"أبو عبد البر الأميركي"

محمد كريشان

«أبو عبد البر الأميركي» هو من قام بالمذبحة المروعة الأخيرة في مدينة «لاس فيغاس» الأميركية، وأنه «اعتنق الاسلام» قبل أشهر. هذا ما أوردته وكالة «أعماق» التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) دون أن تقدم أي دليل على صحة مثل هذا الإدعاء.

 

الحمد لله أن لا أحد أخذ هذا التبني على محمل الجد وأولهم المسؤولون الأميركيون أنفسهم الذين استبعدوا تماما في الوقت الحالي أي علاقة للعملية وصاحبها بالإرهاب العالمي، وتحديدا بالإرهاب الذي ينسب نفسه للإسلام.

إنه تبني «النكاية» ليس إلا، وهو أشبه بتصرف الأطفال حين يريد بعضهم إغاظة الآخر  عن أذى ما لحق به فيدعي زورا وبهتانا أنه هو من قام به، وقد يخرج له لسانه إمعانا في محاولة إخراجه عن طوره. من حسن الحظ أن الدول الكبرى لا تتصرف تصرف الأطفال الصغار حتى وإن عوملت بهذا المنطق. ومع ذلك، فإن هذا التبني المسـلوق والمفتعل، والذي لم يعره أحد اهتماما، يثير مــلاحظتين هامتين ســريعتين:

-وكالة «أعماق» التي كان بعض الصحافيين المختصين في شؤون الحركات الإسلامية الجهادية يعتبرونها مصدرا يعتد به، واصفين أخبارها بأنها في الغالب تتصف بمصداقية أكبر من مصداقية خصومها، خاصة في ما يتعلق بإيراد أرقام الخسائر في المعارك التي تخوضها «داعش» في كل من سوريا والعراق، هذه الوكالة تكون بـــ«تبني النكاية» الذي أعلنته لعملية لاس فيغاس قد سقطت بالضربة القاضية.

-ربط ما قام به المزعوم «أبو عبد البر الأميركي» (بالمناسبة أين البر في ما أقدم عليه؟!!) باعتناقه المزعوم للإسلام قبل بضعة أشهر فيه إفتراء عظيم على الإسلام والمسلمين لن يتجرأ أحد على قوله بهذه الصيغة إلاتهامية الصفيقة. مثل هذا الكلام لا يعني سوى شيء واحد: إعتناق الإسلام هو المدخل الأساسي لأن تصبح إرهابيا. هذا يعني كذلك أن ستيفن بادوك هذا المحاسب المتقاعد البالغ من العمر 64 عاما الذي عاش طوال هذا العمر في أمان الله لم يصبح قاتلا شريرا مجرما، لا يتواني على أن يردي العشرات من الناس الذين لم يضروه بشيء ولم يعتدوا عليه ولم يحتلوا أرضه ولا هم قتلوا أهله أو شردوهم، لم يفعل ذلك إلا بعد أن أصبح مسلما. صيغة وكالة «أعماق» البائسة تشي وكأن الرجل، لم ينطق بالشهادتين قبل بضعة أشهر، وإنما تخرج من أعرق أكاديمية لتعليم الإرهاب بتقدير «جيد جدا» !!

لا شك أن المسلمين جميعا تنفسوا الصعداء حين علموا أن منفذ عملية لاس فيغاس لا علاقة له بالحركات التي تدعي الإسلام وتمعن في ترويع وتقتيل الناس الأبرياء في الشوارع لاعتبارات ومسوغات ما أنزل الله بها من سلطان وشوهت سمعة الدين الحنيف كما لم يفعل أحد من قبل. وللعلم بأن عمليتين فقط من بين آخر 15 عملية إطلاق نار عشوائي على مدنيين في الولايات المتحدة مقترفوها من المسلمين، مما يدل على أن أي عملية ربط آلي بين أعمال مستهجنة من هذا القبيل وبين أن تكون مسلما متشددا أو حتى إرهابيا ليس ربطا صحيحا، رغم أن العمليات التي يقترفها متطرفون إسلاميون هي من تحظى عادة بالتغطية الإعلامية الأوسع.

مع كل عملية يضع الناس عندنا أيديهم على قلوبهم خشية أن يكون من فعلها من قومنا، ونظل على أعصابنا خشية أن يقول أحد الشهود أنه سمع المسلح يهتف «الله أكبر»… لقد «أفلحوا» في زرع «متلازمة الإرهاب والإسلام» إلى درجة أن حصول عمليات لا علاقة لها بهذا الربط غير المقدس بين الأمرين يدخل ارتياحا يكاد ينسينا بشاعة ما جرى وضرورة إدانته مهما كان الفاعل أو المفعول به.

عملية لاس فيغاس سلَّطت الضوء مرة أخرى على القضية التي يفترض أن تقض مضاجع المسؤولين هناك أكثر من الإرهاب باسم الإسلام وهي قضية السلاح وقدسية اقتنائه بناء على حق دستوري وذهنية أميركية تشكلت عبر التاريخ. في الولايات المتحدة، يموت يوميا 30 شخصا نتيجة حوادث إطلاق نار، دون حساب 53 حالة انتحار يومية باستخدام الأسلحة النارية.

سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم 325 مليونا يمثلون 5٪ من سكان العالم ومع ذلك فهم يمتلكون ما بين 30 و35٪ من إجمالي الأسلحة الشخصية في العالم، كما تظهر دراسات حديثة هناك أن هناك 89 قطعة سلاح مقابل كل 100 مواطن، مع وجود حوالي 130 ألف موزع سلاح في الولايات المتحدة، أقل من نصفهم بقليل من الموزعين الخواص الذين لا يدققون كثيرا في إجراءات وشروط شراء السلاح.

لقد عثرت الشرطة على 16 قطعة سلاح في غرفة الفندق التي استأجرها القاتل بادوك ومنها أطلق النار على الحفل الموسيقي في الساحة الكبرى التي تقع أسفله. إنه مجرم بلا دين ولا ملة مما يجعل تبني «داعش» للعملية كذبة سمجة. ومن باب الاحتياط نقول في النهاية:… هذا ما يبدو إلى حد الآن!

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,950,204

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"