انفجارات الجغرافيا في العراق

مثنى عبدالله

تحالف الساسة الأكراد مع زملائهم الشيعة، منذ بدايات تشكيل المعارضة العراقية في الخارج على يد المخابرات الأجنبية. وقد حصل اتفاق بين الطرفين على مشروع السيطرة على العراق، بإطلاق يد الساسة الشيعة في المحافظات التي يقطنها العرب، مقابل إطلاق يد الساسة الكرد في المحافظات التي يقطنها الأكراد.

 

وبعد الغزو والاحتلال تم وضع الدستور الحالي، الذي صاغ فيه الأكراد شروطهم، وهي إلغاء عروبة العراق، ووضع إطار قانوني لشبه دولة مستقلة عن الحكومة المركزية، واستفتاء على كركوك ومناطق أخرى، يدعي الأكراد أنها تاريخيا تعود إليهم.

ولأن التحالفات غالبا ما تكون بعمر الزهور، كما يقول نابليون، انفرط عقد هذا التحالف، بعد أن استتبت السلطة في بغداد في يد الاحزاب السياسية الشيعية، الذين أرادوا إثبات سيطرتهم والظهور بمظهر السلطة المركزية القوية، التي قراراتها يجب أن تخضع لها كل المحافظات العراقية، لكن السلطات الكردية رفضت الانصياع لهذا الأمر، واعتبرته خروجا عن سياق التحالف، ونكران جميل لها على ما قدمته لهم من تسهيلات وملاذات آمنة خلال سنوات العمل ضد النظام السياسي السابق.

فانطلق الأكراد يسابقون الزمن في تثبيت حكمهم وتعزيزه، تحسبا للمستقبل، بعد أن انفرطت عرى الثقة وتدحرجت إلى الهاوية مع حلفاء الأمس. كما تلاوموا في ما بينهم على إضاعة فرصة إعلان الاستقلال بعد الاحتلال مباشرة، وصمموا على أن لا يتركوا فرصة أخرى تضيع من بين أيديهم مستقبلا.

وعندما استولى تنظيم «الدولة» على الموصل وبات على تخوم أربيل عاصمة الاكراد، هبَّ الغرب مذعورا لمساعدة الاكراد بالمال والسلاح والتدريب. وحين قرر تشكيل تحالف لمقاتلة التنظيم وضعوا القوات الكردية رأس حربة فيه، إلى الحد الذي لم يأبهوا لاعتراضات أهم حليف لهم في المنطقة وهو تركيا. فاعتقد الاكراد بأن الغرب بات ينظر إليهم على إنهم الحليف الوحيد الذي يمكن المراهنة عليه، وإن الفرصة أتت إليهم مرة أخرى كي يعلنوا الاستقلال، خاصة أن العلاقة مع السلطات في بغداد ساءت بشكل أكبر من السابق، وباتت كل جسور الحوار شبه مقطوعة. كما أن الظروف الداخلية الضاغطة تحتم البحث عن هدف سام يخطف اهتمام الجمهور الكردي، بعيدا عما يعانيه من أزمات، اقتصادية وسياسية خانقة. هنا كان موضوع الاستفتاء على الاستقلال والانفصال، في ذهن صانع القرار الكردي، حبل نجاة لأزمة القيادات الكردية أمام جمهورها أولا، ووسيلة ضغط فاعلة لإعادة تحالف الاكراد مع الساسة الشيعة، وصياغته من جديد على أسس أخرى ووفق شروط جديدة.

وعلى الرغم من أن الاستفتاء حصل في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي، لكن محصلة الحدث ما زالت غير واضحة المعالم بيد القادة الاكراد. صحيح أن الزعامة السياسية حصلت على ورقة ضغط تستطيع المساومة بها على طاولة أية مفاوضات مقبلة، لكن الغرب لا يريدها ورقة تغيير في الوقت الراهن، بينما يريدها الاكراد كذلك. هنا ظهر ما يشبه التقاطع بين الرؤية الكردية والرؤية الغربية والأميركية لموضوع الاستفتاء، لكن الحقيقة هي غير ذلك. فلقد دعم الغرب وأميركا صانع القرار الكردي في خطوته، ولم يكن المجتمع الدولي جادا في الضغط لإيقاف الاستفتاء بسبب انخراط الأكراد في الحرب على تنظيم «الدولة» أولا، وبسبب معرفتهم بأن الزعامة الكردية تبحث عن ورقة ضغط لا أكثر في الوقت الراهن. وإن التصريحات المستنكرة والمستهجنة للخطوة الكردية التي نسمعها اليوم، هي مجرد مناورة سياسية لإبقاء الأمور تحت السيطرة، وإعطاء تحذير لفظي بأن ما جرى يجب أن يبقى في حدوده المرسومة لا أكثر. لأن ما يقلق القوى الكبرى حالتان، الاولى عندما تكون منطقة نزاع وتتدخل بها قوى كثيرة، والثانية عندما تكون منطقة نزاع ويتطاير الشرر منها على الآخرين، وكلا الحالتين متوفرة في المنطقة الكردية في شمال العراق.

