منسيون في عين العاصفة!‏

جاسم الشمري

تزداد التحديات التي تواجه النازحين في العراق مع بداية فصل الشتاء، واستمرار ‏التغافل الحكومي والدولي لمأساتهم، وغالبيتهم يسكنون في معسكرات نزوح غير ‏صالحة للحياة الإنسانية، وغير متوفر فيها أبسط الاحتياجات التي تعينهم على الصبر ‏وتحمل الظروف غير الاعتيادية التي يعانون منها.‏

 

ومنذ بداية كانون الثاني/ يناير من العام 2014 وحتى 30 تشرين الأول/ أكتوبر ‏‏2017 حددت إدارة الهجرة الدولية وتتبعت عمليات النزوح، ووصلت إلى أن" أعداد ‏النازحين في العراق ثلاثة ملايين و174 ألف الذين نزحوا داخل الأراضي العراق، ‏وأن محافظة نينوى ( أو الموصل، وهي تبعد 465 كم شمال بغداد) تعدّ من أكبر ‏المحافظات الشاهدة على عمليات النزوح الداخلي، فوصلت الأعداد إلى أكثر من  ‏‏987 ألف نازح". ‏

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي أعلن ستيفان دوجاريك المتحدث الرسمي باسم الأمين ‏العام الأمم المتحدة أن" عدد النازحين في العراق منذ عام 2014 بلغ 5.4 مليون ‏شخص".‏

استمرار معاناة النزوح الداخلي تعدّ واحدة من اكبر التحديات التي تواجه إعادة الحياة ‏إلى المدن لأن بقاء الأهالي في الفلاة والصحراء يعني عدم الاستقرار النفسي، ‏والحرمان من الراحة والأمان والطمأنينة، والحرمان من التعليم، وازدياد الضغوط ‏النفسية وبالذات على رب الأسرة حينما يجد نفسه عاجزا عن تقديم أي شيء لعائلته ‏وبالذات بالنسبة للعوائل الفقيرة المضطرة للبقاء في هذه المعسكرات، واستمرار ‏البطالة لكافة القادرين على العمل من أفراد العائلة.‏

وقد أثبتت السنوات الماضية أن دور الحكومة عبر وزارة الهجرة والمهجرين مقتصر ‏ليس بمستوى الحدث، وربما هو مقتصر على تقديم بعض السلات الغذائية، وهذا لا ‏يكفي لإنهاء معاناة أكثر من ثلاثة ملايين نازح ذلك لأنهم بحاجة إلى حلول جذرية ‏تنتشلهم من واقعهم المرير، وليس إلى سلات غذائية تبقيهم على قيد الحياة.‏

كارثة النازحين الحقيقية أنهم لم يجدوا من يوفر لهم الأرضية المقبولة إلى حد ما ‏للعودة إلى ديارهم للحفاظ على كرامتهم وحياتهم، وفي السادس من الشهر الجاري ‏حذرت الأمم المتحدة من أن" إزالة مخاطر المتفجرات والمخلفات الحربية في مدينة ‏الموصل العراقية الشمالية يحتاج إلى سنوات من العمل لتخلو المدينة منها، وأنه في ‏اليومين الأولين من التقييم، أبلغَ المدنيون والوكالات الوطنية الأخرى عن أكثر من مائة ‏من المخاطر المتفجرة إلى فِرَق الإزالة في طريق نينوى وهو الشارع الرئيسي الذي ‏يمتد من الغرب إلى الشرق عبـر المدينة القديمة". ‏

وقبل أسبوعين قال عضو لجنة الهجرة والمهجرين البرلمانية زاهد الخاتوني،  إن ‏‏"عاصفة محملة بالغبار وصلت نينوى دون أن يتم الاستعداد لها جيداً من قبل الجهات ‏المعنية بالنازحين، وإن المخيمات اقتلعتها الرياح وأودت بأهلها في العراء وبقي ‏النازحون وحدهم، وإنه بعد هذه العاصفة الترابية - وحتى قبلها- لم نلاحظ اهتماماً من ‏قبل مديرية الصحة وكأن الأمر لا يعنيهم، بل أكثر من ذلك أن الوضع مرّ دون أن ‏يكلفوا أنفسهم بالتواجد خلال العاصفة وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين بأمراض ‏الجهاز التنفسي".‏

عدم صلاحية مدينة الموصل للحياة أكدته العديد من الأطراف المحلية والأجنبية، ‏وسبق للمدير الأقدم لبعثة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق بير ‏لودهامر أن كشف عن "اتساع نطاق وجود المتفجرات في الموصل بشكل لم يسبق له ‏مثيل".‏

