الاحتلالات المركّبة..‏ الأميركي، الصهيوني، الإيراني، للعراق والأحواز وفلسطين

قيس النوري ‏

استهلال

استقراء حركة وتفاعلات الاحداث المفصلية في تاريخ العالم، تشير إلى ‏ارتدادات مؤكدة تجاه مناطق الصراع والبؤر الساخنة، وساحات المواجهة ‏المحتملة تبعا لأهمية المصالح والاطماع الدولية ذات الابعاد التوسعية ‏وحساباتها في أطار تغير موازين القوى بعد كل متغير دولي عميق.‏

ما تطرحه هذه الورقة، ليس تفصيل لما يجب أن يكون عليه العمل ‏العربي في مواجهة استهداف متشابك دوليا وإقليميا، وإنما المطروح تأشير ‏مكامن الخطر الماثل وتشابك عناصره الإقليمية، لغرض تلمس المداخل ‏المهمة في صياغة قاعدة عمل وتفاهم مبدئي لمجابهة خطر بات ينتقل ‏بخطوات متسارعة من التخطيط الى التنفيذ، وليس أمام العرب وقواهم ‏الحية أي مسوغ مهما كان لتأجيل معالجة تفاقم خطر داهم يزداد خطورة، ‏يستهدف في نهاية الامر أسر العرب في أهم مفصل جغرافي- سياسي من ‏وطنهم القومي.‏

 

الغوص في استذكار تاريخ دامي من صفحات وقائع كان أغلبها مصبوغ ‏بسواد ودم، لا يجد مراجع تلك الصفحات صعوبة في اكتشاف عمق ‏الترابط، العلني والخفي في الغالب، بين أدوات الاستهداف المعادي للامة، ‏بين فواعله ومخططيه، وهم دائما ذلك الغرب الاستعماري، وبين ‏الاستعانة والتوظيف الميداني من قوى تحادد الوطن القومي العربي، طالما ‏سلكت ومارست أدوار وظيفية توافقية في مساراتها النهائية مع كل موجة ‏استهداف طالت العرب كأمة.‏

الغرب الاستعماري، وقيادته العالمية، بريطانيا حتى نهاية الحرب ‏العالمية الثانية ،كما هي قيادته الحالية، الولايات المتحدة الأميركية، ‏سعى بكل السبل بالسيطرة والهيمنة على مقدرات الوطن العربي من ‏أقصاه غربا حتى تخومه شرقا، لاعتبارات استراتيجية تتعلق أساسا ‏بالموارد والمكانة الجيوبوليتكية الفريدة للوطن العربي، وارتباط هذه ‏الأهمية بصلب الاستراتيجيات الغربية في مفردات صراعها مع قوى ‏الشرق ، لكن استهداف دول الجوار العربي أخذ منحى أكثر بعدا ، تمثل ‏باجتثاث الأصل وصولا لإحلال ثقافة وهوية لا تقف عند حدود الاستحواذ ‏على الموارد حسب ، وأنما تسعى أولا الى أكبر وأخطر عملية ألغاء ‏للعرب كهوية وحضارة ووجود ودور ، الأمثلة بالدلائل عديد طبقا لفهم ‏مغزى وأبعاد ونتائج فصول الاستهداف.‏

ولدت الدولة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين كمخاض سياسات ‏بريطانية سرية مع حليفها الفرنسي، بدأت بالتخطيط المبكر لها من خلال ‏التحضير الميداني بدعم الهجرة اليهودية الى فلسطين عبر الدعم والتنسيق ‏مع المؤسسات الصهيونية التي سبقت قيام الدولة (الهس ترودت والوكالة ‏اليهودية والمكونات العسكرية)‏ كانت ولم تزل الوظيفة الأساسية للدولة الصهيونية تتمثل أولا في أعاقة ‏الوحدة العربية عبر أضعاف الأقطار العربية وجرها وأشغالها في حروب ‏تمتص قدراتها المادية والبشرية،بواسطتها أو عبر الحلفاء الإقليميين، في ‏فصول أعاقة مستمرة للنمو العربي.‏

