مجلس التنسيق العراقي السعودي خطوة إلى المجهول

نزار السامرائي

ليست مصادفة أن يستذكر وزير خارجية المملكة العربية السعودية تاريخ العلاقات المتوترة بين الرياض وبغداد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أمام وزير خارجية الولايات المتحدة الذي كان في زيارة للرياض لترتيب ملفات تدشين علاقة الزواج المؤقت بين الرياض وبغداد.

 

لقد بدا عادل الجبير وكأنه يوجه رسالة ودية ونفاق سياسي فوق العادة للوفد الأميركي ووفد حكومة بغداد، بأن الرياض ما تزال تحمل إرثا من الضغينة والحساسية تجاه الحكم الوطني الذي سبق الغزو الأميركي البريطاني بجهد ومال وقواعد جوية تم تقديمها بسخاء لا يقل عن السخاء الخليجي الحالي تجاه قضايا لم تتغير فيها البوصلة العربية نحو اتجاهات سليمة تضمن للمركب العربي الوصول إلى الشواطئ الأمنة، ذلك أن هذا التوجه تظنه الدبلوماسية الخليجية كفيلا بكسب رضا الإدارة الأميركية الحالية، وأنه قادر على مزيد من الانخراط الأميركي في تقديم الدعم لدول الخليج العربي على الرغم من أنها تعيش حالة انقسام راهنة لا تقل عن أحداث عام 1990 من حيث دفعها دول الخليج نحو اصطفافات متصادمة.  

كانت الحفاوة التي قوبل بها العبادي في الرياض، لافتة وأعادت إلى الأذهان الاحتفالية التي استقبل بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرياض، وواقع الحال أنها كانت أوضح من الحفاوة التي قوبل بها أصدقاء ينظر إليهم عادة أن بلدانهم وهم كأشخاص أقرب إلى المزاج الاجتماعي والسياسي السائد في المملكة كأمير الكويت أو الرئيس المصري، حتى بدا لكثير من المهتمين بالشأن الخليجي أن المملكة العربية السعودية التي تعيش في الوقت الحاضر أزمة حادة مع قطر، باتت تفكر جديا بمغادرة هذه الدائرة المحلية لتحالفاتها أي دائرة مجلس التعاون الخليجي مختارة أو بحسب ضغوط خارجية، إلى آفاق أوسع وذلك بالتطلع إلى العراق انطلاقا من معرفة راسخة بأن محيطها السابق لم يتمكن من مواكبة التطورات الإقليمية والدولية وخاصة أن الخلافات البينية بين أطرافه توشك أن تفجره من الداخل بسبب الاعتماد على قيم عشائرية تعطي التعامل مع المشاكل السياسية حيزا كبيرا من مبادئ تبويس اللحى والدوران خلفها من دون القدرة على حلها، ولو أن هذا السلوك ذهب باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي أو للأردن البلد الأكثر حرصا على سلامة الخليج العربي وتوجهاته السياسية، أو إلى مصر الحليف الأكبر للمملكة من الناحية المعلنة، أو لليمن التعيس الذي استبشر العرب ببدء عاصفة الحزم، لكانت اقتصاديات هذه الأطراف قد اجتازت صعوبات جمة ظلت تعيشها منذ زمن بعيد، ولو أن الأموال التي ستنفق على هذا التوجه الخاطئ مع حكومة العبادي ستتوجه لمصلحة الشعب العراقي واقتصاد البلد، لكان العراقيون قد قابلوا الزيارة بترحاب في هذه النقطة بالذات، ولكن الحيتان الكبرى التي تنتظر أية فرصة للانقضاض على الأموال الممنوحة أو أي قرض يحصل عليه العراق، بحيث يتحول إلى أرصدة شخصية في بنوك أوربا ودبي وكذلك أفخر العقارات التي لم يكن واحد من حكام العراق المتسلطين عليه بتواطؤ أميركي إيراني ليحلم بالعمل كبواب أو سائق سيارة أو خادم تنظيف فيه، وإذا به يتحول إلى فجأة إلى مالك له جرّاء الفساد العام  والسطو على المال العام، فهل كانت موارد العراق قليلة حتى يحصل هذا الاستبشار الذي فاق كل الحدود بأهمية الاستثمارات السعودية في العراق، ثم أين تسربت مئات المليارات من الدولارات التي دخلت إلى خزينة البلد ثم تسللت خلال سنوات حكم اللص الدولي الكبير نوري المالكي باعتراف سنان الشبيبي؟ ولم يفتح حيدر العبادي واحدا من ملفاتها لأنه جزء من منظومة الفساد على المستوى الوطني كله، غير أن المراقبين يتسألون عن صواب هذا التحول وفيما إذا كانت السعودية قد اختارت البديل الأكثر استعدادا لتلبية متطلبات المرحلة، خاصة أن ارتباط عراق الاحتلالين بإيران ليس اختيارا عابرا أملته ظروف سياسية أو أمنية أو اقتصادية، بل ترابط عقائدي موغل في القدم وفي الوقت الراهن يعود إلى مؤتمرات ما تسمى بمعارضة النظام الوطني قبل 2003، والذي وضع خطة طلاق العراق مع عروبته وربطه بالعجلة الإيرانية سياسيا ومذهبيا، ولهذا فإن النوايا الحسنة التي تتعامل بها المملكة العربية السعودية مع الملف العراقي ستنعكس عليها سلبيا على المديين الأوسط والبعيد.

