هل سيتمّ عزل ترمب قريباً؟!‏

صبحي غندور‏

تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتّحدة عن مدى إمكان عزل دونالد ترمب عن منصب الرئاسة قبل نهاية فترة ‏حكمه الدستورية. فالأمر لم يعد يتعلّق في شأنٍ داخلي واحد، أو في كيفية إدارة السياسة الخارجية، بل بجملة من ‏القضايا التي جعلت أحد أعضاء الكونغرس يطلب بحث أهلية ترمب ليكون رئيساً.‏

 

ولعلّ أهمّ الملاحظات على طريقة حكم الرئيس ترمب كانت من السناتور بوب كوركر، الذي هو من الحزب ‏الجمهوري ويرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، حينما أشار لكيفية إدارة ترمب لشؤون مكتبه بأنّها ‏أشبه ب"عرض في تلفزيون الواقع"، وحينما تحدث أيضاً عن المخاوف من حرب عالمية ثالثة نتيجة سوء التقدير ‏لدى ترمب، حيث قال: "إنّه يثير قلقي"، مؤكّداً أنّ تغريدات الرئيس ترمب أدّت أكثر من مرّة إلى تقويض ‏مفاوضات دبلوماسية. وأضاف أنّ عدداً قليلاً من الوزراء المهمّين يحمون الولايات المتحدة من "الفوضى" وأنّهم ‏قادرون على "ردعه (أي ترمب) عندما يتحمّس وتهدئته ومواصلة العمل معه قبل اتّخاذ قرار".‏

كما أنّ ازدراء عدد من قادة الكونغرس الجمهوريين لترمب لم يعد سرّاً، وهم ينتقدونه في المجالس الخاصة ‏ويأسفون لهجومه المتكرّر على بعضهم بحجّة عدم إقرار مشروع إلغاء برنامج الرعاية الصحية الذي أنشأه سلفه ‏باراك أوباما‎.‎‏ وكان رئيس كتلة الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونل قد صرّح بأنه "ليس من هواة تغريدات ‏الرئيس". أمّا السيناتور الجمهوري جون ماكين فقد كرّر انتقادات حادّة للرئيس ترمب في أكثر من مناسبة. وقد ‏كتب السيناتور ماكين أنّ ترمب “غير مطّلع” وقد يكون "متهوّرا في كلامه وسلوكه". ‏

هذا غيضٌ من فيض ممّا يحدث داخل حزب ترمب، فكيف على جانب الحزب الديمقراطي الذي بقي متّحداً ‏ضدّ ترمب ومعظم سياسته الداخلية والخارجية، إضافةً طبعاً لاستمرار التحقيقات القانونية الجارية من قبل وزارة ‏العدل وفي داخل الكونغرس حول علاقة روسيا بالحملة الانتخابية لترمب وتأثيراتها على الناخب الأميركي في ‏العام الماضي. وقد شهدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدداً غير مسبوق من عمليات العزل والاستقالات ‏منذ تولّيه الرئاسة في مطلع العام الجاري، حيث شملت 13 مسؤولاً، بينهم 8 استقالوا و5 جرى إقالتهم من ‏مناصبهم.‏

وقد عرض مالك مجلة «هاسلر» لاري فلينت 10 ملايين دولار، مقابل أي معلومات تقود إلى عزل الرئيس ‏الأميركي دونالد ترمب، في إعلانٍ نشره على صفحة كاملة بصحيفة "واشنطن بوست"‏‎.‎

كما نظّم أكثر من 125 من المتخصّصين في الأمراض العقلية والنفسية مسيرةً في مدينة نيويورك للمطالبة ‏بعزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحجّة أنه "غير مستقرّ نفسياً وعقلياً ويقود البلاد إلى كارثة". ووفقاً لصحيفة ‏‏"نيويورك بوست"، فقد قال المشاركون في المسيرة إنّ ترمب مصابٌ بالنرجسية الخبيثة، وهو مصطلح طبّي يشير ‏إلى أولئك الأشخاص الذي يعانون من اختلال نفسي ومرض داء العظمة ويحملون عداءً شديدًا تجاه المجتمع‎.‎

ربّما سيكون مطلع العام القادم 2018 هو الوقت المناسب لجمع هذه القطع المبعثرة الآن ضدّ ترمب وأسلوب ‏حكمه. فهناك استحقاق الانتخابات النصفية في نوفمبر 2018 والتي يجري فيها انتخاب كل أعضاء مجلس النواب ‏وثلث أعضاء مجلس الشيوخ وعدد من حكّام الولايات الخمسين. فالمخاوف تزداد لدى أعضاء الكونغرس ‏الجمهوريين من التأثيرات السلبية عليهم في الانتخابات القادمة إذا ما استمرّ ترمب في الحكم لمدّةٍ أطول. لذلك ‏هناك إمكانية كبيرة لتوفّر نسبة الثلثين في الكونغرس من أجل عزل ترمب عن منصب الرئاسة الأميركية، هذا إذا ‏لم تؤدِّ التحقيقات القانونية حول حملته الانتخابية إلى فعل ذلك أصلاً وإعفاء الحزب الجمهوري من مسؤولية عزل ‏‏"قائده".‏