القراءة العميقة لمغزى وأهداف اتفاقية سايكس ـ بيكو يشير بوضوح الى ‏أنها عملية استباقية ، استهدفت تحقيق عدد من الأغراض، تمثل أولها ‏الانتقال بمشروع بناء الدواة الصهيونية نحو خطواتها الإجرائية من خلال ‏رسم الخارطة السياسية التفتيتية للامة ترافق معها أغراق فلسطين ‏بموجات المهاجرين الاوربيين اليهود، لإيجاد الكتلة البشرية للدولة ‏القادمة ، وتمثل الهدف الثاني لتلك الاتفاقية ضرب البؤرة العربية المؤهلة ‏لبناء الدولة العربية في جزئها المشرقي، كون المشرق مثل أنذاك ، لجهة ‏مستويات الوعي الجمعي مقارنة بباقي الأجزاء العربية، مستوى متقدم في ‏الوعي القومي بما يؤهله لانبثاق الدولة العربية الواحدة في أطار العراق ‏وسوريا الكبرى، مما استدعى القوى الاوربية التخطيط لفعل استباقي ‏يجهض هذا الاحتمال، وهذا ما حصل لاحقا، حيث تم استيلاد دول ‏رسمت حدودها طبقا لغايات تخدم مخططات الغرب الاستعماري، خلافا ‏للوعود السرية التي منحتها بريطانيا لشريف مكة آنذاك في تكوين دولة ‏عربية مقابل مساهمة الحسين بن علي في الجهد العسكري البريطاني ضد ‏الدولة العثمانية.‏

الحلم العربي المدعوم بالحق كان على الدوام ضحية السياسات ‏السرية والدبلوماسية المخادعة الممارسة من أعدائها، والهدف ظل على ‏الدوام بجعل العرب كأمة في بوتقة جزر منعزلة تتقوقع في شرنقة قطريتها ‏النظمية وتفعيل ضعفها بالزج بها لاحقا في صراعات بينية، مرة على ‏حدود مصطنعة تستمد مرجعتيها من اتفاقية سايكس- بيكو، ومرة أخرى ‏عبر استقطاب بعضها وأسرها في أطار المصالح الغربية على حساب ‏الجزء نفسه وعلى حساب الامة.‏

في العصر الحديث، وعند بزوغ فجر حقبة أهمية مصادر الطاقة ‏للاقتصادات الغربية، تماهى الغرب الاستعماري مع أهدافه القديمة ‏باستهداف العرب في أثمن أجزاء الوطن لناحية الثروة وأجهاض ‏احتمالات توظيف الثروة في التنمية، فتحركت الشركات النفطية الغربية ‏لتستحوذ على المكامن النفطية في الخليج العربي وجزيرة العرب، ثم ‏تلحق الاحواز العربية بالدولة الفارسية عبر اغتصاب هذا الجزء العربي ‏‏(عام 1925)‏ لتكون ليس فقط جزء من فارس وأنما أيضا لتتحول فارس من دولة ‏شحيحة الموارد لا تمتلك القاعدة المادية بما يؤهلها للتدخل في الشأن العربي، حتى ‏امتلكت بهذا الاغتصاب للأحواز القاعدة المادية الثرية ولتتحول الى لاعب ‏أقليمي تدخلي يركز في سياسته الخارجية مبدأ التدخل في المحيط العربي ‏وبالأغطية التي تناسب كل عصر من العصور، شاه إيران السابق بحجة ‏حماية أمن الخليج العربي، ونظام ولاية الفقيه لاحقا بحجة الوصاية ‏المزعومة على التشيع.‏

قراءة فصول صراع الامة بوجه أعدائها تكشف هناك نقاط التقاء مصالح ‏إيرانية أميركية صهيونية، تتمركز حول هدف أضعاف العرب، وهو ‏هدف أوضحته السياسات الممارسة سواء الأميركية منها أو الإيرانية، ‏تجلت مراحلها الأولى في الموقف من العراق، حيث تماهى الموقف ‏الإيراني مع الأميركي بالانغمار في تفاهمات اتسمت بالسرية للتحضير ‏لاجتياح العراق، وبعد أن ماطلت إيران مطولا في عرقلة التوصل ‏لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية، وحين عجزت عن تحقيق نصر ‏عسكري باجتياح العراق قبلت وقف إطلاق النار اضطرارا ليس عن مبدأ ‏ورغبة في التوصل الى اتفاقية سلام دائم مع العراق بانتظار متغيرات دولية ‏وإقليمية تتيح لها إعادة أنتاج سياستها التدخلية تجاه العرب عبر البوابة ‏العراقية.‏

