الآثار القانونية لاعتراف أميركا بالقدس عاصمة ل(اسرائيل)

محمد الشلالدة

إن ما يجري الآن في مدينة القدس -من انتهاكات جسيمة ترتكبها قوات الاحتلال (الاسرائيلي)- يُعتبر خرقا فاحشا لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وذلك نظرا لمحاولات (اسرائيل) فرض سياستها المخالفة للقانون الدولي.

 

وهو ما يتطلب موقفا وآليات قانونية فلسطينية وعربية ودولية، عبر التأكيد على القيمة القانونية لقرارات الأمم المتحدة بكافة أجهزتها الرئيسية والفرعية، والتي لا تعترف بالسيادة (الاسرائيلية) على مدينة القدس، ولا بالإجراءات (الاسرائيلية) التي تهدف إلى تغيير الوضع القائم من خلال ضم مدينة القدس بقرار من الكنيست.
وكل هذه الإجراءات في مدينة القدس -المتخذة من قبل (اسرائيل) كدولة محتلة- تعتبر باطلة، ولا تترتب عليها أية آثار قانونية وفقا لاتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
إن الاحتلال (الاسرائيلي) لا يمكن أن يرتب لسلطاته أية حقوق أو آثار على حق السيادة الأصلي للشعب الفلسطيني، لأن الاحتلال لا يخوِّل بنقل السيادة على القدس إلى الدولة المحتلة، لأنه مؤقت ومحدود الأجل وفقا لقرارات الأمم المتحدة.
واستنادا إلى الإجراءات (الاسرائيلية) الباطلة في مدينة القدس، وقرار سلطات الاحتلال بضم المدينة، وبسبب تأثير الحركة الصهيونية العالمية؛ فقد أصدر مجلس الشيوخ الأميركي (بتاريخ 23 أكتوبر/تشرين الأول 1995) قراراً بنقل السفارة الأميركية إلى القدس.
ويُعتبر هذا القرار اعترافا من الولايات المتحدة بقرار الاحتلال (الاسرائيلي) ضم مدينة القدس المحتلة إلى (اسرائيل)، وحاليا تقوم الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب بإعلان عزمها الاعتراف بالقدس عاصمة ل(اسرائيل)، ونقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس.
إن هذا القرار الأميركي -إن صدر بالفعل- يُعتبر مخالفا للقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن الأرض المحتلة ومنها القدس، ومخالفا لاتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و(اسرائيل).
واستنادا إلى مبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني؛ سأبدي هذه الملاحظات القانونية بشأن القرار الأميركي المحتمل بنقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة ل(اسرائيل)؛ وذلك على النحو التالي:
أولاً: إن القرار الأميركي يُعتبر اعترافا من واشنطن بأن القدس عاصمة دولة (اسرائيل)، وهذا تجسيد وتكريس للقانون (الاسرائيلي) القائل بأن القدس -بشطريها الغربي والشرقي- موحدة بصفتها عاصمة أبدية ل(اسرائيل).
ثانياً: إن القرار الأميركي يعتبر مخالفا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، الذي يحرم احتلال أراضي الغير بالقوة، بل ويحرم الميثاق مجرد التهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية.
ثالثاً: القرار الأميركي يعتبر مخالفا لقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، والقاضي بقيام دولتين (يهودية وفلسطينية) ومنح القدس وضعاً قانونياً خاصاً تحت وصاية الأمم المتحدة.
رابعاً: القرار الأميركي مخالف لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، علما بأن هناك العديد من القرارات التي تخص القدس كأرض عربية محتلة، وتنص على تحريم وإبطال الإجراءات التي تتخذها دولة (اسرائيل) بشأن القدس. وأذكر هنا بعض تلك القرارات:
- قرار رقم 2253 الصادر عام 1967 عن الجمعية العامة، والذي ينص على دعوة (اسرائيل) إلى إلغاء التدابير المتخذة لتغيير وضع مدينة القدس.
- قرار مجلس الأمن بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول 1971 الذي يقول: "يؤكد المجلس -بأبسط وأوضح صورة ممكنة- أن كل الإجراءات التشريعية والدستورية التي تتخذها (اسرائيل) لتغيير معالم المدينة، بما في ذلك مصادرة الأراضي ونقل السكان، وإصدار التشريعات التي تؤدي إلى ضم الجزء المحتل من المدينة إلى (اسرائيل)؛ كل ذلك باطل ولا أثر له، ولا يمكن أن يغير وضع المدينة".
- قرار رقم 50/22 (ألف، باء) الصادر بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 1995 عن الجمعية العامة، والمتضمن "شجب انتقال البعثات الدبلوماسية إلى القدس، وإعادة تأكيد معاهدتيْ لاهاي وجنيف على الجولان السوري".
خامساً: القرار الأميركي المحتمل مخالف لاتفاقية أوسلو والمعاهدات العربية (الاسرائيلية).
سادساً: هذا القرار مخالف للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص الجدار، والذي أكد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