لكن الحديث عن معنى انتخاب ترمب لا يجب وقفه. ففوز ترمب بالانتخابات الرئاسية في العام الماضي كان ‏العامل الأساس فيه ليس شخصه، ولا طبعاً مؤهّلاته أو خبراته المعدومة في الحكم والسياسة، بل كان العامل ‏الأساس هو الصراع الدفين الحاصل في المجتمع الأميركي بين المتمسّكين بأميركا الأصولية القديمة، التي قامت ‏على الرجل الأوروبي الأبيض البروتستانتي والعنصري أحياناً، وبين أميركا الحديثة "التقدّمية" التي أصبح أكثر من ‏ثلث عدد سكّانها من المهاجرين من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، والتي فيها التسامح الديني والثقافي والاجتماعي، ‏والتي أنهت العبودية وأقرّت بالمساواة بين الأميركيين بغضّ النظر عن اللون والدين والعرق والجنس، والتي أوصلت ‏باراك حسين أوباما ابن المهاجر المسلم الإفريقي إلى أعلى منصب في الولايات المتحدة. وقد نجحت قوى "أميركا ‏القديمة" في إيصال ترمب إلى "البيت الأبيض" حتّى على حساب مرشّحين آخرين من "الحزب الجمهوري" بسبب ‏قيام حملته الانتخابية على مفاهيم ومعتقدات هذه القوى الأميركية "الرجعية".    ‏

إنّ فوز باراك أوباما في انتخابات العام 2008  لم يكن حتماً ثورةً ولا انقلاباً في المعنى السياسي على ما هو ‏قائم في الولايات المتحدة من مؤسّسات تصنع القرار عموماً، بل يمكن اعتبار أنّه كان بمثابة "حركة تصحيحيّة" من ‏داخل النظام الأميركي نفسه، بعد أن أوصلت إدارة بوش الابن هذا "النظام السياسي الأميركي" إلى منحدرٍ ما كان ‏يجب أن تهوي إليه. فهكذا كان أيضاً تقييم عدّة أسماء بارزة من "الحزب الجمهوري"، واضطرارها آنذاك لتأييد ‏انتخاب أوباما بسبب السياسات المتطرّفة لإدارة بوش.‏

إنّ ظاهرة ترمب في "البيت الأبيض" هي انقلاب مضاد على الانقلاب الذي حدث فعلاً عام 2008 في ‏المفاهيم الاجتماعية والثقافية الأميركية. فقد فشل القس جيسي جاكسون في السابق بالحصول على دعم الحزب ‏الديمقراطي له بالترشّح لانتخابات الرئاسة لأنّه أميركي أسود، رغم موقعه الديني المسيحي وجذور عائلته العميقة في ‏أميركا. أيضاً، فشل المرشّح الديمقراطي للرئاسة عام 1988 مايكل دوكاكس أمام منافسه جورج بوش الأب، بسبب ‏عدم ثقة قطاعٍ كبير من الأميركيين ب"وطنيته" الأميركية لأنّه ابن مهاجر يوناني حديث، وأنّ عائلته لم تتأصّل في ‏التاريخ الأميركي، ولم تنحدر من "الأنجلوسكسون" الأبيض المسيحي البروتستانتي! وكان جون كنيدي أوّل رئيس ‏كاثوليكي للولايات المتحدة الأميركية، ولم يأتِ بعده كاثوليكيٌّ آخر للرئاسة الأميركية.‏

إذن، ما حدث في العام 2008 كان انقلاباً على "مفاهيم وتقاليد أميركية" غير منسجمة أصلاً مع طبيعة ‏الدستور الأميركي، ولم تعد لها قيمة لدى الجيل الأميركي الجديد، في ظلّ مجتمعٍ تتزايد فيه أعداد المهاجرين غير ‏الأوروبيين، والذين سيشكّلون خلال عقودٍ قليلة قادمة غالبية عدد السكان. ‏

لكنّ خلف الوجه الجميل لأميركا الذي ظهر في العام 2008 بانتخاب مرشّح للرئاسة هو ابن مهاجر إفريقي ‏مسلم أسود اللون، ولا ينحدر من سلالة العائلات البيضاء اللون، الأوروبية الأصل، خلف هذا الوجه لأميركا يوجد ‏وجهٌ آخر، بشعٌ جداً، يقوم على العنصرية ضدّ كل المزيج الذي رمز له فوز أوباما. فهكذا هي سمات التيار ‏العنصري الذي ساهم كثيراً في وصول ترمب لمنصب الرئاسة. ‏

ربّما هذه هي المعركة الأخيرة لجماعات "أميركا القديمة"، وهي وإن نجحت في إيصال ترمب للرئاسة، فإنّها ‏لن تستطيع وقف التقدّم الأميركي نحو مستقبلٍ مختلف عن معتقداتها. ولا يصحّ القول طبعاً أن لا فرق بين إدارةٍ ‏أميركية وأخرى، أو بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أو بين شخصين في موقع الرئاسة الأميركية من داخل ‏الحزب نفسه، ألم يختلف ليندون جونسن الديمقراطي عن سلفه الذي اغتيل جون كنيدي؟! وأيضاً الفارق الذي حدث ‏بين سياسات جورج بوش الأب وبوش الابن؟!.. تماماً كما كان خطأً كبيراً أيضاً التوهّم عام 2008 بأنّ إدارة أوباما ‏ستكون حركةً انقلابية على السياسات العامّة الأميركية!.‏

يبدو أنّ دونالد ترمب هو ثمرة عفنة في الحياة السياسية الأميركية وقد حان موعد قطافها!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,317,241

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"