مرجعية النجف تمدّد لميليشيات الحشد الشعبي.. لأيّ دور وإرضاءً لمن؟

ابراهيم بيرم

اخيراً، وبعد فترة فراغ وضياع استمرت اسابيع، لفظ المرجع الشيعي الاعلى في النجف علي السيستاني الفتوى الحاسمة التي ينتظرها الجميع "الحشد الشعبي ما انفكّ حاجة ماسة لا يستغنى عنها، وليس وارداً تسريحها، لأن عودة تنظيم داعش او ما يمكن ان يكون استنساخاً له امر محتمل".

 

إذاً قضي الامر وحسم الجدل، وسارت رياح المرجعية العليا وفق ما يشتهيه اولئك المتمسكون ببقاء الحشد الشعبي احتياطا استراتيجيا حاضرا في ساحة الفعل العسكري والسياسي غبّ الطلب، واولئك الساعون الى إرساء تقاليد لعبة جديدة في بلاد الرافدين.

فالمعلوم انه مع اعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رسميا انطواء صفحة الخطر التكفيري الذي من اجل جبهه استُولد الحشد قبل نحو اربعة اعوام، وتأكيد ان الاراضي العراقية وصولا الى الحدود مع سوريا تطهّرت من وجود هذا التنظيم الذي اقضّ مضاجع العراقيين بعدما تمكن بسرعة قياسية من بسط سيطرته المطلقة على ما قُدّر بثلث الجغرافيا العراقية، استعاد العراقيون معنوياتهم المفقودة وتنفسوا الصعداء، واستعادوا في الوقت عينه سجالاً مرجأً حول مصير الحشد الشعبي الذي تقاطعت لانشائه عوامل شتى وروافد عدة، ابرزها فتوى الجهاد الكفائي التي اطلقها السيستاني وتغطية رسمية من رئاسة الحكومة ودعماً مباشراً من مكونات سياسية عراقية فاعلية، مضافا اليها تشجيعا كبيرا من طهران، وبالأخص من الحرس الثوري الايراني وقائد فيلق القدس فيه الجنرال قاسم سليماني.

وفي الحصيلة ظهر الحشد خليط رغبات وإرادات لـ72 فصيلا عراقيا بينها ثلاثة محسوبة مباشرة على خط ولاية الفقيه سعت الى دور مميز ومكانة ريادية، وهي "عصائب اهل الحق" و"كتائب حزب الله– العراق" و"حركة النجباء"، الى آلاف غير منتمية لبَّت فتوى المرجعية وندائها العاجل. وهذه الطبيعة غير المتجانسة لهذا الاطار الوليد جعلت كثيرين يعتقدون انه يحمل معه بذور انفضاض عقده بعد انتهاء المهمة التي أوجبت وجوده.

محافل عدة أبدت تخوفا مبكرا من هذا المولود العسكري– السياسي الفارض نفسه حالة جديدة تملك مؤهلات المنافسة، ولاحقا أبدى قياديون من الحشد وسياسيون رغبة في استمراره، وفي مقدمهم أنصار الخط الايراني. اما المتوجسون خيفة فكانوا يلقون دعما اميركيا– اوروبيا فضلاً عن دفع من دول الخليج.

وفي نهاية المطاف، شخصت الانظار نحو النجف تنتظر من سيدها المطلق الكلمة الفصل التي أتت اخيرا.

لم يعد خافيا ان الايرانيين دخلوا بقوة على الخط، إذ مارسوا عملية اشادة اعلامية منظمة استمرت اياما بدور المرجع السيستاني وأتت ذروتها على لسان المرشد الاعلى علي خامنئي الذي وصف زعيم حوزة النجف بانه "صمام امان لكل العراق حاضرا ومستقبلا".

وكان جليا ان ثمة هدفا واحدا لطهران تريده بأي شكل هو الحيلولة دون اصدار المرجع فتوى يسرّح بموجبها عديد هذا الحشد واعتباره من تاريخ حقبة تولت.

