الإدارة الأميركية والحكام العرب.. للحماقة ثمنها

هيفاء زنكنة

هل أدرك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مدى حماقته حين استعرض متباهيا، امام عدسات الكاميرات، توقيعه على جعل القدس «عاصمة لإسرائيل»؟

 

هل كانت خطوة استراتيجية مدروسة من قبل الإدارة الأميركية في مسار أبوتها للمُستعمِر الصهيوني وحدث وصار ترمب وجهها القبيح أم انها واحدة من «زلاته» العديدة التي ارتكبها منذ توليه الرئاسة والتي انتهت بابتلاعها بعد حين؟

تراهن الإدارة الأميركية، بالدرجة الاولى، سواء كان رئيسها جمهوريا او ديمقراطيا، ومهما كان لون بشرته، على تبني المُستعمر الصهيوني. أنه ذراع التوسع والاستيطان الامبريالي و »الواقعية» السياسية في المنطقة. أنه، أيضا، أداة الإرهاب لترويع كل من يناهض الوجود الامبريالي ويطمح، إلى تحقيق العدالة والسلام. فما ان يبادر شعب أو نظام بمقاومة سياسة الهيمنة والاستغلال، حتى يُقصف، (إسرائيليا) أو أميركيا (لا فرق بينهما)، بحماية الفيتو الأميركي، في مجلس الأمن، وتبا للقوانين الدولية.

محليا، تراهن الإدارة الأميركية، بالدرجة الثانية، على الحكام العرب، لينفذوا سياستها بالنيابة. فالحاكم العربي الذي كان، ذات يوم، بطلا في مرحلة التحرر الوطني، بات في مرحلة ما بعد الاستعمار، ومع ازدياد قمعه للشعب وتعاظم قطيعته مع المجتمع، بحاجة ماسة إلى حماية المُستعمر. فديمومة السلطة تتطلب مسح الذاكرة النضالية وتحويل الشعب إلى متلق لوجبات الشعارات السريعة. لهذا احتل توظيف القضية الفلسطينية، مركز الصدارة، على مدى عقود، في قائمة أكاذيب وتلفيقات الحكام العرب. حيث بذلوا اقصى جهدهم لا لتحرير فلسطين، حقا، بل لجعل الظلم اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون ورقة توت، يغطون بها عورة تشبثهم بخدمة المُستعمر من جهة، واستبدادهم وقمعهم لشعوبهم من جهة ثانية. الا انهم فشلوا.

استنبطوا وطبقوا، مع سادتهم، كل أساليب الترويع والإرهاب، في كل البلدان العربية وأولها فلسطين، من التمييز العنصري إلى سلب الحريات والتعذيب والعقاب الجماعي. الا انهم فشلوا. شردوا السكان قسرا وهدموا القرى وغيروا أسماء المدن ونصبوا الجدار وحواجز التفتيش. الا انهم فشلوا.

فشلوا لأن الجانب الأساسي في معادلة الخنوع التي سُميت مع كل تنازل جديد «مفاوضات السلام «، تستهين دوما بالشعب الفلسطيني -العربي – الإسلامي وشعوب العالم المؤمنة بالعدالة.

هذه النظرة الدونية إلى الشعوب واولها الشعب الفلسطيني ـ العربي من قبل الإدارة الأميركية، سببها الخلط المتعمد ما بين الشعوب والحكام، وهو خلط منهجي مقصود هدفه تصوير الشعوب راضية بسياسة الخضوع للمستعمر.

هنا يقع على الشعوب عبئا إضافيا مضاعفا. فهي تحارب عدوين في آن واحد. الحاكم المحلي المستبد والعدو الخارجي الطامع بالهيمنة والاستغلال.

