيس صدام ‏حسين ابلغهم، للتطمين ولتأكيد الجدية في التعاون والشراكة، بانه "سيضاف نائب رئيس وزراء كردي الى جانب نائب ‏الرئيس وزيادة عدد الوزراء الكرد في وزارات سيادية، والاهم منح الاكراد منصب نائب رئيس مجلس قيادة ‏الثورة" وعندها سأل مام جلال: من سيكون، سيدي، أبو مسرور أم أنا؟ فأجاب "انتم والكرد تختارون مرشحكم"، واضاف‏: "لكني اعتقد ان الميزان يميل لكفة الأخ مسعود".

وبعدها اقترح الكرد ان يذهبوا الى أربيل والسليمانية لطرح هذه ‏الاتفاقيات على كوادر الحزبين وهو اجراء شكلي كما زعموا، ليعودوا للتوقيع، وغادر طالباني تاركا نائبه فؤاد ملا معصوم ‏لترؤس وفد الحزب وبعد وصولهم الى شمال العراق قامت واشنطن بدعوة رئيسي الوفدين بشكل عاجل، فأوفد مسعود ابن أخيه وصهره ‏‏نيجرفان، ممثلا له وكان طالباني قد سبقه الى واشنطن، وهناك ابلغوا من قبل نائب وزير الخارجية ‏الأميركي، أدورد دوجريجيان، بعدم توقيع أي اتفاق قائلا "اننا نسعى ونهدف الى اسقاط نظام صدام، واتفاقكم معه يعني تقويته فمن يقدم على ‏ذلك لن يكون له وجود في كردستان".

عاد مسعود الى بغداد والتقى بالرئيس وابلغه بالتهديد الأميركي لهم، وانه إن وقع ‏فسيدخل في نزاع مسلح مع طالباني ومن معه. فقال له الرئيس "انكم عراقيون وهذا بلدكم وبإمكانكم ‏المجيء في أي وقت ملائم لكم للتوقيع ولا نقبل ان يكون ذلك سبباً في التقاتل فيما بينكم".

وكان طالباني قد أوصل مشاريع ‏الاتفاقيات السبعة الى عدة عواصم أبرزها نيويورك ولندن وتل ابيب ودمشق وطهران، اذ شنت حملة إعلامية ضد العراق ‏واتهامه بأنه يعمل على إقامة تحالفات للتدخل في شؤون البلدان المجاورة.‏

وخلال الفترة 1991/ 2003 قام الحزبان بالعمل على الانفصال وبناء نواة كيان مستقل، مستفيدين من عدم توقف دعم ‏الحكومة المركزية لشعبنا الكردي وامدادهم بكميات من النفط مع مشتقات نفطية تفوق حاجتهم اذ كان اغلبها يباع للاتراك! ‏مع مفردات الحصة التموينية التي يتسلمها المواطنون الكرد اسوة بالعراقيين، بعدد يفوق مجموع اكراد العراق بما فيهم  ‏حصص الاعداد الكبيرة من العوائل الكردية المنتشرة في بغداد وعموم المدن العراقية، كما فرض جماعة بارزاني اتاوة ‏وصلت في كل مرة الى 500 دولار على كل شاحنة بضائع او نفط عند ذهابها وايابها من تركيا عبر منفذ إبراهيم الخليل ‏الحدودي، ومع كل هذا راحوا ينظمون اعتداءات مبرمجة ضد دوائر الدولة المركزية في المنطقة الشمالية والتقصد بالاهانة ‏والاعتداء على ضباط وافراد الجيش والشرطة والدوائر الأمنية، الامر الذي حتّم سحب منتسبي الجهات الحكومية الى المركز، حيث خلت المنطقة الكردية ‏من الوجود الرسمي، وعندها أضحت مرتعا للمخابرات الأجنبية التي تواجدت بشكل مكثف تحت عناوين شركات تجارية ‏ومنظمات إنسانية ومجتمع مدني، وقد انكشف امرها بعد ان استنجد مسعود بالرئيس صدام حسين بعد قيام جلال ‏ومعه قوات إيرانية باقتحام أربيل وهروب بارزاني الى الجبال، طمعا في عائدات منفذ إبراهيم الخليل، فكان ان ‏وصل الجيش العراقي رغم الحصار ومنع استخدام الطيران ليحرر أربيل ويطرد طالباني والإيرانيين في 31 آب ‏‏1996، حيث عثرت القوات العراقية على وثائق لأجهزة مخابراتية بعد هروب عناصرها الذين باغتتهم القوات العراقية.

