ترمب يقول ما يعجز عن فعله

صبحي غندور‏

أكثر من 9 أشهر مضت حتّى الآن على وجود دونالد ترمب في البيت الأبيض، لم يستطع ‏خلالها تنفيذ العديد من وعوده وتعهّداته الانتخابية. وربّما هو ذلك أيضاً حال من سبقه في موقع الرئاسة ‏الأميركية، حيث الفارق كبير بين قيادة الحملة الانتخابية وبين الرئاسة والحكم. لكن ترمب وعد مؤيديه في ‏العام الماضي بما هو أعجز عن تحقيقه، وبما يُعتبر خروجاً عن المصالح العليا للدولة الأميركية، هذه ‏المصالح التي تحدّدها مؤسّسات وقوى فاعلة في الولايات المتحدة، والتي لا ترتبط بأشخاص يتغيّرون في ‏إدارة السلطة التنفيذية.‏

 

الملفت للانتباه أنّ من سبق ترمب من الرؤوساء الأميركيين كانوا يتكيّفون مع موقعهم الرئاسي ‏ومقتضياته، بينما نجد ترمب يخالف الكثير من التقاليد في حكم البيت الأبيض، ويجاهر علناً بخلافه ‏حتّى مع من هم في إدارته، كما حدث مع وزير الخارجية ريكس تيلرسون بشأن السياسة الأميركية تجاه ‏كوريا الشمالية. أيضاً، يتحدّث ترمب علناً ضدّ أعضاء في حزبه الجمهوري، وضدّ قضاة وضدّ مؤسسات ‏إعلامية لمجرّد اختلافهم معه، وهو بذلك يسيء لحزبه الذي ترّشح باسمه، وللفصل القائم بين السلطات، ‏ولحرية الإعلام، وللبند الأول في التعديل الدستوري الأميركي الذي يصون حرّية التفكير والتعبير والانتقاد.‏ 

ولعلّ ما تعيشه الولايات المتّحدة الآن من تناقضات سياسية لا ينفصل عمّا هو عليه ترمب ‏شخصياً من أسلوبٍ في الحكم، ومن تورّطٍ قد حصل بين حملته الانتخابية وبين جهاتٍ روسية دعمت ‏ترشيحه، إضافةً إلى أجندة داخلية وخارجية يصرّ ترمب على تنفيذها، وهي بمعظمها تتّصل بوعودٍ أطلقها ‏خلال الحملات الانتخابية، ولاقت تأييداً من جماعاتٍ محافظة وعنصرية داخل المجتمع الأميركي. وهذه ‏الجماعات تُشكّل القاعدة الشعبية له، والتي يريد الحفاظ عليها كأداة ضغطٍ على من يختلفون معه داخل ‏حزبه وخارجه.‏ 

لكن، ولأسبابٍ عديدة، فإنّ ترمب لن ينجح في تحقيق برنامجه، وستزداد القوى المعارضة لهذا ‏البرنامج حتّى في وسط أعضاء الحزب الجمهوري، كما حدث مع مشروع إلغاء قانون الرعاية الصحية ‏المعروف باسم أوباما كير، وكما جرى أيضاً مع مراسيم حظر السفر من بعض الدول الإسلامية، وما ‏يحصل الآن بشأن قانونٍ جديدٍ للضرائب. أمّا في قضايا متّصلة بالسياسة الخارجية، فنجد أيضاً عجز ‏ترمب عن تنفيذ تعهّده بإلغاء الاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، وكذلك ما طالب به خلال حملاته ‏الانتخابية من إجبار المكسيك على دفع تكاليف بناء جدارٍ على الحدود معها، وحتّى تعهّده بنقل السفارة ‏الأميركية إلى القدس لم يُقدِم عليه بعد بسبب اعتراض المؤسّسات الأميركية الأمنية والسياسية على مثل ‏هذه الخطوة حاليّاً.‏ 

ومن الأقوال الترمبية الانتخابية، التي لم تتحوّل إلى أفعال، التهديدات بإنهاء حلف الناتو وكذلك ‏المواقف المتشدّدة تجاه الصين، خاصّةً في الجانب الاقتصادي والمالي، حيث نرى ترمب مؤخّراً يشيد ‏بالصين وبدورها في معالجة الأزمة مع كوريا الشمالية، هذ الأزمة التي أظهرت أيضاً عمق الهوّة بين أقوال ‏ترمب وبين ما تقوم به إدارته من أفعال مخالفة لأقواله. فالرئيس الأميركي هدّد وتوعّد زعيم كوريا الشمالية، ‏بينما أكّد وزيرا الخارجية والدفاع على أهمّية استمرار العمل الدبلوماسي، وتجنّب التصعيد العسكري في شبه ‏الجزيرة الكورية.‏ 

