عقوبات التدمير الشامل التي سبقت غزو العراق

الصورة: تشييع جثامين أطفال من ضحايا الحصار الدولي الظالم في نهاية التسعينات، وفي الإطار السفير سبونيك.

هانز فون سبونيك

نقلت صحيفة واشنطن بوست، في عددها الصادر في الرابع من آب/ أغسطس الماضي، عن المجلة الطبية ‏البريطانية للصحة العالمية أن "ما تردّد بأن فرض العقوبات قتل 500 ألف طفل لم يكن إلا مجرد كذبة".‏

 

وقال تيم دايسون وفاليري سيتوريلي، معدا التقرير "تم التلاعب بالبيانات لتسجيل ارتفاع كبير في حجم ‏وفيات الأطفال، وهو ما أراده صدام حسين وحكومته بهدف إثارة القلق الدولي وإنهاء العقوبات الاقتصادية".‏

واعتبرت الدراسة التي أشرف عليها مختصون من كلية لندن للاقتصاد أن "بعض التقارير الصادرة في ‏التسعينات والتي أشارت إلى زيادة في عدد وفيات الأطفال نتيجة للعقوبات المفروضة، كانت تشوبها ‏منهجية ضعيفة وغير كافية". واضطلعت منظمة اليونيسيف للأطفال بالدراسة الأكثر شيوعا، والتي أثارت ‏جدلا واسعا في ذلك الوقت “استنادا إلى الأرقام والاستنتاجات التي زوَّرتها الحكومة العراقية. وأظهرت أن ‏حوالي 550 ألف طفل لقوا حتفهم نتيجة للعقوبات المفروضة".‏

كانت الدراسة التي قامت بها منظمة اليونيسيف حول وفيات الأطفال ونشرتها في سنة 1999 إنجازا مهما ‏بالنظر إلى الظروف التي وجد فيها العراق ومنظومة الأمم المتحدة نفسيهما فيها في أواخر التسعينات. ‏كانت بغداد مرتابة جدا في "الأجانب" بما في ذلك الكيانات الأممية إذ كثيرا ما كانت أونسكوم- أونموفيك ‏درعا تتخفى وراءه الاستخبارات وكذلك الخداع كأحد الأجزاء الأساسية لمشروع نزع سلاح العراق.‏

ليس هذا مجالا لتقديم تفاصيل إضافية فهي متوفرة بكثرة. حتى الكيانات التي تدّعي أنها كيانات إنسانية ‏تابعة للأمم المتحدة لم تستثن من الريبة العراقية المبررة.‏

في سنة 2016 نشرت مطبعة جامعة كاليفورنيا مجلدا ضخما تحت عنوان “أرض القبعات الزرقاء: الأمم ‏المتحدة والعالم العربي”، ويضم فصلا حول “العراق تحت العقوبات”، يشير إلى استراتيجيات الأخبار الزائفة ‏التي اعتمدتها الحكومتان الأميركية والبريطانية.‏

من الجهة الأممية في بغداد، لم يكن لنا لا حول ولا قوة في التعامل مع أعمال التلاعب المحبوكة التي ‏تهدف إلى تشكيل الصورة العامة. وكان أحد هذه “المنتوجات” إصدارا عن وزارة الخارجية الأميركية بعنوان ‏‏“عراق صدام حسين” (سبتمبر 1999). عندما قمنا أنا وزملائي من منظمة الصحة العالمية وبرنامج ‏الأغذية العالمي واليونسكو والفاو واليونيسيف وبرنامج التنمية للأمم المتحدة بقراءة هذه الوثيقة الرسمية ‏الأميركية ذهلنا لاحتوائها على قدر كبير من المعلومات الزائفة والمختلقة.‏

في ما يخص الدراسة التي قامت بها اليونيسيف، أشير إلى أنه اعتمادا على ارتباطي باليونيسيف ‏والوكالات الأممية الأخرى المقيمة في العراق عندما كنت المنسق الأممي في بغداد، أقول ما يلي بكل ‏ارتياح:‏

*عند القيام بدراسة الوفيات، كانت اليونيسيف واعية تمام الوعي بكل القيود والهنات.‏

‏*تكفّل بهذه الدراسة موظفون تابعون لمنظمة اليونيسيف وهم أشخاص ذوو حرفية عالية. انضم إليهم ‏موظفون من الطاقم الطبي العراقي، وربما أيضا أشخاص من الاستخبارات العراقية الذين كانوا حاضرين ‏عادة عندما كانت الأمم المتحدة تجري عملها الميداني.‏

*أونسكوم- أونموفيك وغيرها من الكيانات الأممية كثيرا ما كانت دروعا تتخفى وراءها الاستخبارات والخداع ‏كأجزاء أساسية لمشروع نزع سلاح العراق

‏*وعياً من اليونيسيف بإمكانية تلاعب السلطات العراقية بالمعطيات، توخَّت الحذر والحرص في جمع ‏المعطيات.‏

