النجاحات الإيرانية لا تعني أنها على حق/ القسم الثاني

الصورة: الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر والريماوي.

نزار السامرائي

2 – أمراض الأحزاب والحركات الثورية

عانت الحركات الثورية الوطنية والقومية في الوطن العربي من انشقاقات أثرت كثيرا على مسيرتها السياسية ولكن ذلك كان يحصل نتيجة اختلافات سياسية أو خلافات فكرية، كما حصل لحزب البعث العربي الاشتراكي إذ انشق فؤاد الركابي أمين سر القيادة القطرية للحزب في العراق، وعبدالله الريماوي عضو القيادة القومية في أعقاب الانقلاب العسكري السوري الذي أدى إلى الانفصال بين سوريا ومصر في 28/9/1961، بعد أن شعروا أن إدانة الحزب للانقلاب ليست بالتصور الذي كانوا يريدون، كما كان هناك بعض قادة الحزب الذين اعترضوا على حل تنظيم الحزب في سوريا بعد تجربة الوحدة مع مصر عام 1958 استجابة لشرط الرئيس جمال عبد الناصر في حل الحزب قبل الدخول في وحدة مع سوريا، وكان رأي قيادة الحزب أن تضحي بالتنظيم من أجل تحقيق الحلم العربي الكبير.

 

كما حصل انشقاق في الحزب عندما انسلخ مجموعة من قياديي الخط الثاني أو الثالث عنه وشكلوا تنظيما أطلقوا عليه اسم حركة الكادحين العرب في فترة متزامنة، وبعد 18 تشرين الثاني 1963 انشق أمين سر القيادة القطرية للحزب السيد علي صالح السعدي عن الحزب وشكّل تنظيما أسماه "حزب العمال الثوري" واستقطب معه عددا من القياديين السابقين في الحزب من الذين تم ابعادهم من العراق في أحداث 13 تشرين الثاني والتي كانت مقدمة للردة التشرينية، أما لجنة تنظيم القطر فلا ينظر إليها على أنها انشقاق عن الحزب بل لجنة تولت الاتصالات بالحزبيين الموثوق بهم لإعادة بناء الحزب وسط أجواء في غاية التعقيد، ولكن وبشكل قاطع لم يصمد أي انشقاق عن الحزب في العراق أمام قدرة الحزب على إزاحة كل الانشقاقات بما في ذلك التنظيم الذي أنشأه قادة 23 شباط في العراق تحت اسم القيادة القطرية المؤقتة، وكذلك تنظيم يونس الأحمد الذي رعاه السوريون أنفسهم بعد احتلال بغداد 2003.

ويرتبط انشقاق عام 1966 بأخطر ما واجهه الحزب والذي أعقب انقلاب 23 شباط في سوريا والذي كان أسوأ تمرد على قيادة الحزب الشرعية، وكانت بداية الزحف العلوي الطائفي نحو السلطة، على الرغم من أن معظم وجوه الخط الأول المعلن فيه كانوا من السنة مثل نور الدين الأتاسي الذي أصبح رئيسا للدولة وأمينا عاما للحزب ويوسف زعيّن الذي أصبح رئيسا للوزراء وعضوا في القيادة وهما سنيّان وإبراهيم ماخوس الذي  صار عضوا في القيادة ووزيرا للخارجية، وكل هؤلاء مجرد ديكور خارجي لقائد الحزب والدولة الحقيقي الذي لم يشأ أن يكون في واجهة المشهد بل فضل أن يكون نائبا لأمين سر القيادة القطرية ورئيسا للأركان العامة وكان يمسك بكل خيوط اللعبة عبر شبكة من المؤيدين والأتباع في الجيش السوري، أما وزير الدفاع فهو حافظ أسد وكلا الرجلين علويان وهما من مهد الطريق أمام الطائفة العلوية للإمساك بالسلطة وخاصة بعد قيام حافظ أسد بما أسماه الحركة التصحيحية في عام 1971، وهي الحركة التي مهدت لاستحواذ العلويين على مقاليد الحكم في سوريا.

كما أن الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي تعرضا لانشقاق بعد أزمات عاشاها مع اللواء عبد الكريم قاسم، فتم انشقاق داوود الصائغ على الحزب الشيوعي فشكل حزبا بنفس الاسم أما محمد حديد فقد انشق على الحزب الوطني الديمقراطي وشكل تنظيما باسم الحزب التقدمي.

أما جبهة التحرير الجزائرية فقد مارست مركزية عالية في تعاملها مع عناصرها وتياراتها المختلفة بحيث تمكنت من ضبط إيقاع عناصرها ضبطا محكما، ومع ذلك فإن ما حصل في 19/6/ 1966 وهو اليوم الذي أطاح فيه الرئيس هواري بومدين بالرئيس أحمد بن بلة يعكس أن كل الحركات الثورية كانت عرضة للانشقاق.

