الجلسات العائلية في برامج الحوار السياسي العراقية

هيفاء زنكنة

يلاحظ المتابع لبرامج الحوار السياسي العراقية على الفضائيات، وجود شكل «إعلامي» جديد في تقديم البرامج واختيار المشاركين، بدأ يبرز في العام الماضي، وانتشر بسرعة تسترعي الانتباه. للبرامج الجديدة وصفة، قد تبدو بسيطة، الا انها في الواقع، ذات مضامين تستوجب التدقيق. فالجانب الذي يطغي على الحوار السياسي المتعلق بحدث آني هو دعوة مشاركين ممن لا تغيب عنهم أضواء الاستديوهات من الساسة وأعضاء البرلمان وقادة المليشيات والمسؤولين، المتميزين بـ»الفهلوة»، أي الشطارة، في رمي الكلام الفارغ، بثقة عالية، على مقدم البرنامج أولا ومن ثم على الجمهور. هذه ميزة ضرورية لأن مدة البرنامج لا تقل، غالبا، عن الساعتين، والا كيف يتم حشو الزمن المطلوب؟ كما يتوجب عليهم عدم التذكير بالماضي لاستخلاص الدروس. الماضي خطر يجب تجنبه الا لغرض إطلاق اللعنات على العهد المُباد.

 

من ناحية الشكل: يكون البرنامج بشكل جلسة أصدقاء أو شبه عائلية، يتبادل فيها المشاركون السلام والتحيات و»الله بالخير». ولم لا وهم مشاركون مُزمِنون في ذات البرنامج! تأخر الضيوف مقبول، بل وينهض مقدم البرنامج من كرسيه، أحيانا، إلى جهة معاكسة من الاستديو، للترحيب بضيف متأخر. يقبله ويعاتبه برقة و»ان شاء الله خير». يأتي جواب الضيف ليطمئن مقدم البرنامج والجمهور الذي يتنفس الصعداء. « الحمد لله على السلامة». فوصول الضيف وهو السياسي البارز إلى الاستديو، يعني انه لم يُختطف أو يُقتل مما يعني، بالنسبة إلى الجمهور، عدم نصب نقاط تفتيش إضافية يذوقون خلالها طعم الاهانة. «الحمد لله» اذن. ثم يبدأ مقدم البرنامج بتقديم تلخيص للضيف عما فاته من حوار، كل هذا والضيف المستضاف من بلد آخر، الجالس مثل صنم أمام عدسة الكاميرا، مركزا النظر عليها، في غرفة تشبه الصندوق، ينتظر بصبر، لا مثيل له، دوره في الكلام، وهو يعلم ان الأولوية دائما للمجتمعين في الاستديو. في لحظة سهو ينسى ان عدسة الكاميرا تترصده، بغدر، فيشاهده الجمهور وهو يحك صلعته ضجرا أو هو على وشك استخدام اصبعه لينظف انفه. لحظة السهو الإنساني هذه تُقربه من الجمهور الذي كان على وشك تغيير القناة مقررا البقاء، أملا في حركة تلقائية أخرى تُبعد عنه كابوس الثرثرة المتبادل بين المشاركين ومقدم البرنامج، على الرغم من ان مقدم البرنامج، والحق يقال، يبذل جهده ليقدم للجمهور، صورة مقبولة للنظر، بدءا من استخدام نصف علبة من مثبت الشعر إلى توزيع اللحية المشذبة على مساحة الوجه بمقاييس تُبعد عنه شبهة الانتماء إلى هذه الطائفة او تلك، في حقبة غزت فيها اللحية وجوه الرجال، ولكل لحية شكل يحدد الانتماء الديني والمذهبي.

يأخذنا الشكل الجديد إلى ما هو أساسي في البرامج السياسية وكيفية اختيار المساهمين وكفاءة الإعلامي ـ مقدم البرنامج. ومدى الاستفادة من دورات تدريب الصحافيين.

