ضحايا تشابه الأسماء في العراق: أزمات نفسية وفقدان أعضاء

مشرق ريسان

في غرفته الشخصية يمضي محمد (20 عاماً) جُل وقته متوارياً عن الأنظار، في ‏عزلة تامة وكآبة شديدة، منذ نحو عامين مضتا.‏

 

محمدٌ، أحد ضحايا «تشابه الأسماء»، وعلى الرغم من أن قصته تشبه، إلى حد ما، مئات القصص ‏المثيلة، غير أنها تختلف في التفاصيل.‏

بدأت قصة هذا الشاب، مطلع عام 2015، حين ألقي القبض عليه عند حاجز للقوات المشتركة في منطقة ‏السعدون، وسط العاصمة بغداد.‏

سارع محمد بالاتصال بوالدته، وإخبارها بالأمر، فبادرت هي بالاتصال بشقيقها (ضابط برتبة نقيب في ‏الاستخبارات)، عله يساعدها في معرفة سبب القبض على ابنها.‏

كما أجرى خال الشاب اتصالاته، فوراً، بزملاء له يعملون في استخبارات منطقة الكرادة وسط العاصمة ‏بغداد، وأوصلوه إلى ضابط استخبارات منطقة السعدون.‏

علم خال محمد إن ابن شقيقته تم إيداعه بمركز شرطة المنطقة، وحوّل بعد ذلك إلى جهة الطلب (الجهة ‏المبلغة بإلقاء القبض)، وهي مكتب استخبارات شرق القناة.‏

هناك، أمضى محمد بضع ساعات فقط، قبل أن يتم تسفيره إلى مطار بغداد الدولي (المقر العام لمديرية ‏الاستخبارات).‏

لعبت الصدفة دورها، في إرسال الشاب إلى المكان الذي يعمل فيه خاله، خصوصاً إن التسفير يستغرق ‏نحو خمسة أيام، لكن في حادثة محمد لم يستغرق الأمر سوى بضع ساعات.‏

في مقر مديرية الاستخبارات، اتضح بأن هناك أمر قبضٍ بحق الفتى محمد، وليس مجرد «تشابه أسماء».‏

تحرك الضابط نحو زملائه المعنيين بقضية ابن شقيقته محمد، أخبروه «الأمر بسيط وواضح. مجرد تشابه ‏أسماء وسيتم رفع أوراقه إلى القاضي المختص، وسيطلق سراحه فوراً».‏

فور وصول أوراقه إلى القاضي، طلب الأخير «الاستعلام» من المشتكين بالحق الشخصي، الذين تقدموا ‏بشكوى ضد محمد، الذي اتهم ـ وفقاً لأوراق القضية- بزرع وتفجير عبوة ناسفة في ناحية اليوسفية (13 كم ‏جنوب العاصمة بغداد)، في عام 2007، أودت بحياة أربعة أشخاص، من بينهم أحد أشقاء المشتكي.‏

آنذاك كان الشاب، يسكن منطقة البلديات في العاصمة بغداد، ويبلغ من العمر (10 سنوات) فقط، لكن ‏اسمه الثلاثي، يتطابق مع منفذ الجريمة.‏

ذهبت عائلة محمد إلى منطقة اليوسفية، وتحدثوا مع عائلة المشتكي، طلبوا منهم التنازل عن القضية، ‏لكنهم رفضوا. انتهى الأمر باللجوء إلى فضّ الأمر «عشائرياً»، ودفع عائلة محمد مبلغ يقدر بنحو 8 ‏آلاف دولار، مقابل تنازل المدعين بالحق الشخصي عن القضية، وإطلاق سراح ابنها.‏

استغرقت هذه الأحداث نحو ثلاثة أشهر، والشاب لا يزال ينتظر في زنزانته. اكتملت أوراق القضية، وقرر ‏القاضي الإفراج عن محمد، «إذا لم يكن مطلوباً لجهات أخرى»، كإجراء روتيني.‏

هنا بدأت قصة جديدة، فقد ذهب الملف إلى «الحاسبة الجنائية»، للتأكد بأنه غير مطلوب بقضية أخرى. ‏لكن الحظ لم يكن حليفه، إذ أظهرت الحاسبة إن محمد مطلوب لجهة أمنية في محافظة البصرة.‏

ذهبت العائلة إلى البصرة، والتقت بـ«المدعين بالحق الشخصي»، وأبلغوهم بأنهم قدموا شكوى على (محمد) ‏الذي أقدم على قتل ابنهم.‏