وتعرضت المقاومة الفلسطينية، لانشقاقات متعددة، فحركة فتح على سبيل المثال تعرضت لانشقاق وإن كان هو الأضعف مما حصل في بقية الحركات، إلا أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت الأكثر تعرضا للانشقاق وربما يعود ذلك إلى مراحل تأسيسها الأولى، فالجبهة هي الذراع العسكري لحركة القوميين العرب اليمينية، والتي رفعت في بداية تأسيسها على يد جورج حبش، شعارات قومية مغلقة، مثل وحدة تحرر ثار، أو دم حديد نار، وكانت ناصرية التوجه إلى الحد الذي أردفت شعارها السابق بعبارة "عبد الناصر يا جبار"، ولكن الجبهة تعرضت لعدوى الانشقاق فتم انشقاق الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة، التي اتخذت خطا يساريا متطرفا بل ماركسيا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل انشق أحمد جبريل وأسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)، ولم يستطع أحد أن يتبين فرقا واضحا في التوجهات الخاصة في هدف تحرير فلسطين، وإن الجبهات الثلاث تحمل اسم الجبهة الشعبية، ويفترض بهذا الاسم أن يضم قوى مختلفة في التفاصيل لكنها متفقة على الهدف الرئيس وهو تحرير فلسطين، وغير هذه الجبهات شهدت الساحة القريبة من فلسطين أسماء كثيرة لم تستطع الاتفاق على برنامج سياسي موحد أو متقارب بينها للوصول إلى هدف التحرير، وكذلك الحال مع حركة الجهاد الإسلامي وحماس اللتين تعيشان صراعا فكريا ولكن ارتباطهما بالدعم الإيراني يجعل منهما استنساخا لسلوك حزب الله اللبناني وتماسكه القسري.

هذا الأمر امتد إلى نشوء حركات المقاومة في العراق وسوريا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق واندلاع الثورة في سوريا، وما عانت منه من انشقاقات واختراقات، حتى أن أية محاولة دولية للحوار مع المقاومة كان سيفسر تفسيرات أقلها التخلي عن قيم المقاومة، لأن   الطرف الذي سيقدم نفسه ممثلا للمقاومة سينظر إليه باعتبار سلوكها  انفرادا بالقرار وارتباكا في الرؤية السليمة لأهداف المقاومة وتوجهاتها، وربما وصل النزاع المسلح بين تلك الفصائل نفسها إلى حدة أقوى وشدة وقسوة من نزاعها مع الطرف المعلن كعدو أي المحتل الأمريكي، وهنا تبرز سلسلة من التبريرات الساذجة، منها أنها تخضع لظرف استثنائي بمنتهى القسوة، والتبرير الأكثر سذاجة أن مثل هذا السلوك يدل على الأجواء الديمقراطية التي تعيشها وعدم وجود مركزية تمكّن من لجم الأصوات المعارضة. 

فما هو الذي جعل حزب الله خاصة وسائر الأحزاب والتشكيلات المسلحة التي أنشأتها إيران عصيّة على أي انشقاق مؤثر أو خلاف علني؟ وما هو السبب الحقيقي الذي جعل الحزب يحافظ على وحدته التنظيمية من دون هزات كبرى؟ هل الأمر يرتبط بطبيعة البناء الفكري أو المذهبي الذي يفرض على الأتباع طاعة عمياء للمتبوع وهو رجل الدين المرتبط بمراجع أعلى منه حتى نصل إلى المرجع الأعلى أو الولي الفقيه؟

يذهب كثير من المراقبين إلى أن كل الحركات الشيعية ترتبط ارتباطا مباشرا مع مركز التوجيه في إيران، ولأن الولي الفقيه يمسك بالـ" الريموت كونترول" بحيث يتحكم بمسارات أية حركة أو حزب أو منظمة، ولنا في انشقاق المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في الآونة الأخيرة ما يؤكد أن خيوط اللعبة بكاملها بيد علي خامنئي، إذ ذهب الطرفان إليه من أجل الحصول على مباركته لكل طرف، ولكن الولي الفقيه لا يريد أن يخسر أي طرف منهما مما قد يضعف تحكّمه بخياراتهما وهذا كان واضحا في كثير من الاختلافات البينية داخل كل تنظيم إيراني، عليه أن يضبط سلوكه بما يخدم خطة التحكم الإيراني في كل تنظيم أو أجنحته.

إن منطق التصفيات وملاحقة من يفكر بالانشقاق ملاحقة تجعله يعيش أجواء رعب لا فكاك منها إلا بالموت أو العودة إلى أحضان الرعاية الأبوية، وهذا ما جعل كثيرا من المراقبين يعيدون النظر بحكمهم المتسرع بأن التماسك التنظيمي لحزب الله دليل على تماسك طوعي فكريا وسياسي بل نتيجة لسلوك مافيوي تعتمده إيران خاصة والتشيّع عامة في تعاملها مع أذرعها الخارجية.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,077,325

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"