وسط هذه الأوضاع المزرية نجد أن الإهمال والاستخفاف والمتاجرة الحكومية بمعاناة ‏النازحين وصلت لدرجة توزيع مواد منتهية الصلاحية، وهذا ما أكدته بعض ‏المؤسسات المهتمة بحقوق الإنسان، ومنها اتهام  المفوض في المفوضية العليا لحقوق ‏الإنسان (وحدة الجميلي) فرقاً بوزارة الهجرة بتوزيع" مواد غذائية منتهية الصلاحية ‏ومن النوعيات الرديئة والمتعفنة على النازحين في مخيمات في مخيمات (الشهامة ‏والكرامة) في محافظة صلاح الدين، وهذا يشكل استهتاراً ولا مبالاة بحياة الناس ‏البسطاء وأنه يتنافى مع المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي والمستوحاة من مبادئ ‏حقوق الإنسان العالمية والقانون الدولي الإنساني".‏

وفي بداية الشهر الحالي أكد النائب عن صلاح الدين - 157 كم شمال العاصمة بغداد- ‏شعلان الكريّم أن "الحكومة ليس لديها رؤية واضحة لإعادة النازحين، أو إعمار ‏المناطق المدمرة، وأن هناك 400 ألف شخص لم يعودوا حتى الآن إلى صلاح الدين، ‏وأن 230 ألف نازح لم يعودوا إلى بيجي لأسباب غير معروفة، بالإضافة إلى 65% ‏من عرب قضاء طوز، وكذلك جميع سكان القرى المحيطة بناحية آمرلي وسليمان ‏بيك، وأن تلك المناطق تعرضت إلى أضرار كبيرة في عمليات التحرير نهاية عام ‏‏2015 مما تسبب بتدمير 1267 منزلاً في سبع قرى محيطة بالطوز وآمرلي بشكل ‏كامل".‏

وفي ديالى (45 كم شمال شرق بغداد)، قالت مصادر محلية إن "القوات المشتركة ‏وميليشياتها تواصل منع مئات العائلات النازحة من العودة إلى منازلها في مناطق ‏وقرى بناحيتي جلولاء والسعدية في ديالى، بدوافع طائفية ومن اجل تغيير مناطقهم ‏ديمغرافيا".‏

أمام هذه الحقائق المؤلمة نجد أن التحركات الحكومية عاجزة عن إعادة الحياة إلى هذه ‏المدن، ولا تقوى حتى لإنعاشها والسعي لبث الروح فيها، وسبق لتقارير حكومية ‏مختصة صدرت قبل شهرين عن أمانة مجلس الوزراء العراقي قد كشفت" عن ‏ضرورة تخصيص الحكومة ما لا يقل عن 20 مليار دولار للمدن المحررة حديثاً من ‏قبضة تنظيم "داعش" بغية توفير الحد الأدنى من الخدمات والبنى التحتية المدمرة، وأن ‏القطاعات التي تحتاج دعماً عاجلاً في المدن المحررة لها تماس مباشر بحياة ‏المواطنين وأبرزها المستشفيات والمدارس والكهرباء والماء والاتصالات والطرق ‏والجسور".‏

وقبل انتهاء معارك الموصل أعلنت وزارة التخطيط العراقية أن" حجم المبالغ ‏المطلوبة لإعادة إعمار المناطق المحررة يُقدر بنحو 100 مليار دولار، وأن خطة ‏إعادة الاستقرار ستكون على مدى 10 سنوات، وبثلاثة مسارات رئيسية حسب الأولية ‏والأهمية"!‏

وكم سيحتاج العراق اليوم لإعادة الإعمار بعد تدمير مدينة الموصل بشكل لا يمكن ‏تقديره بسهولة؟!‏

قضية إعمار المدن العراقية المدمرة لا تقوى عليها حكومة بغداد لوحدها، وهي بحاجة ‏إلى مؤتمر دولي تنفيذي وليس شكلياً لجمع التخصيصات المناسبة، ويتم تسليمها للجان ‏أجنبية مختصة  تنبثق عن المؤتمر بحضور ممثل عن حكومة بغداد، والتنفيذ يكون ‏عبر شركات أجنبية دون أن تكون حكومة بغداد متدخلة في الموضوع المالي وذلك ‏بسبب الفساد الكبير الذي ينخر دولة العراقية منذ عام 2003 وحتى اليوم، وبعد عام ‏من المؤتمر يمكن أن تنتهي مأساة النازحين تماماً، إن كانت هنالك رغبة محلية ودولية ‏حقيقية لإنهاء معاناتهم، وإلا فان الحلول الحكومية الترقيعية لن توقف معاناة ملايين ‏المهجرين، فمتى سيتحرك المجتمع الدولي للقضاء نهائياً على مأساة النازحين ‏العراقيين؟!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,284,742

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"