الدوائر الغربية الاستعمارية والأميركية على وجه الخصوص، طبقا لما ‏تكشف من وثائق، وضعت إيران في موضع استثمارها وتوظيفها كأداة ‏تنفيذ إقليمية في إطار مفردات الاستراتيجية الأميركية الصهيونية تجاه ‏الوطن العربي، تلك الاستراتيجية التي استلهمت ملامحها من تصورات ‏ديفيد بن غوريون، عبر رسم وظيفة الدول التي تحيط بأطراف الوطن ‏العربي (السنغال، إثيوبيا، تركيا، إيران) لتمارس سياسة قضم الأطراف ‏فيما يقوم الكيان الصهيوني بالعمل ذاته من القلب.‏

أتيح لإيران طبقا لهذه الوظيفة، ولغفلة وعجز النظم العربية وضعفها ‏البنيوي، الولوج الى النسيج المجتمعي العربي عبر الترويج للخطاب ‏الطائفي، باعتبار هذا الخطاب أمضى أسلحة شرذمة المجتمعات العربية، ‏مدعومة بالثروة المنهوبة من الاحواز العربية، فكان التوظيف والشحن ‏الطائفي أحد أبرز أنشطة وتوجهات السياسة الخارجية الإيرانية، ليس في ‏العراق حسب وإنما في أقطار دول الخليج العربي وسوريا ولبنان واليمن ومصر ‏والمغرب والجزائر والى أي مدى يمكن أن تصل أليه اليد الإيرانية.‏

هذا النمط من الممارسة التدخلية الخطيرة رغم عدوانيها وعلانيتها لم ‏تلاقي ممانعة من الدول الغربية الكبرى، بل على العكس تماما نجد دعم ‏واضح لها، وليس بغريب في هذا السياق أن تكون لندن مثلا مرتعا لأهم ‏المؤسسات المرتبطة بأيران المروجة بكل الوسائل للشحن الطائفي ‏التدميري، ما دام هذا المنهج يقع في إطار التلاقي في المصالح بين الغرب ‏وأدواته التنفيذية الإقليمية ومنها نظام ولاية الفقيه.‏

أدركت الدوائر الغربية المعنية بالشأن العربي (مراكز البحوث وخلايا ‏التفكير ومطابخ التخطيط للسياسات) أن العراق بنظامه الوطني قبل ‏الاحتلال بمواقفه القومية وفلسفة نظام الحكم ووزنه المؤثر يمثل الضمانة ‏لعرقلة وأفشال الاستهداف الغربي والإقليمي للامة، ومن هنا بات ملحا، ‏من وجهة نظرهم التخلص منه، ومن ثم ليصبح الباب مشرعا لتفعيل ‏التدخل المباشر في كل أقطار الوطن الكبير، وبكل وسائله وبأعلى درجات ‏الاستخدام والتوظيف الوحشي للأسلحة، المادية والنفسية والمخابراتية.‏

ما كان للفوضى المحسوبة والممنهجة أن تأخذ مدياتها التخريبية بالشكل ‏الذي يسود المشهد العربي الان دون ضرب أهم مرتكز قوة مثله العراق ‏على مدى ثلاثةعقود، فكان الحصار أولى مقدمات الاستهداف تمهيدا للغزو ‏والاحتلال المباشر للإجهاز على القرار السياسي المستقل وتدمير القاعدة ‏الصناعية والمعرفية، ثم الولوج الى أجزاء الوطن العربي لأكمال مشروع ‏ألغاء العرب مجتمعين، نظما ومجتمع لأعاده أنتاج السيطرة والهيمنة ‏الاستعمارية المباشرة.‏

