"جيل الاحتلال" في العراق

كرم سعدي

‏يعاني "جيل الاحتلال" في العراق من الأمّية إلى جانب كلّ شيء. فبينما هناك أكثر من خمسة ملايين ‏عراقي أمّي فإنّ معظمهم من هذا الجيل الذي ولد أو نشأ بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.‏

 

فالاحتلال ومن بعده الحروب، وانعدام الاستقرار الأمني ضربت قطاع التعليم أكثر من غيره، ما أدى إلى ‏تحوّل العراق من واحد من أفضل بلدان المنطقة في التعليم وأقلها أمية إلى واحد من الأسوأ، فقد سجلت ‏الأمية عام 1989 نسبة 0.9 % فقط، فيما تصل اليوم إلى 18 % من مجموع سكان البلاد ‏وفقاً لتقرير أصدرته وزارة التخطيط العراقية العام الماضي.

واللافت في الأمر أنّ 60 % من أصل 5 ‏ملايين و400 ألف عراقي أمّي هم من فئة الشباب، وهناك من يعتبر النسبة أكبر والأرقام أعلى مما تعلن ‏الحكومة. ‏

صائب حسان، أحد هؤلاء الشباب. هو يجيد كتابة اسمه الأول، لكنّه لا يعرف حروفاً أخرى غير "الصاد ‏والألف والهمزة والباء" وهو ما علّمه جاره. صائب المولود عام 2001، ماهر جداً في الحدادة، التي زجه بها ‏والده مذ كان في الخامسة من العمر. يقول إنّه اكتسب خبرة كبيرة في خلال عمله المبكر ‏في هذه المهنة، وافتتح محلاً خاصاً به قبل ثلاثة أعوام، وهو ينفق على أسرته التي تعيش حياة أفضل ‏بسبب ذلك. الكثير من أصدقاء صائب أمّيون. يقول "لكن لديّ مجموعة من الأصدقاء ممن يجيدون ‏القراءة والكتابة، مع ذلك لم يكملوا تعليمهم الابتدائي. الظروف الحياتية الصعبة فرضت علينا ألّا نتعلم". ‏

الشعور بالظلم يتوضح من خلال حديث صائب إذ يؤكد أنّه بالرغم من نباهته في السوق لكنّه تعرّض ‏للنصب والاحتيال عدة مرات كونه لا يعرف القراءة ولا يجيد فهم الإيصالات وقوائم الشراء والبيع ولا حتى ‏عدّ الأرقام وجمع الأسعار. يعلّق: "أنا وأصدقائي ظلمنا. ولدنا في أسر فقيرة، وآباؤنا لم يكملوا تعليمهم، هم ‏فقط يجيدون القراءة والكتابة. كان أمام ذوينا خياران، إما زجنا في العمل لمساعدتهم في توفير ثمن المعيشة ‏اليومية البسيطة، أو نكون كأقراننا تلاميذ في المدارس فنموت جوعاً". يستطرد: "اتخذوا الخيار الأول، ‏فصرنا أميين لا نجيد القراءة والكتابة لكنّنا نعمل. هذا يشعرنا أننا أقل شأناً من الشباب الآخرين الذين ‏واصلوا تعليمهم". ‏

أمينة أ. (22 عاماً) أم لطفل يعاني من عدة أمراض. تقول "أطرق الباب ليلاً على جارتي كي ترشدني ‏إلى الدواء الذي يجب أن أعطيه لابني خوفاً من تكرار مشكلة سابقة كادت تفقده حياته بسبب علبة دواء ‏أعطيته منها بالخطأ".

تضيف "أعاني كثيراً. حتى زوجي لا يضع كلمة دخول لهاتفه وكثيراً ما أراه يكتب، ‏فأشك أنّه يتحدث مع فتيات لكن لا أعرف ماذا يقولون في الرسائل. وهو مرتاح جداً لهذا الأمر".

تؤكد ‏أمينة أنّها قررت أن تتعلم الكتابة والقراءة لكي تتخلص من عقدة الشعور بالنقص لكن بلا جدوى، فلا ‏مراكز أو مدارس قريبة، كما أنّ رعاية طفلها المريض تحول دون ذلك. ‏

في منطقة الشيخ عمر، وسط العاصمة بغداد، التي تعتبر من أكبر المناطق الصناعية في العاصمة، ‏وأقدمها وأكثرها شهرة، قصص كثيرة تشير إلى الظلم الذي لحق بالطفولة. هناك آلاف المحال المتخصصة ‏بتصليح السيارات، وآلاف الورش الصناعية المختلفة. وهناك كذلك كثير من الأطفال المنتشرين ابتداء من ‏عمر الخامسة. ملابسهم متسخة بأنواع من الدهانات والأتربة، ووجوههم وأيديهم تدل على مزاولتهم مهناً ‏متعبة، تتطلب جهداً بدنياً. ‏