وبقي ‏بارزاني يوفد، بين فترة وأخرى، نيجرفان وقياديين اخرين من معاونيه الى بغداد التي لم تبخل عليه بشيء، وقد استمر ‏الحال حتى عشية احتلال العراق في عام 2003.

وفي ذات الوقت كان الحزبان من أنشط من سمي بأحزاب المعارضة ‏العراقية تنسيقا مع الأميركان والبريطانين وكل القوى التي كانت تتآمر ضد الحكم الوطني، وشارك الاكراد في كل المؤتمرات ‏التحضيرية للاحتلال التي عقدت في واشنطن ولندن وطهران وآخرها في صلاح الدين في أربيل اواخر عام 2002، وكانت ‏المنطقة الشمالية احد المداخل المقررة في خطة الأميركان لاحتلال البلاد.

أما دور الحزبين بعد الاحتلال فهو معروف، فالدستور ونوعية الحكم قد كانت بمشورتهم، وكونهم شريك أساسي في العملية السياسية، وهم يتحملون ما لحق العراق من دمار وخراب وتردي وعن الدماء التي ‏مازالت تسيل، وقد سخَّر الاكراد وجودهم في اعلى مواقع السلطة وبموازنة بنسبة 17 % إضافة الى موارد مبيعات ‏نفط أربيل وما يسرق من حقول كركوك، وتبوأهم ابرز المناصب الوزارية والتي منها وزارات الخارجية والتجارة والمالية ‏ورئاسة اركان الجيش إضافة الى مناصب نائب لرئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، كما قاموا ببناء جهاز شرطة وامن وقوة عسكرية حديثة ‏التسليح من البيشمركة وباموال مرسلة من حكومة بغداد، ليحققوا حلمهم الصعب، الانفصال.

لسنا ضد رغبة الكرد في تقرير ‏المصير، اذا كان مفهوم تقرير المصير ينطبق عليهم واذا كانوا مظلومين وحقوقهم مهضومة كما هم اقرانهم من الكرد في ‏تركيا وايران وسوريا وهم اكثر عددا ويمنع عليهم المجاهرة بقوميتهم وسوريا الأسد لم تمنحهم الجنسية السورية حتى ‏اليوم، فأين هم من كرد العراق الذين منهم رئيس البلاد ورئاسة اركان الجيش والوزراء والنواب، ويعيشون في ظل ‏فدرالية هم رسموها وشرَّعها لهم المحتل على نحو أشبه بدولة مستقلة، فلهم حكومتهم المحلية وبرلمانهم والبيشمركة ولا يشاركهم ‏في ذلك حتى عرب وتركمان المنطقة الكردية!

كما اننا لسنا منحازين للسلطة الفاسدة والعميلة والتي لا يهمها تفتيت ‏العراق بقدر الاهتمام بما ينهبه عناصرها من أموال البلاد، ولكننا ضد اجراء يقف كل العالم بوجهه لأنه غير مبرر وسيدخل ‏العراق النازف والمنطقة عموما، والتي تعاني من استشراء الإرهاب، في اتون حروب مدمرة وسيزيد من معاناة الشعب ‏ويسّرع عملية تقسيم البلاد، كما ان هذا الاستفتاء لا يمثل إرادة كل الاكراد فهناك معارضة واسعة لهذين الحزبين داخل ‏كردستان وفي عموم العراق، وكذلك بين اكراد المهجر وهم باعداد كبيرة، فضلا عن اجماع اقليمي ودولي رافض لذلك، فاذا ‏كان الاستفتاء يصب في مصلحة (المحرر) مسعود بارزاني وحزبه، فان نسبة كبيرة من الكرد لا يعترفون بزعامته، وكذلك ‏يختلف معه الكثير من الساسة الكرد وان رئاسته للإقليم منتهية.

كما نعتقد ان طرح موضوع التأجيل لمدة سنتين هو لإنقاذ لبارزاني وفرصه ليجدد خلالها رئاسته للإقليم ويفعّل البرلمان المعطل منذ اكثر من سنة، وهو احد الخيارات المرجحة ‏والذي نعتقد انه سيقبل به سواء خرجت مباحثات بغداد بتحديد سقف زمني ام لا.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,259,886

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"