عَسْكرة (الديمقراطية)!‏

جاسم الشمري

قرابة ستة أشهر فقط هي المدة الزمنية المتبقية للانتخابات البرلمانية العراقية القادمة، ‏والتي- كما يبدو- استعدت لها الأطراف الحاكمة بكافة صنوفها المدنية والعسكرية ‏لأنها تعلم أن المرحلة القادمة مفصلية وبحاجة إلى اصطفافات سياسية كبيرة.‏

 

اليوم صارت مليشيات الحشد الشعبي المدعومة سياسياً ودينياً القوة الأولى في البلاد، ‏وتعدّ القوة الأكبر التي أنهت دور وزارة الدفاع وصارت هي المتحكم بالعمليات ‏العسكرية رغم استمرار وجود الوزارة بوزيرها وهياكلها المتنوعة.‏

حالياً هنالك تحركات جادة لقلب الطاولة السياسية في العراق، ولهذا صرنا نسمع ‏بإقالات واستقالات جماعية– حقيقية ومُزيَّفة- من الحشد الشعبي تمهيداً للدخول في ‏الانتخابات القادمة.‏

وقبل عدة أيام أعلن رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، تشكيل (حزبه الجديد " ‏عطاء" لدخول الانتخابات المقبلة، وأن حركته "ستكون ملتزمة بالدستور وتوصيات ‏المرجعية الدينية".‏

حُمَّى تشكيل الأحزاب لم تتوقف عند رئيس هيئة الحشد الشعبي بل إن مليشيا ‏‏"عصائب أهل الحق" أعلنت عن تسجيل كيانها "صادقون" لدى المفوضية، وكذلك ‏أعلنت مليشيات "كتائب سيد الشهداء" تشكيل كيان "منتصرون" بزعامة مهدي ‏الموسوي، فيما أسس المتحدث باسم الحشد أحمد الأسدي، "تحالف المجاهدين".‏

ولا ندري إن كانت هنالك قيادات أخرى من الحشد تمتلك كيانات سياسية جديدة، ‏وكلامنا هنا عن الكيانات المعلنة فقط.‏

في الواقع لا يمكن تفهم هذه الخطوات وفقاً لأي قانون، أو نظام تمت الموافقة على ‏تشكيل هذه الكيانات السياسية رسمياً في بلاد يحظر فيها قانون الانتخابات دخول ‏المليشيات في اللعبة السياسية!‏

وتنص المادة (8) من الفصل الثالث، (حق الترشيح)، من قانون انتخابات مجلس ‏النواب العراقي، الذي أقره البرلمان نهاية العام 2013: ‏

يشترط في المرشح لعضوية مجلس النواب ما يلي:‏

خامساً: أن لا يكون قد أثرى بشكل غير مشروع على حساب الوطن، أو المال العام.‏

سادساً: أن لا يكون من أفراد القوات المسلحة أو المؤسسات الأمنية عند ترشحه.‏

وبالتركيز على هاتين المادتين نجد أنهما ينطبقان على غالبية الأحزاب التي تشارك ‏اليوم في العملية السياسية، فما من حزب إلا وقد أثرى بشكل غير مشروع من المال ‏العام، وما من حزب إلا ويملك مليشيات مسلحة بما فيها حزب الدعوة الحاكم الذي ‏يملك ثلاث ألوية، كما سبق للقيادي في الحشد الشعبي كريم النوري أن صرح بذلك!‏

وقانون هيئة الحشد الشعبي نص هو الآخر على" منع مشاركة الفصائل العسكرية، أو ‏قادتها، في الحياة السياسية العامة، أو الانتخابات النيابية"! ‏

الترشح العشوائي، وتشكيل الأحزاب المسلحة حقيقة- والمؤطرة بأطر مدنية في ‏الظاهر- لا يمكن أن تُنهي الإشكالية العراقية المعقدة التي تحتاج لقيادات واعية تمتلك ‏القدرة على تغيير موازين القوى لصالح دولة المواطنة وليس لصالح دولة اللاقانون ‏الحالية.‏

يبدو أن قيادات الحشد تريد استغلال مرحلة ما بعد هزيمة "داعش" في العراق على ‏اعتبار أنها شاركت في المعارك ضد التنظيم، وهذا نوع من الاستغلال غير المبرر ‏لأنهم لو كانوا يعملون كـ"مجاهدين" كما يدعون لما كان يفترض بهم انتظار ثمار ‏جهادهم الكفائي، وإلا فهذا يعني أنهم رتبوا الأوراق لهذه المرحلة، ولبسوا ثوب ‏‏"الجهاد" لتحقيق غايات إستراتيجية ضيقة، وهذا لا يتفق مع الحالة الوطنية، أو حتى ‏‏"الجهادية" التي يدعونها.‏

هذه الألاعيب السياسية مهزلة جديدة تضاف لمهازل التعامل والتخاطب مع العراقيين، ‏وإلا كيف يمكن لقياديين في مليشيات مسلحة أن يعلنوا الدخول في عملية سياسية يقال ‏عنها "ديمقراطية"، كيف يحصل ذلك، وما هي الأهداف الإستراتيجية لهذه الخطوات ‏غير الاعتباطية، وأظن أن قادم الأيام ستكشف مزيداً من خفايا هذه التحركات غير ‏القانونية، وغير الدستورية، وغير البريئة؟!    ‏

التلوث الديمقراطي الواضح في المشهد العراقي ناتج عن تَشَنُّجات سياسية ومستمرة، ‏بدءاً من الخلافات الشيعية – الشيعية، والمواجهات الشيعية - الكردية، والاستهداف ‏الشيعي لغالبية من يمثِّلون السنة في العملية السياسية، وعليه فهذه الفوضى الديمقراطية ‏مدروسة ومطبوخة بعناية، ويُراد منها الحصول على الحصة الأكبر من الأصوات ‏الانتخابية للبقاء على سدة الحكم، ولو بأسماء متورطة بدم العراقيين، وهذه من أكبر ‏صور نحر الديمقراطية التي يتغنون بها! ‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,759,134

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"