إن ما حصل في 25 أيلول/ سبتمبر لم يكن مفاجأة إطلاقا، فارتدادات الحدث العراقي في عام 2003 لم تكتمل بعد، وأن هنالك موجات تسونامي أخرى ستظهر لاحقا، لأنه أسس لإعادة صياغة البنية السياسية في العراق والمنطقة بشكل كامل. نعم هنالك تهديد سياسي عميق لحدود اتفاقية سايكس بيكو، بسبب تداخل لعناصر متزامنة ومتفاقمة، والعنصر المذهبي والقومي ليس هما الوحيدان في صناعة ذلك التهديد. كما أن هنالك قوى عابرة للحدود التي وضعتها تلك الاتفاقية، لكن أية إعادة للنظر بالحدود تزيد من إمكانية الحرب الأهلية، وتفتيت الدول لا يجري على البارد، بل بحروب وقتل وتدمير، والحفاظ على الكيانات في الشرق الاوسط أسهل بكثير من تغيرها بحجة منع اتساع النزاعات. مع ذلك سيبقى العراق مهددا بالتفتيت لأن هنالك اهتماما بالجغرافية الطائفية والقومية وانعدام الاهتمام بالمؤسسات. فعندما تُبنى مؤسسات أصيلة وقادرة على حماية الناس تُنسى الجغرافية الطائفية والقومية، لأن المؤسسات هي التي توحد البشر وتحقق العيش المشترك، بينما الجغرافية وسيلة دفاع. ولأن عراق اليوم فيه أزمة نظام، وأزمة حكم، وأزمة طوائف وإثنيات، وأزمة ممارسة سياسية، فقد هبطت المؤسسات وانفجرت الجغرافيا وستندلع حروب وينعدم التفاهم على كل شيء.

إن حق تقرير المصير حق ثابت لا يمكن أن ينكره أحد، وقد تضمنه الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وقد صادق العراق عليهما معا، لكن الاكراد ليسوا واقعين تحت احتلال غاشم كي يطالبوا بالانفصال، بل هم يتمتعون بسلطات واسعة ويحكمون أنفسهم بأنفسهم، ويتشاركون في الموارد والثروات كبقية المواطنين فيه. كما أنهم اختاروا العيش فيه بملء إرادتهم وليس من حقهم تهديد وحدته الإقليمية. وإن من الخطأ تصور الحركة القومية الكردية بأن حدودها الثقافية والقومية، لابد أن تولد لها حدودا سياسية مستقلة. ومع ذلك فإن ما أقدم عليه الأكراد من استفتاء بهدف الانفصال لا يتحملون وزره وحدهم، بل إن منظومة الحكم في العراق هي التي كانت الدافع وراء رسم خرائط مذهبية وقومية، وهي التي أججت طموحات الانفصال والتشرذم. فليس الأكراد وحدهم من يدعو ويعمل إلى ذلك، بل هنالك من السنة والشيعة والتركمان من يدعو إلى سلوك الطريق نفسه. ويتناسى الجميع بأن هنالك اليوم 85 % من دول العالم فيها أكثر من 20 % أقليات، كلهم يتشاركون في عيش مشترك ضمن حدود جغرافية واحدة.

إن الشركاء السياسيين في العراق في حالة حرب دائمة، من دون إراقة دماء منذ 14 عاما، واليوم هم أقرب إلى الحرب الدموية من أي وقت مضى. فالسياسة هي حرب من دون إراقة دماء، والحرب هي سياسة تسفك فيها الدماء. لكن الانفجار سيكون كارثيا هذه المرة، لان الاكراد والساسة الشيعة معا يعتقدون بأن عليهم أن يستثمروا نتائج حربهم ضد تنظيم «الدولة» في مصالح ذاتية.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :99,490,923

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"