إنّ فترة الأشهر القليلة التي قضاها دونالد ترمب حتّى الآن في البيت الأبيض كانت كافية لكي ‏يُدرك معظم من راهنوا عليه بخطأ مراهنتهم، فلا هو يتمتّع بالمؤهّلات الشخصية لموقع الرئاسة الأميركية، ‏ولا هو بقادر على مواجهة ما يحيط به حاليّاً من تحقيقاتٍ قانونية تطال أركان بارزين في حملته الانتخابية، ‏وربما ستطيح أيضاً بترمب نفسه، رغم حجم التأييد الذي لاقاه من قواعد شعبية للحزب الجمهوري في عدّة ‏ولايات، ومن بعض الأميركيين غير المنتمين لأي حزب. 

لقد اشترك الحزبان الجمهوري والديمقراطي في خروج القاعدة الشعبية لدى كلٍّ منهما عن رغبات ‏القيادات التقليدية، حيث ظهر دونالد ترمب في الحزب الجمهوري، وبيرني ساندرز في الحزب الديمقراطي، ‏وكان الأوّل تعبيراً عن هيمنة تيّار يميني متهوّر عند الجمهوريين، والثاني، أي ساندرز، كان تأكيداً لقوة ‏تيّار يساري متنوّر ظهر عند الديمقراطيين منذ المؤتمر الحزبي في العام 2004، وتكرّس بفوز أوباما في ‏العام 2008.‏ 

ومن المهمّ أن يُدرك العرب عموماً أنّ هناك متغيّراتٍ جارية في الحياة السياسية الأميركية، وهي ‏ليست وليدة المعارك الانتخابية الأخيرة، بل تعود إلى مطلع هذا القرن الجديد، وإلى تداعيات 11 سبتمبر ‏‏2001، حينما ارتبط موضوع الأمن الأميركي بحروب كبيرة في العراق وأفغانستان، وبمسائل لها علاقة ‏بالعرب وبالمسلمين وبالأقلّيات الدينية والعرقية في أميركا، إضافةً طبعاً للدور الخطير الذي قام به من ‏عُرِفوا باسم المحافظين الجدد في صنع القرار الأميركي، وفي تغذية مشاعر الخوف لدى عموم ‏الأميركيين، ممّا دعم أيضاً الاتّجاه الديني المحافظ في عدّة ولاياتٍ أميركية، ثمّ ظهور حزب الشاي كحالة ‏تمرّد سياسي وشعبي وسط الحزب الجمهوري ومؤيّديه، والتي استطاعت التأثير الكبير على الجمهوريين ‏في الكونغرس الأميركي.‏ 

هكذا هي الآن أميركا، وهكذا ستكون معاركها الانتخابية القادمة، إذ لن تكون فقط حول الأمور ‏الاقتصادية والاجتماعية التي تطغى أحياناً على سطح الإعلام، بل حول المسائل المرتبطة بالدين والعرق ‏والثقافات. إنّها معارك سياسية حول كيفيّة رؤية أميركا للمستقبل وللاتّجاه الذي سيسير نحوه المجتمع ‏الأميركي.‏ 

لقد كان من الصعب في القرن الماضي التمييز بعمق بين برنامجيْ الحزبين الديمقراطي ‏والجمهوري، لكن حتماً في محصّلة السنوات الأخيرة، أصبحت الخلافات تتّسع بين رؤى الديمقراطيين ‏والجمهوريين لأنفسهم ولمستقبل أميركا ولعلاقاتها الدولية. ووجدنا هذه الفوارق واضحة في نهاية المؤتمرات ‏الحزبية التي حصلت في العام الماضي قبل الانتخابات الرئاسية. وربّما هو الوقت المناسب الآن لكي ‏يُراجع قادة الحزبين، والشعب الأميركي بشكل عام، ما حصل في أميركا من ظاهرة ترمب وانعكاساتها ‏الخطيرة داخل الولايات المتّحدة وخارجها.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :101,577,338

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"