كان العراق بؤرة الارتكاز في المنظومة العربية، لذلك فأن المساهمة ‏الجادة للقوى والفعاليات السياسية الشعبية العربية في دعم المقاومة في ‏العراق تمثل المدخل السليم والضروري لإعادة الفاعلية للعمل النضالي ‏في عموم الوطن العربي الكبير عبر مركزة العمل وتصويب الهدف بعد أن ‏تشتت هذه القوى بجزر سهل لأعداء الامة التعامل معها بسحبها نحو ‏غايات بعيدة عن مشروع بناء الدولة القومية بديلا للدولة القطرية العاجزة ‏بنويا مهما امتلكت من عناصر قوة منفردة، فتكامل العمل النضالي القومي وتوحيده أحد أهم ‏مدركات الوعي بأهداف وأغراض الاستهداف المعادي الشامل.‏

مشهد اليوم الممارس، كشف بوضوح التقاء مصالح أعداء الامة، بعد أن ‏تجاوزوا تناقضاتهم الثانوية لصالح الهدف النهائي الماثل بإلغاء الامة ‏وأحلال بديل هجين يتقاطع جذريا مع حقيقة الامة.‏

الشرط الموضوعي الكفيل بالتصدي للخطر القائم المتفاعل مع مكوناته ‏الدولية والإقليمية يتمثل في بناء منظومة تصدي عربي تحشد القوى ‏العربية الحية لتتجاوز في قدراتها مستوى التحدي بكل أبعاده العدوانية.‏

لم يعد هناك من وسيلة لمواجهة تداعيات هذا الاستهداف المركب إلا من ‏خلال العودة الى الجماهير العربية لبناء جبهة عريضة تؤمن بحق أمتها، ‏ذلك الحق الذي يراد وأده بتحالفات وضعت الامة في أولويات جدول ‏أعمالها، تمارس علنا كل أشكال العدوان الدموي في عموم أقطار الوطن ‏الكبير.‏

لن تنهض الامة، إلا أذا ارتفعت الى مستوى التحدي بفعل جماهيري منظَّم ‏يرنو الى الخلاص.‏

 

الاحتلال الأميركي للعراق

ستهدف العراق بالحصار أولا، ثم بالغزو ولاحتلال العسكري المباشر بعد ‏أن استكملت صفحة الحصار مهامها بأضعاف البنية الكلية للعراق.‏

قبل الغزو روجت أجهزة الدعاية الأميركية والبريطانية والعربية المتحالفة ‏معها وبشكل مكثف عددا من الدعاوى بالضد من النظام الوطني بحجة ‏تهديده لدول الجوار وعلاقته المزعومة بالقاعدة والسعي ‏لامتلاكأسلحةالتدمير وقدمثلت تلك الأنماط الدعائية والحرب النفسية جوهر ‏الحملة الدعائية المكثفة  لتبث قصص معدة سلفا على مدار ساعات اليوم ، ‏مدعومة بشهادات زور ملفقة ساهمت في ترويجها شخصيات أجنبية ‏وعربية مأجورة أضافة الى بعض العملاء العراقيين المجندين أصلا من ‏أجهزة ودوائر مخابراتية أجنبية ، كان الغرض منها إيجاد بيئة تبريرية ‏تبرر للغزو ومن ثم أسقاط النظام والدولة العراقية .‏

لم يكن غزو العراق واحتلاله للدوافع المضللة التي ذكرناها أنفا ، حيث أن ‏الغزاة يعرفون جيدا ، أن العراق ومنذ عام 1991 أثر العدوان العسكري ‏عليه لم يعد يمتلك أي قدرة على أنتاج أسلحة بالنوعية التي روجوها، ‏ولم يكن في نيته أو سياسته الخارجية الممارسة تهديد أيا من جواره بل ‏على العكس تماما كان يسعى وبكل السبل لإعادة علاقاته مع تلك الدول ‏بما فيها إيران ، ناهيك عن تقاطعه الكامل والجذري مع حركات الإسلام ‏السياسي المتطرف، بل أن العراق كان هو البلد الوحيد الذي نجح تماما ‏في أغلاق الأبواب أمام مثل هذه التوجهات للعمل في العراق .‏

اذن ما هي الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذا الاستهداف الذي تمخض عنه ‏تدمير الدولة العراقية؟

