الرقصة الأخيرة لعلي عبدالله صالح

سهيل سامي نادر

كان الرئيس علي عبدالله صالح يصف نفسه أكثر مما يصف الوضع اليمني عندما قال إن حكم اليمن يشبه الرقص بين الثعابين، تأكيدا على أنه يقود مجتمع معقد صعب القياد. والحال أن إدارة سياسية لمجتمع من "الثعابين" تحتاج الى ثعلب راقص. وهذا هو بالتمام الطريقة التي حكم بها صالح اليمن طيلة 34 عاما لتنتهي حياته، وكذلك  الحفل الراقص ، ببضع رشقات رصاص، وصيحات "الله أكبر".

 

جاء الى السلطة في لحظة فارغة: فبعد 16 عاما من حروب عشائرية طاحنة ، وانقلابات عسكرية ، وتدخل قوات مصرية، واغتيال رئيسين ، وتحولات قلبت موازين القوى وأنهكت البلاد، تغطَّت اليمن كلها بخيمته، فراح من أجل البقاء في السلطة يناور بين دول الخليج والسعودية واميركا وعصابات القاعدة ، أما في الداخل فكان هو الثعلب الراقص.

عسكري نافس عسكريين ، ومباشرة بعد صعوده الى منصب رئيس الجمهورية قام في عام 1978 بإعدام 30 شخصا بتهمة التآمر على قيادته ، ثم حوّل نفسه بالتقادم ، بالحيلة ، بالخطب السياسية ، الى بطريارك من نوع جديد ، فراح يقلم أظافر التحالفات القبلية التقليدية ، بالإفساد ، والاغتيال ، وبالصراخ الوطني الدولتي ، واضعا حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم الذي شكله في جيبه ، ومراكز الدولة في الجيب الآخر ، والعشائر في جيب ثالث . إنه بطريارك على الطريقة المشرقية ، قائد يجمع المجد من أطرافه ، رئاسة الحزب ورئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وتحالفات قبلية من زعماء جرى إفسادهم ، وتسليم المواقع الحساسة في الدولة بيد عائلته . حسب التقارير الدولية كان اليمن في عهده أفسد الأنظمة ، قبل أن يحصل النظام السياسي العراقي الحالي على هذا اللقب بامتياز.  

حاز على لقب بطل الوحدة اليمنية ، بعد أن قام بتسويف مطالب اليمنيين الجنوبيين ، وتآمر على الحزب الاشتراكي اليمني ، ثم خاض حربا دموية ضد جمهوريتهم ونزعتهم الاستقلالية بالتعاون مع السعودية والخائن القديم عبد ربة منصور هادي.  

بعد عام من ثورة 11 فبراير 2011 الشعبية غادر صالح السلطة بموجب "المبادرة الخليجية" الموقعة بين حزب المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك التي أقرت إجراء انتخابات نيابية ، وإعفاء صالح  من الملاحقة القانونية ، وتولي نائبه عبد ربه منصور هادي رئاسة المرحلة الانتقالية.

والحال أن هذا الحل عكس مخاوف دول الخليج ولاسيما السعودية من تحقق شعارات الثورة الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي ومحاسبة الفاسدين وإقامة نظام عادل محكوم بالقانون والدستور . هذا الخوف من الديمقراطية ومن الإصلاح دفع رجلا ضعيف الشخصية ذي نزعة إدارية كهادي الى الواجهة ، وجعل من علي عبدالله صالح يتغوَّل وينقلب على الاتفاق ويسيطر على السلطة بالتعاون مع أعدائه الحوثيين .

عند هذا المفصل اجترح مكر التاريخ حكاية تتصف بالخبث ، فدول الخليج والسعوديين الذين تطيروا من الثورة الشعبية وشعاراتها الديمقراطية والاصلاحية ، وجدوا أن صالح الذين أنقذوه مرتين ، مرة بالتداوي من الحروق في مستشفى سعودي ، ومرة حافظوا على حياته وموقعه السياسي ، خان الاتفاق ووضعهم وجها لوجه أمام عدو صريح مسلح أعاد تشكيل ايديولوجيته المعادية للنظام الجمهوري بنظرية الولي الفقيه الإيرانية.

إزاء ذاك جرب صالح أكثر الرقصات الخطرة في حياته ، إذ جلب أعدائه القدامى من الحوثيين الحاقدين الى العاصمة صنعاء ، وسلمهم قيادات عسكرية ووزارات ومواقع ادارية ولوجستية. كان هذا الخطأ يبدو غير مفهوم نظرا لتاريخ علاقته بالحوثيين التي اتصفت بالعداء والحرب المكشوفة ، وهو من قتل مؤسسهم حسين بدر الدين الحوثي ، فإذا به يتعاون مع شقيقه عبدالملك .   

الواقع أن تعاون الحوثيين مع صالح أملته تطلعاتهم الى الإمساك بالسلطة عن طريق الاحتماء بحلف قوي يخفي حجمهم العددي والسياسي . أما صالح المعتاد على الألعاب فقد احتاج الى جماعة شرسة من المقاتلين الأشداء الذي خبر قتالهم ، يستطيع أن يخيف بهم السعوديين ويفاوضهم على الاعتراف به وعدم المساس بسلطانه .

كانت تلك مغامرة غير محسوبة اندفع اليها صالح بسبب موقف السعودية التي بدلا من أن تقيّم الوضع بحكمة شنت حربا جوية مدمرة أساءت اليها أكثر مما حققت نتائج سريعة ، بل إن حملتها قوّت موقع الحوثيين العسكري والسياسي داخل العاصمة صنعاء والجيش ، ولاسيما أن عبد ربه منصور الذي قاد الفترة الانتقالية أجرى تغييرات كبيرة على الجيش ، إذ حلَّ الحرس الجمهوري ، وأحال قادة امتلكوا الخبرة على التقاعد او عينهم سفراء ، وأجرى تغييرات عديدة أضعفت القوات المسلحة وبددت قدراتها الاستخبارية. 