أخبرهم خال محمد «إذا رأيتم صورة القاتل هل تتعرفون عليه؟». أجابوه «هو من منطقتنا (البصرة)، وقتل ‏ابننا. كيف لنا أن لا نعرفه؟!.. بالتأكيد سنتعرف عليه». أخرج صورة ابن شقيقته قائلاً «هل هذا هو ‏القاتل؟». أجابوه بسخط «هل جئتم من بغداد إلى البصرة للسخرية منا؟.. هذا طفل!. من قتل ولدنا ‏يتجاوز عمره الـ30 عاماً».‏

سردت العائلة قصة ولدهم لعائلة المجني عليه، وقضية «تشابه الأسماء» التي أدت إلى إيداعه السجن ‏حالياً، وطلبوا منهم التنازل عن القضية، بعد التأكد من أن محمد ليس الجاني، لكنهم رفضوا.‏

على إثر ذلك، تم تسفير الشاب إلى البصرة، في معاملة روتينية قاتلة استغرقت نحو شهرين.‏

هناك، تمت التسوية مع عائلة المجني عليه مقابل دفع عائلة محمد (فصل عشائري) بمبلغ يقدر بنحو (5 ‏آلاف دولار) مقابل التنازل عن القضية.‏

بعد استكمال أوراق القضية، تحتَّم على محمد العودة إلى بغداد، بكون أن إطلاق سراحه يتم من هناك. ‏وبالفعل جرى ذلك، بعد أن قضّى نحو 8 أشهر بين القضبان والتسفير.‏

انتهى الحال بضحية «تشابه الأسماء» مقيماً بغرفته على مدار اليوم، منذ ذلك التاريخ وحتى وقت ‏إعداد التقرير. يعاني من الكآبة وأزمة نفسية حادة.‏

قصة محمد ليست الأولى، وربما ليست الأخيرة، ففي أواخر 2016، اعتقل عدي (23 عاماً) حينها، في ‏ناحية عامرية الفلوجة في محافظة الأنبار، نتيجة «تشابه الأسماء».‏

تعرض لتعذيب جسدي، في أثناء الفترة 10 أيام التي قضّاها في مقر الاستخبارات التابع لإحدى الفرق ‏العسكرية في الأنبار.‏

أجبره أحد الضباط على حمل «حصى ساخن»، لساعات طويلة، وهو مقيّد اليدين، مما أدى إلى إصابته ‏بمرض «الغرغرينا».‏

خرج عدي أخيراً، بعد التأكد من إنه ليس الشخص المطلوب.‏

ولجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي لعرض حالته، وكشف ما جرى له من تعذيب جسدي جراء «تشابه ‏الأسماء»، قبل أن ينتهي به الأمر إلى «بتر» كفيه للحد من انتشار المرض.‏

ارتفاع عدد حالات اعتقال الأبرياء، نتيجة «تشابه الأسماء»، وتحديداً بعد أنباء عن حادثة اعتقال «الأمن ‏السياحي» عريساً، في ليلة زفافه، من فندق المنصور المطل على نهر دجلة في جانب الكرخ، مؤخراً، دفع ‏رئيس وزراء النظام حيدر العبادي إلى الموافقة على مقترحات وزارة الداخلية المتعلقة بمعالجة مشكلة ‏تشابه الأسماء.‏

وقال وزير داخلية النظام، قاسم الأعرجي، في بيان في 6 آب/ أغسطس الجاري، أن العبادي وافق على ‏‏«الإعمام الذي أصدره مجلس القضاء الأعلى، ويُلزم فيه توابع وزارة الداخلية بعدم إعمام مذكرات القبض إلا ‏إذا كانت مشتملة على الاسم الرباعي وأسم الأم واللقب، وأن لا يتم الإعمام على السيطرات إلا بكتاب ‏صادر من محكمة الموضوع المختصة».‏

وتضمنت مقترحات الوزارة أيضاً الإيعاز إلى كافة الجهات التي تمتلك قواعد بيانات للمطلوبين بأوامر ‏القبض الغيابية، بتزويد مديرية تحقيق الأدلة الجنائية بالبيانات المتوفرة لديهم والمحملة على قواعد بياناتهم ‏لغرض توحيدها بشكل مركزي، حسب البيان.‏

 

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,556,311

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"