محمد وليد ابن السبع سنوات يقبل على العمل بنشاط، فهو يسمع باستمرار تشجيعاً من رب عمله الذي ‏يصفه أمام عملائه بالذكي و"الكمبيوتر". محمد الذي تخلّف عن المدرسة تعلم كتابة الأرقام بالعربية ‏واللاتينية، ويكتب اسمه الثلاثي ولقب "الشيخلي" الذي تحمله عائلته، ويعرف كلمات إنكليزية يقول عنها ‏‏"تعلمتها من أفلام كرتون سمبسون الذي أشاهده على اليوتيوب". في حديثه إلى "العربي الجديد" يقول عبد‏الله الجنابي صاحب ورشة ميكانيك السيارات التي يعمل فيها الطفل محمد إنّ "الحالة المادية الصعبة التي ‏تمر بها أسرة محمد جعلتهم يزجون به في العمل، فوالده من الأشخاص ذوي الإعاقة، ووالدته تعمل في ‏محل لبيع الملابس، وهناك أربع بنات يكبرن محمد".

يضيف "محمد ذكي جداً، ومثله عدد كبير من ‏الصغار يعملون هنا في الشيخ عمر. مؤسف أن يكون مكانهم هنا وليس على مقاعد الدراسة، لكن ظروف ‏عائلاتهم صعبة ولا خيار سوى العمل لمساعدتها".‏

‏ من جهته، يقول محمد إنّه سيكمل دراسته "ربما بعد سنتين أو ثلاث ستتحسن حال ‏عائلتي، وسوف أدرس، وحينها سأعمل فقط في أيام العطلة". ‏

المعارك الأخيرة في العراق أدت إلى نزوح عشرات آلاف العائلات في عدة محافظات، بعض النازحين ‏توجهوا إلى مدن عراقية أخرى، فيما كانت الهجرة خارج البلاد مصير آخرين. هذا التهجير تسبب في منع ‏التحاق أعداد كبيرة من الصغار بالمدارس، وإكمال بعضهم دراستهم، إذ كان خيار عائلات كثيرة الزج ‏بصغارها في سوق العمل بعدما فقدوا في مدنهم أعمالهم التي كانت توفر لهم مصدر الدخل. ‏

عمار عبدالسلام الذي كان يطمح والداه في أن يكون مهندساً معمارياً، حرمته الأحداث التي مرت بها ‏عائلته من تحقيق أولى خطوات حلم والديه، فحرم من الالتحاق بالمدرسة. عائلة عمار كانت تقطن في ‏بغداد، واضطرت إلى النزوح في اتجاه محافظة الأنبار (غرب)، إثر اعتقال إحدى الميليشيات الوالد وقتله ‏بعد تعذيبه. ما كان من الأم سوى الهرب من بغداد إلى محافظة الأنبار، حيث سبقها بعض أقاربها الذين ‏وقعوا ضحية للطائفية التي نشبت في البلاد بين عامي 2005 و2009. ‏

توفير المعيشة اليومية كانت طموح العائلات الهاربة، بعد الحصول على الأمان، ما أجبر عمار وعدداً من ‏أقرانه على العمل. يقول إنّه كان حينها في السادسة، وعمل مع أطفال يكبرونه قليلاً في ‏المنطقة الصناعية: "كنت أتنقل من عمل إلى آخر. عملت في ورش للنجارة والميكانيك، وعملت في بيع ‏البنزين، وأيضاً عملت في المزارع، وفي جمع روث الحيوانات، وفي رعي الأغنام. كلما احتاج أحدهم عاملاً ‏قدمت نفسي، وأحياناً كانوا يرفضونني لصغر سني، فبعض الأعمال تحتاج إلى قوة بدنية". ‏

عمار كان يوفر لأسرته المكونة من أمه وابنتين تكبرانه قليلاً وشقيق يصغره بعامين، ما تحتاجه من مؤونة ‏يومية، بحسب قوله "ما كان يفرحني هو أنّ شقيقتي سما ونهى، وأخي بكر، واصلوا دراستهم، وكانوا ‏يستيقظون باكراً للذهاب إلى المدرسة حينما أستعد للخروج إلى العمل". ‏

مرة أخرى تهرب العائلة بحثاً عن الأمان، كان ذلك عام 2014، حين سيطر تنظيم الدولة الإسلامية ‏‏"داعش" على مدينة الأنبار. يقول عمار "هذه المرة كانت الوجهة نحو أربيل، عاصمة إقليم كردستان، ‏وهناك وجدت عملاً جيداً في مفقس للدواجن. عملت حارساً وعاملاً فيه، ووفر لنا صاحب المفقس بيتاً ‏صغيراً، وواصل إخوتي دراستهم، وهذا أكثر ما يهمني". ‏

عمار يقول إنّ جهله القراءة والكتابة أكثر ما يؤلمه، ويحاول أن يعوض ذلك في تفوق أختيه وشقيقه "اليوم ‏سما ونهى تدرسان في الجامعة، وبكر في المرحلة النهائية من الدراسة الثانوية".‏

المحرومون من الدراسة، يؤكدون أنهم يشعرون بـ"نقص" وهم يرون أقرانهم يواصلون دراستهم، وآخرون ‏يحملون شهادات جامعية، لكنهم يهتمون كثيراً في رسم مستقبل لعائلاتهم يختلف عما مروا به. ‏