في وضع شائك ، في لحظة من لحظات العداء الشرس بين السعودية وايران، وبينما كانت الاولى تواصل حربها مستخدمة هادي المستعد لبيع نفسه، وبعد أن بات الحوثيون الأكثر تنظيما وجهادية من تنظيم المؤتمر الشعبي الفاسد يسيطرون على اسلحة الجيش الوطني، وأموال الدولة، كما حصلوا على مساعدات ايرانية شملت الاسلحة بما فيها الصواريخ بعيدة المدى والمدربين العسكريين، قام صالح بانقلاب جديد، متهما الحوثيين بالطائفية والرجعية واللصوصية، مطالبا شعبه الالتفاف حوله، ومبديا الاستعداد للتفاوض مع التكتل العربي بقيادة السعودية!

هل كان يأمل أن تقوم السعودية بمساعدته على نحو عاجل ويبدأ معها رقصة جديدة؟ لكنه بدأ انقلابه من لحظة ضيق ، ولم يمتلك الوقت الكافي للتخطيط والاتصال.

فات الأوان على الرقص، وعلى العاب السياسة التي تحتاج الى زمن . لا زمن إضافي . لا زمن مستقطع . انتهت اللعبة . انصرفت عنه قوى كبيرة ، أما الأفاعي التي كان يرقص فوق رؤوسها فتحوَّلت الى عرابيد.

لقد حكم طويلا ، وأسقط اليمن بنفسه داخل الفوضى والحرب الاهلية وحرب التحالف العربي ، وسلم للحوثيين مفاتيح مدن مهمة بما فيها العاصمة. كان يعرف أن الحوثيين الذين حاربهم طويلا ما زالوا يحتفظون بتذكارات نظام الإمام بدر الرجعي وثاراته، وأكثر من هذا أعادوا صياغة الزيدية وفق أهداف الولي الفقيه الإيرانية، ولاسيما جماعة "أنصار الله" من الحوثيين. الا أنه واصل اللعب غير مكترث للتطورات الجديدة ، شاعرا أن لا شيء تغير في اليمن منذ أن باتت في قبضة يده ، وأنه هو الزيدي ، سيعرف كيف يتبارى مع أقلية زيدية ذات أهداف غريبة عن تقاليد اليمن !    

يخبرنا التاريخ اليمني بمكر أقدم من مكر علي عبدالله صالح والحوثيين والمواقف العربية ، حين وقفت السعودية عسكريا مع الإمام البدر الذي ينتمي الى الطائفة الزيدية بعد انقلاب عبدالله السلال (1962) المؤيد من قبل جمال عبدالناصر والجيش المصري . كانت المصطلحات السياسة آنذاك تتحدث عن نظام  الامام بوصفه نظاما رجعيا ، وجد في النظام الديني السعودي، والانكليز، سندا . آنذاك كان القاموس السياسي والفكري يعمل بقوة مقروءا من قبل قوى التغيير بمواجهة الرجعية، ولم يكن نظام ولاية الفقيه موجودا. الآن يشعر السعوديين بالخطر من زيدية حوثية مارست دورا سياسيا مستقلا، والجزء العقائدي منها ، وربما قيادتها بأكملها وجدت لها نسبا في ولاية الفقيه. 

بعد كل هذا الزمن باتت الزيدية كأنها بلا تاريخ غير تاريخ ظهور الحوثيين، وحزب "أنصار الله". كأن الزيدية اكتشاف خارج الملابسات السوسيولوجية اليمنية ، خارج الرثاثة التي ما انفكت تنتج متآمرين ولصوص مناصب وصراعات عشائر وعوائل المحميين بالقتلة . إن الحوثيين الذين امتلكوا مطالب عادلة، وكانوا جزءا فاعلا من لجنة الحوار الوطني قبل أن يصطفوا مع المخلوع صالح، وحصلوا على مكاسب كبيرة بطريقة سلمية ، كما حصلوا على مساعدة اميركية في الحرب ضد القاعدة ، تحولوا فجأة الى كماشة نار، وتقاسموا المغانم مع قاتل ، وباتوا مثل جميع انتهازيي العربان ، يورطون الآخرين في أخطائهم وتحالفاتهم ، ولا سيما بعد أن وجدوا في ايران حليفا عقائديا.

إزاء ذلك فإن إيران المذهبية، المدفوعة بالمشابهة الطائفية والأحلام الامبراطورية الخرقاء، واهمة إذا اعتقدت أن الفرع الزيدي عاد الى الأصل الشيعي المتمثل سياسيا بولاية الفقيه.

ثمة انقسام سياسي وفقهي ديني وايديولوجي يقاد من قبل السعودية وايران راح يتدخل في الخيارات السياسية للمنطقة. هذا الانقسام هو في الحقيقة استمرار لشرخ قديم في أمة كسولة لم تجدد دينها ولا أخلاقها، وما زالت تعبد الأموات.

فيما يخص اليمن لا يبالي الطرفان بمصالح اليمنيين في الواقع ، لكنهما يتحركان وفق غرائز مظلمة . كلاهما يلغى الزمن السياسي الحقيقي للأحياء لمصلحة أفكار طائفية خرقاء . كانت هناك فرص حقيقية لولادة يمن جديد يسود فيه القانون فوق قوانين العشائر والطوائف جرى تبديدها بتدخلات ذات اهداف عقائدية .

الآن تُعاد لليمن سمعته كبلد عاصٍ لا تُربح فيه حرب ولا تدوم فيه اتفاقات سلام.. بلد ثعابين وراقصين.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,076,030

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"