‏* لم تكن اليونيسيف الكيان الأممي الوحيد الذي واجهته السلطات الأميركية والبريطانية “بأدلة متناقضة”. ‏عمل برنامج الأغذية العالمي على المساعدة في توريد 440 ألف طن من الغذاء كل شهر لإطعام 23 ‏مليون عراقي وكان يتحكم في نظام بطاقات تموين مكنت من مراقبة مستمرة وذات مصداقية.‏

وفي سنة 1999 استنتج برنامج الأغذية العالمي بأن الطعام يصل إلى المواطنين في كل أنحاء البلاد بما ‏في ذلك المنطقة الجنوبية والمنطقة الشمالية.‏ لكن الحكومة الأميركية قالت إن العراقيين المعارضين للحكومة في بغداد محرومون من هذه الحصص ‏التموينية.‏

‏* ساندت منظمة الصحة العالمية الرأي بأنه على إثر العقوبات بدأ المقدار المأخوذ من السعرات الحرارية ‏في اليوم ينخفض بشكل سريع من أكثر من 3000 سعرة (قبل 1990) إلى أقل من 1500 سعرة (بعد ‏‏1990)، لكن واشنطن ولندن أنكرتا ذلك.‏

‏*اتهمت الحكومتان الأميركية والبريطانية السلطات العراقية بأنها كانت تقوم بتخزين الأدوية عمدا، في ‏حين أن كل ما فعلته وزارة الصحة العراقية هو اتباع الخطوط العريضة العالمية التي حددتها منظمة ‏الصحة العالمية للاستعداد لفترات الأوبئة.‏

‏* عارضت البعثتان الأميركية والبريطانية للأمم المتحدة بشدة التقرير عن الضربات الجوية الذي قدّمتُه ‏بموافقة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. وقيل لي إنه عند ذكر أرقام عن الضحايا المدنيين كل ما ‏كنت أفعله هو تكرار الدعاية العراقية.

ولفتُّ نظر السفير البريطاني أثناء زيارة قمت بها إلى نيويورك بأنه ‏عند حدوث ضربة جوية بريطانية أو أميركية قوية تخلف ضررا كبيرا يصيب المدنيين أذهب بنفسي إلى ‏المواقع على عين المكان للتثبت من الضحايا ومن ثم أكون في موقع يسمح لي بتأكيد التقارير العراقية أو ‏تصحيحها. مثلا عندما ذكر الإعلام العراقي الرسمي بأن ضربة جوية على منطقة سكنية في البصرة ‏أسفرت عن 11 حالة وفاة عددت أنا بنفسي 17 تابوتا.‏

والمثال الآخر الذي يصعب تصديقه المتمثل في وقوع ضربة جوية شمال الموصل أدت إلى وفاة ستة رعاة ‏ونفوق 101 من الخرفان، بينما ذكر بيان صحافي عن مقر القيادة العسكرية الأميركية الأوروبية في ‏شتوتغارت في 30 أبريل 1999 يوم الهجوم بأنه في المكان حيث قتلت الخرفان البريئة تم تدمير معدات ‏مضادة للطائرات بنجاح.‏

أن نقول للعالم مرة أخرى، بعد 14 عاما من نهاية العقوبات، بأن الحياة في العراق في ظل العقوبات لم ‏تكن بذلك القدر من الوحشية والتهديد للحياة، بالرغم من صدام حسين، وبأن هناك عددا أقل من وفيات ‏الأطفال مما تحدثت عنه اليونيسيف في تقريرها لسنة 1999 لهو أمر مثير للاشمئزاز ويجب ألا يمر دون ‏رد.‏

تخلص دراسة كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية بالقول “كان تلفيق دراسة اليونيسيف لسنة 1999 ‏تزويرا بارعا”.

يجب على الباحثيْن القائمين بدراسة كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية التراجع عن هذا ‏الكلام الخاطئ بشكل خطير ويعتذرا علنا عن هذا البحث الرديء. ويتعين أن يضاف هذا البحث لكل ‏المظالم التي ساهم فيها أعضاء في مجلس الأمن الدولي وحكومات أخرى وأشخاص غير مسؤولين. يجب ‏أن يخضع المقترفون لهذه المظالم للمساءلة.‏

يجب أن يقرأ العموم ملحقا لقصة كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية “التي لا تصدق”، ألا وهو تصريح ‏السفير الماليزي أغام هاسمي الذي كانت بلاده عضوا في مجلس الأمن في ذلك الوقت حيث قال في ‏مجلس الأمم المتحدة في سنة 2000 “يا له من موقف ساخر بأن السياسة نفسها التي من المفترض أن ‏تجرد العراق من أسلحة الدمار الشامل أصبحت هي نفسها سلاحا للدمار الشامل".‏

 

**هانز فون سبونيك، ديبلوماسي ألماني شغل منصب منسق للشؤون الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في ‏العراق قبل أن يستقيل في سنة 2000 احتجاجا على المستويات المرعبة من حالات الوفيات الناجمة عن ‏العقوبات الأممية. وكان سلفه دنيس هاليداي الذي أعد برنامج العقوبات قد استقال في سنة 1998 لنفس ‏السبب واصفا نظام العقوبات بـ”المذبحة الجماعية”.‏

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,708,668

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"