التزوير والتضليل من اتفاقية سيفر الى الحق المزعوم بالانفصال

غني نعمان الطائي
يرد الآن في أحاديث بعض المسؤولين والمتحدثين الكرد العراقيين من ذوي النزعة الشوفينية، وفِي أحاديث البعض ممن يؤيدهم، عن جهل أو عن قصد، الكثير من التزوير والتضليل بشأن الحقائق التأريخية والقانون الدولي والواقع الحقيقي في العراق بما يتعلق بوضع الكرد العراقيين، مما يسهم في تضليل الرأي العام العربي والعراقي والمواطنين الكرد.

ومن ذلك الحديث عن اتفاقية سيفر التي عقدت بين دول الحلفاء والدولة العثمانية عام 1920، التي يقدمها هؤلاء باعتبارها اتفاقية معترف بها، وتضمنت إقراراً بحق الكرد في الشرق الاوسط بتقرير مصيرهم وإنشاء دولة كردية مستقلة، وبأن الحلفاء الغربيين هم الذين تراجعوا عنها. كما ترد ايضا إشارات تعميمية تسمح بالتأويل إلى ما يسمى "القضية الكردية" لصالح النزعات الشوفينية والمشبوهة في الأوساط الكردية العراقية.
ومن الضروري توضيح الصورة في ما يتعلق بهذه الحقائق والوقائع.
اولا: اتفاقية سيفر عام 1920 هي اتفاقية إذعان مذلّة فرضتها دول المحور المنتصرة (ومثّلتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) على ممثلي الدولة العثمانية (ومثّلها كبير الوزراء أحمد أفندي) بعد هزيمتها في الحرب العالمية الاولى، وقضت بتجريدها من كل الاراضي غير التركية، وفرضت شروطاً مذلة قاسية عليها تحد من قدراتها العسكرية ومن سيادتها حتى على مواردها المالية وموانئها. 
وقد رفض المجلس الوطني الأعلى في تركيا برئاسة مصطفى كمال اتاتورك المصادقة عليها وعاقب من وقعها. لذلك اعتبرت لاغية بعد أن رفضتها الدولة التركية. فاستأنف الحلفاء التفاوض مع تركيا على اتفاقية جديدة وتوصلا الى اتفاقية لوزان عام 1923 التي اعترفت بالحدود الحالية لدول الشرق الأوسط ومنها دولتا العراق وتركيا وأزالت كثيراً من البنود التي وردت في الاتفاقية السابقة. 
لذلك لا صحة للقول بأن الحلفاء تراجعوا عن تعهداتهم في اتفاقية سيفر، بل ان الاتفاقية نفسها اعتبرت لاغية بعد أن رفضتها الحكومة الجديدة التي ورثت تركيا من الدولة العثمانية.
ثانيا: دعت اتفاقية سيفر لإجراء استفتاء للأكراد لإنشاء حكم ذاتي لهم لكن ذلك لم يتم. فقد اختلف ممثلو الأكراد على تحديد المناطق المشمولة. وأخيرا نصَّت الاتفاقية على منطقة محصورة داخل جمهورية تركيا فقط ليتم فيها الاستفتاء على انشاء الحكم الذاتي للكرد. وهذا لم يتم أيضاً بسبب إلغاء الاتفاقية.
واستخدم تعبير autonomous Kurdistan، اي منطقة كردستان للحكم الذاتي ولم تنص على عبارة independent Kurdistan، اي دولة كردستان المستقلة مثل ما فعلت مع أرمينيا. في أدناه صورة لنص ما ورد بهذا الشأن في أهم مرجع تاريخي ومعرفي في العالم وهو الموسوعة البريطانية.


ثالثا: الحديث عن "القضية الكردية" دون تحديد المقصود بها يسمح للتأويل باتجاهات شتى تذهب باتجاه الدعوات العنصرية الانفصالية اكثر من الدعوة لاحترام خصوصيات الأقليات الدينية والقومية وتمكينها من ممارسة حقوقها القومية والدينية في إطار وحدة مجتمعاتها ودولها. 
وبالنسبة لنا نحن الوطنيين العراقيين فإن حل القضية الكردية في العراق يتم من خلال منح المواطنين العراقيين من أبناء القومية الكردية حقوقهم القومية في إطار الدولة العراقية، اي في إطار وحدة الحكومة والشعب والأرض والسيادة. وهو ما ينسجم انسجاما تاما مع القانون الدولي الإنساني وما نصت عليه صكوكه في ما يتعلق بحقوق الأقليات.
وهذا ما فعلته حكومة العراق في العهد الوطني في التعامل مع مسألة الأقليات الدينية والقومية، فمنحت التركمان والناطقين باللغة السريانية حقوقهم الثقافية واعتبرت الاعياد الدينية لغير المسلمين عطلت رسمية لهم. ثم أصدرت بيان آذار عام 1970 وطبّقته في الموعد المحدد في إجراءات الحكم الذاتي عام 1974، حيث أتيح للمواطنين العراقيين من أبناء القومية الكردية، في أي منطقة يشكلون فيها أغلبية سكانها، ممارسة ادارة شؤونهم بأنفسهم ومممارسة التعليم والثقافة والإعلام بلغتهم الكردية، فتشكلت حكومة محلية كردية وبرلمان كردي في منطقة الحكم الذاتي، وكلاهما جزء من الحكومة المركزية. 
وقد انفرد العراق بهذا المكسب الذي حققه الحكم الوطني بعد ثورة تموز 1968 لمواطنيه الكرد من بين جميع دول العالم التي تضم أقليات كردية. 
وكانت دولة العراق قد انفردت كذلك في النص دستوريا على الشراكة بين العرب والكرد في الدولة العراقية منذ ثورة 14 تموز 1958.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,075,898

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"