فصائب حسان يخطط مستقبلاً لإنشاء مصنع خاص لأعمال الحديد. يقول إنه يستمر في الاطلاع على ‏مشاريع مصانع الحديد في العالم عبر الإنترنت. ويتابع "غايتي أن أكوّن أسرة سعيدة وألاّ يعيش أولادي ‏الفقر والحرمان. سوف أمكنهم من الدراسة في أفضل المدارس وأن يحملوا أعلى الشهادات". ‏

‏ محمد وليد، الذي يطلق عليه صاحب العمل لقب "الكمبيوتر" هو الآخر يفكر في المستقبل، يقول إنّه ‏تعلم أسراراً كثيرة في مهنة الميكانيك، وتجارة أدواتها الاحتياطية، ومنها سينطلق إلى عالم الثراء، بحسب ما ‏يخططه للمستقبل. يقول "أولاً عليّ الاهتمام بعائلتي، أمي وإخوتي، وحين أكبر لن أدع أولادي يعيشون ‏معاناتي، لكنّ همي الحالي هو الدخول إلى المدرسة، في بعض الأحيان أبكي وأنا أرى أصدقاء لي يحملون ‏حقائبهم في ذهابهم إلى المدرسة وعودتهم منها". ‏

من جهته، يعتبر عمار عبد السلام أنّه وبعد أعمال عديدة تنقّل فيها، أصبح يدرك كيف يدير المشاريع، ‏وانتقاء المشروع الأفضل، مشيراً إلى أنه يسعى لامتلاك أرض زراعية واستغلالها في مشروع. ‏

ليس فقط الفقر والحرمان ما يخشاه من عانى ويعاني من شظف العيش، على مستقبلهم ومستقبل أسرهم، ‏بل هناك ما هو أخطر من ذلك، وأول تلك المخاطر أن الفقراء يكونون ضحايا سهلة للميليشيات والعصابات ‏الإجرامية والاتجار بالجنس. يقول صائب إنّه تنقّل بين عدة ورش حدادة في بداية عمله "بسبب ميول ‏بعض أصحاب هذه الورش الشاذة" مؤكداً: "بعض أقراني في بداية عملنا ونحن بأعمار صغيرة وقعوا ‏ضحية أرباب العمل الشاذين. إنه أمر مقزز ومخيف، إذ يستغلون فقرهم وحاجتهم إلى المال وعدم إدراكهم". ‏يقول إنّ الاستغلال يصدر من جهات كثيرة، موضحاً "اليوم وكوني صاحب ورشة مستقلة تستغلني ‏الميليشيات وتجبرني على إنجاز ما يحتاجون من أعمال خاصة بالحدادة من دون مقابل". ‏

بدوره، يؤكد عبدالله الجنابي أنّه يحرص على "تعليم محمد مبادئ الدين. فنحن نصلي معاً داخل الورشة ‏عند دخول أوقات الصلاة، وأمنعه من الاختلاط ببعض أقرانه ممن يعملون في ورش قريبة منا. أراقب ‏سلوكه باستمرار وأقدم له النصائح، فهناك أشخاص ومجاميع يحاولون الإيقاع بالصغار واستغلالهم في ‏الكثير من القضايا، والإرهاب أحدها". ‏

أما عمار عبدالسلام، فيرى في الميليشيات أكبر خطر يهدد مستقبله، موضحاً "عشنا سنوات صعبة. قتلت ‏الميليشيات والدي وشردتنا، وحرمتني من الدراسة، لو لم تتعرض لنا الميليشيات لما اضطررنا للهرب لنواجه ‏لاحقاً ظلم وإرهاب داعش، ولما بتّ أمياً أجهل القراءة والكتابة". ‏

ترتبط زيادة نسبة الأمية في العراق بشكل كبير بالفقر، بحسب متخصصين، ثم ما آلت إليه تداعيات الأحداث ‏في العراق، خصوصاً بعد غزو البلاد عام 2003.

يقول المشرف التربوي محمد الجبوري ‏إنّ العراق وبعد قضائه شبه التام على الأمية، في سبعينيات القرن الماضي، وتحوله إلى واحد من أكثر ‏بلدان المنطقة تطوراً في نظم التعليم، تراجع بسبب الحروب والمشاكل الأمنية والاقتصادية، منذ الحرب مع ‏إيران (1980- 1988) ثم الحصار الاقتصادي الذي فرض من قبل الأمم المتحدة عام 1990، نتيجة ‏غزو الكويت، الذي أثر كثيراً في المجتمع. ‏

ويضيف "النظام التربوي والتعليمي الرسمي تقهقر كثيراً في البلاد عقب 2003، نتيجة سوء الإدارة وانتشار ‏الفساد بسبب المحاصصة الطائفية والحزبية التي قضت بتقاسم الوزارات، والبحث عن انتفاع مادي منها ‏على حساب التعليم والمجتمع ومستقبل الأطفال ومصلحة الوطن". ‏

وطبقاً لآخر إحصائية عن وزارة التخطيط صدرت عام 2015، يعد المجتمع العراقي فتياً، إذ تصل نسبة ‏السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً إلى 42 %.‏

 

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,534,255

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"