سابعاً: إن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة ل(اسرائيل) يهدف إلى تسهيل ممارسة السيادة (الاسرائيلية) على مدينة القدس المحتلة، وبهذا لا يجوز نقل السيادة على القدس المحتلة إلى (اسرائيل) كدولة محتلة. ولا يجوز -وفق القانون الدولي- أن تقوم واشنطن باعترافها بالقدس عاصمة ل(اسرائيل)، كدولة محتلة تمارس أبشع الانتهاكات الجسيمة ضد الشعب الفلسطيني في القدس.
وبالتالي؛ بدلا من تحميل (اسرائيل) المسؤولية القانونية الدولية من جراء انتهاكاتها لحقوق السكان المدنيين بمدينة القدس؛ فإنها تكافأ بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لها.
وبدلا من الاعتراف؛ لا بد من اتخاذ الإجراءات القانونية لسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، بسبب انتهاكاته لقرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، في كافة الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
ثامناً: إن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة ل(اسرائيل) يعني الإبقاء على الوضع الراهن القائم على الاحتلال، وتوحيد المدينة تحت السيادة (الاسرائيلية) تنفيذا لقرار ضم المدينة الصادر عن الكنيست (الاسرائيلي)، والإقرار بضم الأراضي بالقوة؛ وهو أمر يناقض مبادئ جواز اكتساب الأقاليم عن طريق الحرب.
تاسعاً: إن نقل السفارة الأميركية إلى القدس يعزز ويدعم السيادة (الاسرائيلية) على القدس الشرقية والغربية، بناء على قرار الكنيست (الاسرائيلي) بضم المدينة بصفتها "العاصمة الأبدية" ل(اسرائيل)، وفقا لمقررات المؤتمرات الصهيونية العالمية.
عاشراً: نقل السفارة الأميركية يشرّع -من ناحية قانونية- ما أقامته (اسرائيل) من استعمار استيطاني في القدس، وخاصة أن هناك مباحثات بين الولايات المتحدة و(اسرائيل) بشأن اتفاقية إيجار بين الطرفين تتعلق بالسفارة الأميركية، وهذا سيؤثر على أملاك اللاجئين الفلسطينيين في المدينة. والاعتراف الأميركي ونقل السفارة يناقض الالتزامات والتأكيدات الصادرة عن جميع الإدارات الأميركية السابقة.
حادي عشر: الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة ل(اسرائيل) مخالف لمبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع الإقليمية غير المشروعة، وهذا المبدأ يؤكد على جميع دول العالم عدم الاعتراف بأي تصرف مخالف لمبادئ القانون الدولي، وهو التزام على دول العالم بالامتناع عن الاعتراف بأي مكاسب إقليمية غير مشروعة.
وهذا ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الإعلان المتعلق بالعلاقات الودية والتعامل بين الدول، والصادر عنها عام 1970؛ فقد جاء فيه أن "أية مكاسب إقليمية تم الحصول عليها عن طريق استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لا يمكن الاعتراف بشرعيتها".
ثاني عشر: إن القرار الأميركي يخالف الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحُول دون تمكينه من حق تقرير المصير بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وهذا الموقف يعتبر حالة من حالات انتهاك قواعد القانون الدولي، وينبغي أن تتكاتف جميع الجهود الدولية -في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية- لوقفه.
ثالث عشر: إن قرار الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً ل(اسرائيل) يفتح الباب أمام دول العالم المساندة ل(اسرائيل) باتخاذ قرارات مماثلة لما اتخذته الولايات المتحدة.


المقترحات:
1- دعوة الجمعية العامة ومجلس الأمن إلى اتخاذ قرار بعدم الاعتراف بالقرار الأميركي بكون القدس عاصمة ل(اسرائيل)، ومنع الدول من نقل بعثاتها الدبلوماسية إلى القدس.
2- دعوة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز وكافة المنظمات الإقليمية والدولية؛ إلى اتخاذ آليات قانونية وقرارات لإبطال القرار الأميركي.
3- دعوة البرلمانات العالمية للضغط على الولايات المتحدة لكي تلتزم بتعهداتها السابقة المتعلقة بمدينة القدس، وفق قرارات الشرعية الدولية.
4- دعوة الدول الأطراف السامية في اتفاقية جنيف الرابعة إلى إلزام (اسرائيل) باحترام هذه الاتفاقية، وتطبيقها على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
5- مطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة باتخاذ قرار بعدم الاعتراف بالقرار الأميركي إن صدر، والطلب من محكمة العدل الدولية تقديم رأي استشاري بشأن مدى قانونية اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لدولة (اسرائيل) ونقل سفارتها إلى القدس.
المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,685,278

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"