رسائل الغزل العلنية المتبادلة بين الرياض وبغداد أثناء زيارة العبادي للعاصمة السعودية وبعدها، لا يمكن أن توجد حلا لخلاف عقائدي راسخ في ضمير الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد والمرتبطة بحكم مراجع دينيين معظمهم يحمل الجنسية الإيرانية والولاء لدولة الولي الفقيه، واقع الحال هي نوايا متصادمة بين طرفين وأجندتين من المستحيل لهما أن تلتقيا عند أية نقطة على الطريق، وكلا الطرفين يعرف جيدا أن هذه الرسائل تتحدث عن مشاعر زائفة وتقصد استدراج الطرف الآخر سياسيا إلى قناعته المذهبية، إلا أن المملكة العربية السعودية التي كانت قد بدأت في تصريحات نارية أطلقها الأمير محمد بن سلمان بسقف مرتفع من الشعارات المعادية لإيران وعن سياساتها العدوانية التوسعية على حساب الوطن العربي ونواياها لنشر التشيع فيه، عبر أدواتها المحلية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى الحديث عن المذهب الجعفري الاثني عشري وما ينطوي عليه من مخاطر على الأمة العربية وأن بلاده اختارت نهج نقل الحرب إلى الداخل الإيراني نفسه، ولكن لم تكد تمضي وفترة وجيزة إلا وشهدت المنطقة تحولات دراماتيكية لا يمكن لأي من المراقبين إيجاد تفسير منطقي لها خليجيا إلا أن هذه التحولات جاءت  متماهية مع توجهات الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تبناها الرئيس ترمب عمليا بعيدا عن الشعارات والخطابات التي ألقاها في حملته الانتخابية أو بعد توليه الرئاسة، ويذهب بعض المراقبين إلى تفسير اندفاعة الأمير محمد بن سلمان إلى أمرين الأول هو قلة خبرته السياسية وعدم تعاطيه السابق مع دهاليز الساسة الدولية، والثاني هو أن الأمير محمد بن سلمان أنه أندفع مع الشعارات الأولى لترمب ظنا منه أنها حقيقة سيتأكد حضورها على الأرض بما يضمن توجيه ضربة جدية للنفوذ الإيراني في المنطقة.

إن سياسة التمييز الطائفي التي يتعرض لها سنة العراق على أيدي عناصر مليشيا الحشد الشعبي، ما زالت تستصرخ الضمير العربي والإنساني الذي خذلها في ساعة العسرة، وهذا ما أغرى تلك المليشيات وحكومة المنطقة الخضراء في تطوير خططها لتدمير محافظات السنة وممارسة أسوأ أنواع التهجير بهدف تغيير التركيبة السكانية فيها على نحو غير مسبوق، فهل يعد هذا الانفتاح على حكم بهذه المواصفات تأييدا رسميا؟ أم هو محاولة لإقناع بغداد المحتلة بتخفيف النهج العدواني للتحالف الشيعي الحاكم وأدواته الإرهابية؟

إن أدوات إيران الإرهابية مثل حزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية والحوثيين لا تختلف عن إيران في شيء أبدا، فهي تستنسخ أساليب القمع الذي تعيشه إيران منذ وصول إسماعيل الصفوي إلى الحكم عام 1508 وحتى اليوم، فضلا عن عوامل تاريخية للثأر من العراق الذي ألحق بها أكبر هزيمة في حرب الثماني سنوات، ولن يقر قرار لإيران إلا وهي ترى شعاراتها ترتفع في كل مدن العراق بالترغيب أو بالترهيب، وإذا ما تحقق لها شيء من ذلك، فإن الخطوة التالية ستكون الحرمين الشريفين، وهذا ليس تحليلا منسلخا عن الوقائع على الأرض بل هو قناعة ترسخت بعد تصريحات مسؤولين كبار في السلطة الإيرانية وحذت حذوهم أدواتها المحلية في العراق ولبنان واليمن، وأكدت فيها أن نواياهم لن تتوقف حتى ترتفع راية الحسين فوق الكعبة.

ربما يظن زعماء الخليج العربي أن التطمينات الأميركية كافية لردع إيران أو التصدي لها إذا ما تجرأت للعدوان عليهم، مستندين في هذا الاستنتاج الساذج إلى أن أميركا جاءت لاحتلال العراق بكل جيوشها بعد دخوله الكويت أو في غزوه عام 2003.

تلك استراتيجية طواها الزمن، نتيجة ما واجهته جيوشها من خسائر بشرية وبالمعدات أو بما انعكس بصورة مدمرة على الاقتصاد الأميركي لم يتعافى منها حتى الآن، لذلك فإن مواجهة إيران توجب وحتى في أوقات العلاقة الدبلوماسية معها مواصلة الاستعداد لمواجهة خطرها الذي لن تغيره الخطابات الودية أو النوايا الحسنة، وليعلم الجميع أن طريق جهنم معبّد بجماجم ذوي النوايا الحسنة.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,951,630

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"