هذه الصورة التي تصور الحاكم كممثل للشعب، الملتبسة عمدا، هي التي شجعت ترمب على منح ما لا يملك، على جعل القدس الفلسطينية، العربية، عاصمة لمُستعمر استيطاني، على توقيع وثيقة مخالفة للقوانين الدولية، في لقطة تلفزيونية يتم بثها في جميع انحاء العالم، رافعا الورقة امام عدسات المصورين كي يرى الجميع ما قام به. متباهيا بأنه حقق ما كان رؤساء أميركا السابقون يحلمون به، متجاهلا حقيقة ان الشعب الفلسطيني لم يُصَبَ، يوما، في قالب الخنوع والرضى بما تعتبره الإدارة الأميركية «سياسة الامر الواقع».

خرج الفلسطينيون إلى شوارع مدنهم، كلها، ففلسطين هي كل الأرض وهي كل المدن، والقدس رمزها الجامع الموحِد. راهنت الإدارة الأميركية، متمثلة بترمب، على همسات احتجاج الحكام العرب في سيناريو متفق عليه مسبقا، ولابد انها راهنت، أيضا، على عدد من المظاهرات العربية كرد فعل عاطفي غاضب، تتكفل مشاغل الحياة واستبداد الحكام ونزاعاتهم بإطفائه، الا انها لم تراهن على احياء جذوة النار في قلوب الناس العاملين على تحقيق العدالة، من جميع ارجاء العالم، حيث امتدت تظاهرات الغضب على الظلم من البلدان العربية إلى أميركا اللاتينية إلى بريطانيا، البلد الذي سبق ترمب في ارتكاب أكبر جريمة بحق شعب، حين منح أرض فلسطين إلى الحركة الصهيونية بوعد بلفور.

قد تكون التظاهرات العربية، الحالية، رد فعل آنيا، الا ان القاء نظرة سريعة على مواقف الشعوب العربية منذ النكبة، حتى اليوم، يبين انها لم تتغير، حيث بقيت القضية الفلسطينية جوهر النضال الشعبي العام، وهذا هو السبب الرئيسي للضربات المتتالية التي تتلقاها الشعوب من الداخل والخارج. ومخطئ من يظن ان الغضب الفلسطيني سيخمد بانتهاء الاستجابة لدعوة الأحزاب والمنظمات الفلسطينية بأحياء أيام غضب. ويكفي ان نحصي عدد ضحايا العنف الصهيوني وممارساته القمعية المهينة ضد المواطن حتى ندرك انه حين يكتب: القدس عاصمتنا. قدسنا. ستبقى لنا. القدس عاصمة فلسطين الأبدية. فإنها ليست مجرد شعارات بل أحاسيس الفلسطيني المناضل الرافض للخنوع والاستسلام، التي يدفع ثمنها دما. وهي كما اثبتت سنوات مقاومة المستعمر ليست ابنة اللحظة بل مسيرة حياة أجيال مصرة على البقاء في ارضها، «فنحن هنا، ولو كنّا هناك/ وإن أخرجتمونا من الكلمات/ والخارطة، والذاكرة/ فنحن هنا / رغم استعارات المكان والزمان. نحن ملح الأرض/ وهذي الأرض لي/ والفجرُ القادم لي». تقول الشاعرة روز شوملي. وحتى إذا كان العالم قد اعترف بإسرائيل، يقول الكاتب علي مواسي «ومنحوا فلسطين لمجموعة مهاجرين مستوطنين دون أن يرجف لهم رمش أمام تهجير أهلها، ومنظّمة تحرير شعبنا اعترفت…

لكنّ فينا ومعنا من لم يعترف، ولن يعترف، ولا يهمّه اعتراف». وإذا كان دونالد ترمب قد تعود على ابتلاع زلاته بعد حين، فانه سيجد ان فلسطين ليست زلة بإمكانه ابتلاعها، كما غيرها، بل موسا حادا سيمزق بلعوم كل من يحاول ابتلاعها، وأن أي حديث عن أمن واستقرار الحكام العرب وأميركا، ما لم يرتبط بإعادة الحق إلى أهله، هو مجرد هراء.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,937,720

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"