هناك العديد من الدراسات حول تدريب الصحافيين العراقيين على العمل في المجال الإعلامي. جرت التدريبات في ورشات عمل نظمتها مؤسسات إعلامية غربية في المرحلة التي سبقت غزو العراق عام 2003 مباشرة واستمرت، بكثافة بدأت تقل تدريجيا، في السنوات التالية. كان للمنظمات الأميركية مساهمتها في الدعم المادي والتدريب حسب خطابها المعلن في إيصال رسالة «النجاح الديمقراطي» إلى كافة الدول العربية فضلا عن الجمهور العراقي. اثبتت سنوات الاحتلال الأميركي المباشر وغير المباشر، وتدخل القوى الإقليمية المتبدي ببروز قنوات فضائية ومحلية ذات سياسات، تُعنى بمصالح الدول والأحزاب والميليشيات، الداعمة للقنوات، إلى غياب جوهر الإعلام الحر أي الموضوعية والحيادية واستقلالية الرأي والعمل على إيصال الحقيقة إلى الجمهور. وإذا كان الجمهور متعطشا في أعوام الاحتلال الأولى لمتابعة الاخبار، تلفزيونيا خاصة، فانه، بمرور الوقت، لم يعد يكترث بما يقدم له لفرط الاستخدام الدعائي، والطائفي التحريضي، ونشر الأكاذيب المفضوحة حين باتت قنوات البث على مدى 24 ساعة، بدرجات متفاوتة، مجالس عزاء مكررة لموت الحقيقة.

اختار معدو برامج الحوار السياسي الشكل « الشعبوي» الجديد الا انهم أبقوا، جميعا بلا استثناء، على خميرة الساسة والمسؤولين « الفهلويين» بالإضافة إلى قادة وناطقي الحشد الشعبي، الذين تمكنوا من تدجين حتى أكثر القنوات نفورا من مواقفهم الطائفية في التعامل مع المواطنين. في هذه البرامج، يتلاشى الخط الفاصل بين السياسي، على علاته، وعضو/ قائد الميليشيا الذي يواصل ارتكاب الجرائم الموثقة ويتفاخر، إعلاميا، بارتكاب المزيد. هكذا تساهم أجهزة الإعلام بشرعنة ممارساته خارج القانون، عبر استضافته ومنحه مساحة إعلامية واسعة تحوله من مجرم، يتباهى بجرائمه (مما ينفي عنه توصيف البريء حتى تثبت ادانته)، إلى رمز قيادي بطولي.

ما هي غاية القنوات المعدة لبرامج تستضيف هذا النوع من المشاركين؟ تختلف الغاية حسب جهة ومصدر التمويل وكمية الإعلانات التي تحصل عليها، ولا أعني بالإعلانات التجارية فحسب بل الرسمية والحزبية المدفوعة. اثبت العديد من التقارير الراصدة لهذه المعطيات، ان عمل معظم القنوات يفتقر إلى الموضوعية، والحياد، والمصداقية بالإضافة إلى ضعف الحرفية المهنية. ويطغى على برامج الحوار التأجيج العاطفي، والتحريض الطائفي، وردود الأفعال الآنية، مما يجعل المشاهد محصورا في حيز معلوماتي مغلق يعاد فيه تدوير الكلام وفق مصطلحات سياسية، منتقاة كسلعة صالحة للاستهلاك السريع. تبدو هذه المفردات، المكررة، من قبل جميع المنخرطين بالعملية السياسية كأنها قد تم حفظها من كتيب تم توزيعه عليهم من مؤسسة أو ورشة تدريب للساسة حول كيفية الكذب على الناس من خلال أجهزة الإعلام. كلهم يتحدثون عن احترام القانون، العمل وفق الدستور، التصويت في البرلمان، قرار القائد العام للقوات المسلحة، أهمية الحوار، استقلال القرار العراقي، الوطنية، الموقف ضد الطائفية والعرقية. قد يختلف ترتيب هذه المفردات من متحدث إلى آخر، الا انها مضمون الرطانة الخطابية التي تقدمها كل برامج الحوار السياسي «الجديدة»، التي يعلم مُعدوها، جيدا، زيفها وبعدها كل البعد عن حقيقة ما يجري في بلد حكومته فاشلة، وأعضاء برلمانه لا يمثلون الشعب، وحياة الناس تتحكم بها ميليشيات معروفة بولائها لغير العراق، وعموم ساسته يتمسحون بقوتي الاحتلال الأميركية والإيرانية اللتين حولتا العراق إلى ساحة حرب، حماية لأمنهما وشعبيهما. تغييب هذه الحقائق، في جلسات تلفزيونية، يُظهر فيها الساسة تحسن أدائهم، وسط أجواء يسودها الضحك وتبادل الطرف، خطير لأنه يساهم في تهيئة الأذهان، تدريجيا، لقبول الأكاذيب والافعال الاجرامية، المستهينة بمآسي الناس، باعتبارها أفعالا عادية، مألوفة، لا تستوجب المساءلة والادانة، مهما كانت نية القنوات الفضائية والنزوع نحو تقديم «الجديد» قويا.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,320,404

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"