بمعنى آخر، أبلغت طهران بأعلى مستوياتها من يعنيهم الامر في محيط المرجع وفي داخل القيادة العراقية انها تريد إبقاء الحشد بأي ثمن لأن ذلك من شأنه ان يكمل عقد وجود محسوبين عليها بدءا من بغداد مرورا بسوريا وصولا الى الساحل اللبناني، وان هذا الوجود الممتد على طول هذه الجغرافيا المترامية هو بالنسبة اليها قصة حياة او موت، اذ لم يعد بالامكان بعد كل التطورات المتسارعة في الاقليم منذ نحو 7 اعوام تصوّر مستقبل مضمون ومتوازن من دون هذا العقد الفريد المتكىء على رصيد من التجارب تجعله مؤثرا ووازنا.

وعليه، احتاجت طهران الى جهود كبرى لتقنع المعنيين في بغداد بضرورة إكساب صفة الاطار الدائم الذي سيكون لاحقا اطارا رديفا ومؤازرا لـ "حزب الله" في لبنان ولقوى اخرى مشابهة اخذت مواقع لها في طول الجغرافيا السورية استعدادا لمرحلة مقبلة، ويسندها بطبيعة الحال فيلق القدس ذراع الحرس الثوري المولج تنفيذ المهمات الاستراتيجية في الخارج.

وبناء على كل هذه المعطيات، أتت كلمة السيستاني على لسان وكيله الارفع، خطيب العتبة العلوية في النجف عبد المهدي الكربلائي، لتنزل بردا وسلاما على العاصمة الايرانية ولتشعر معها ان اقوى المراجع الشيعية قد مشت في ركاب مشروعها الاعمق.

واللافت ان الفتوى الجديدة لسيد النجف أتت تحت صيغة لفظية، من ابرز مميزاتها وعلاماتها الفارقة انها:

- تجعل الحشد من الان فصاعدا تحت رعاية رسمية عراقية مباشرة من حيث المرجعية والإمرة، وهو ما عُدَّ ردا على المتخوفين من ازدواجية في قوى الامن وعودة الى عصر الميليشيات.

- تجريم مسبق لأية ارتكابات يمكن ان يقدم عليها اي تشكيل من تشكيلات الحشد، وهو تطهير للحشد بمفعول رجعي من اتهامات وشبهات حاصرته ابان احتدام المواجهات مع "داعش" وتأكيد ضمان انضباطيته لاحقا.

وبهذه الصيغة تكون مرجعية النجف قد واءمت بين ارادتين: الاولى موجة خوف تتملك شريحة من العراقيين من عودة روح مفاجئة في تنظيم "داعش" تحت راية من الرايات، لذا تجد في استمرار الحشد حاجة للحماية والوقاية، وبين الخائفين على دورهم وعلى سيادة الدولة العراقية في المستقبل، وهم يعارضون استمرار الحشد ويدعون مع الداعين الى تسريحه بعد تكريمه.

وبهذه الفتوى تكون المرجعية في لحظة دقيقة ادت من حيث لا تريد دور سيدة لعبة التوازن في داخل الاجتماع العراقي من جهة، وقدمت الى طهران، ربما للمرة الاولى، اعترافا شرعيا بدورها، واستطرادا بمشروعها ولو على نحو خفر.

وبناء عليه، ثمة معلومات تؤكد انه منذ انطواء دور الحشد عسكريا بعد اعلان اندحار "داعش" فان آلافا من العناصر المنضوية في الحشد قد سرّحوا انفسهم طوعا بناء على حسابات خاصة، ولكن الاكيد ان العديد المتبقي (يقدر بنحو 30 الفا) ينتمي بغالبيته الى الفصائل الثلاثة، وسيسعى ليكون لاحقا نواة مشروع دائم متطور ويشكل بيضة القبان في الاجتماع السياسي العراقي الذي اصبح وفق اقرار الجميع عبارة عن فسيفساء تفتقد القوة المحورية.

واللافت ان هؤلاء المتبقين لم يفوّتوا الوقت، اذ ما لبث الحشد ان اصدر اخيرا بيانا اعلن فيه ان احدى مجموعاته لاحقت مجموعة تنتمي الى "داعش" في بعض جهات تلعفر وقضت عليها. وهو بهذا الفعل اعلن معاودة دوره المستقبلي واكد ان الحاجة الى دوره لم تنتفِ اطلاقا.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,759,150

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"