منْ يعرف العدد الحقيقي!‏

جاسم الشمري

مرة أخرى نجد أنفسنا أمام إحصائيات مذهلة حول حروب (التحرير) الساحقة ‏والمتواصلة التي تطحن العراقيين، ولم تميز بينهم على أي اعتبار سوى أنهم من شعب ‏أرادت أميركا تحريره كما تدعي، ونقله لمرحلة جديدة.‏

 

إحصائيات قتل العراقيين تنوعت بين المحلية والعالمية، والرسمية وغير الرسمية، ‏لكنها بالمجمل تتحدث عن أرقام تؤكد أن الحرب الأميركية على العراق هي حرب ‏انتقام من المدنيين، وكشفت زيف الادعاءات الأميركية والغربية بأنهم جاؤوا لنشر ‏الديمقراطية في البلاد.‏

في يوم 23/11/2017، كشفت صحيفة الاندبندنت البريطانية، عن "قيام الولايات ‏المتحدة الأميركية بقتل أكثر من مليون مدني عراقي منذ بدء غزوها على العراق، وأنه ‏‏- وبعد بدء بوش الحرب على الإرهاب- تحولت حياة الملايين رأساً على عقب، علاوة ‏على مقتل عدد لا يحصى من المدنيين الأبرياء بسبب المرض، والعمليات العسكرية ‏وعمليات التعذيب البشعة الذي قام بها الإرهابيون المحليون والأجانب، والحملة ‏العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا".‏

وتابعت أنه- وفي رد على سؤال بشأن عدد المدنيين الذين قتلوا منذ غزو العراق ‏وحتى الآن- قال المتحدث باسم البنتاغون اريك باهون إنه "في الواقع لا أحد يعرف ‏العدد الحقيقي للوفيات بين صفوف المدنيين العراقيين منذ أن شن جورج بوش وتوني ‏بلير حملتهما العسكرية على العراق". ‏

وهذا يؤكد أنهم لا يهتمون لأعداد ضحاياهم من الشعوب الأخرى، ولهذا لم يفكروا في ‏إحصائها، وهذا الموقف يثبت التعامل الغربي المتناقض مع القيم الإنسانية التي ‏يدّعونها!   ‏

وواصلت الصحيفة البريطانية أن آخر دراسة إحصائية صدرت عام 2015 من قبل ‏منظمة أطباء المسؤولية الاجتماعية أظهرت " أن مجموع الوفيات بين صفوف ‏المدنيين العراقيين قد تجاوز المليون شخص نتيجة الحرب".‏

وسبق لجون تشيلكوت، رئيس لجنة التحقيق البريطانية في الحرب على العراق أن أكد ‏في منتصف العام 2016، أن "اتخاذ قرار الحرب على العراق في بريطانيا كان ‏مستنداً إلى أوهام روّجها الأميركيون حول امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، ‏تبيّن بعد ذلك أن لا أثر لوجودها في العراق، ولم توجد تلك البنى التحتية لتصنيع ‏أسلحة نووية كما روّج الإعلام الغربي وخاصة الأميركي لذلك طيلة سنوات الحصار ‏المضروب على العراق وفي فترة الشحن الدولي ضد النظام"!‏

احتلال العراق كان بكذبة، والديمقراطية التي صُدِّرت للعراقيين كانت مفصلة بعناية ‏وكانت تحمل في طياتها غايات تدميرية، وهي لا تُماثل ديمقراطياتهم في بلدانهم ‏الغربية، ديمقراطيتنا نشرت الدم والموت والخراب والأحقاد والجاهلية، وأعادت ‏العراق إلى عصور تصورنا أنها صفحات من التاريخ قد طُويت، لكن يبدو أن الخطة ‏الأميركية التحطيمية مكتوبة بعناية فائقة، وقد نجحوا في تطبيقها وإنضاجها على نار ‏هادئة!‏

إحصائيات قتل العراقيين أكدتها لجنة حقوق الإنسان البرلمانية العراقية في بداية عام ‏‏2014، وقالت إن (عدد الأرامل العراقيات إلى مليون أرملة، وعدد الأيتام خمسة ‏ملايين و(700) ألف يتيم).‏

وهكذا تتوالى الإحصائيات، وجميعها تشير إلى أرقام مذهلة وفاتورة باهظة الثمن من ‏دماء العراقيين وأرواحهم، فلماذا قُتل هؤلاء، ولمصلحة منْ تمت هذه الإبادة الجماعية ‏للشعب العراقي، وهل يمكن لقادة الولايات المتحدة تبرير هذا القتل الجماعي، ومتى ‏سيقدّم الأميركيون الاعتذار للعراقيين عن هذه المآسي التي لحقت بهم؟!‏

هي في نظرهم مجرد إحصائيات لكنها في الواقع أرقام مخيفة تركت ملايين الأطفال ‏بلا آباء، ومئات الآلاف من النساء بلا رجال وبلا معيل، ودمرت استقرار ملايين ‏العوائل ذات الصلة بالشهداء الذين قضوا نتيجة حرب (التحرير) اللعينة!‏

فمتى ينتبه العالم لحجم المأساة العراقية التي خلفها الاحتلال والمتمثلة بعملية سياسية لا ‏تمثل جميع المواطنين، وحكومة عاجزة عن بناء دولة المواطنة، ووطن يئن ويُدمر ‏ويُنحر، والمسؤول الأول والأخير هي قوات (التحرير) الأميركية التي أدخلت بلاد ‏الرافدين في هذه الدوامة؟!

أظن أن قضية التعاطف الغربي مع كوارث دول المنطقة وضحاياها ينطبق عليها قول ‏الشاعر السوري أديب إسحق: "قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب آمن ‏مسألة فيها نظر"!‏

وهكذا ستبقى شعوبنا عرضة للقتل والإرهاب المستمر بحجج مُتَجَدِّدة، واستراتيجيات ‏مرتبة سلفاً.‏

فمتى سنفيق من هذه الغيبوبة؟!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,635,204

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"