من المعروف أن النقلة الرأسمالية بثوبها الجديد في القرن الحادي ‏والعشرين طبقا للطروحات الفكرية الأميركية (نهاية التاريخ) و ‏‏(صراع الحضارات) تريد أن تجعل من هذا القرن، قرنا أميركيا خالصا، ‏لكن هذه النقلة تتطلب الإمساك والتحكم بأهم عناصر القوة في عصرنا ‏الراهن (مصادر الطاقة)‏‎.‎

فبدون الإمساك بها لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بالاقتصادات ‏الكونية فمصادر الطاقة المحررة تشكل معضلة أمام المسعى الأميركي ‏بنقلته الرأسمالية، لذلك عمدت الى توظيف عناصر القوة الشاملة العسكرية ‏والسياسية والدبلوماسية للاستيلاء على المكان الرئيسية لنفط العالم ‏وبالأخص النفط المحرر وطنيا خارج سيطرة شركاتها الاحتكارية.‏

المتمعن في التوجهات الأميركية حيال العراق والتي اختطها مراكز ‏التفكير والتخطيط الأميركي، يلاحظ أن العراق تحديدا قد حظي باهتمام ‏بارز جسدته عمليات إجرائية متعددة ، كان أبرزها فكرة الاحتواء ‏المتمايز خلال فترة تسعينات القرن الماضي ، خاصة بعد خروج العراق ‏منتصرا في الحرب العراقية الإيرانية ، وامتلاكه قدرات تطويرية لمفاصل ‏وحلقات صناعية متعددة في مجالات تطوير القدرات الصناعية ذاتيا مما ‏يشكل تقاطعا مع جوهر السياسات الغربية المعتمدة أزاء الوطن العربي ‏بمنع وعرقلة أي تطور صناعي جدي لأي قطر عربي مما يعتبروه تهديدا ‏لمصالحهم وأمن الكيان الصهيوني .‏

من الحقائق المؤكدة أن حجم الاحتياطيات النفطية الثابتة والهائلة في ‏العراق يجعل من هذا البلد صاحب الاحتياطي العالمي الأول اذا بوشر ‏بتوسيع الاستكشافات في عموم الأراضي العراقية ، وبذلك فهو ذي قيمة ‏جيو- اقتصادية وجيو- استراتيجية كبيرة ، اضافة الى أن العراق يتوسط ‏وفي قلب منطقة المعادن النفطية العملاقة في الإقليم ، فالخليج العربي ‏يتواصل معه والاحواز العربية الغنية بالنفط تلتصق به ، ومكامن بحر ‏قزوين ليست بعيدة عنه ، ناهيك على أنه يقع في مركز منظومة أنابيب ‏النقل في المنطقة شرق المتوسط ، وهو بذلك يؤثر فيها ويتأثر بها .‏

لكل هذا فالعراق هدف مغري للولايات المتحدة بنزعتها الاستحواذية ‏لغرض الإمساك به للتحكم بجيو- استراتيجية الطاقة على الصعيد الكوني، ‏الان وفي المستقبل.‏

لهذه الأهداف حشدت الولايات المتحدة الأميركية وحليفها البريطاني أهم ‏وأقوى الموارد والمرتكزات العسكرية فائقة التطور والقدرة النارية رغم ‏أنهم يعلمون جيدا أن القدرات الدفاعية العراقية قد أصابها الوهن الكبير ‏جراء فرض الحصار على العراق منذ عام 1991 أضافة الى استمرار ‏الحرب الفعلية عليه بواسطة القوة الجوية الأميركية والبريطانية عبر ‏سلسلة من العمليات الحربية استهدفت وركزت على ضرب وتدمير ‏الوسائل الدفاعية العراقية وصولا لأضعاف قوة الصد عند الشروع بالغزو ‏لاحقا.‏

بعد احتلال العراق عبر أكبر عملية تدمير منذ الحرب العالمية الثانية، ‏روجت الدوائر الأميركية عبر وسائل الاعلام، فكرة مفادها وقوع سلطة ‏الاحتلال بأخطاء كبيرة في إدارة العراق، كان هدف هذا الترويج ‏المقصود، التعتيم على الصفحة التالية للاحتلال بأبعادها التدميريةالمنهجية ‏التي ركزت على جملة من الإجراءات والممارسات منها:‏

-تدمير مرتكزات الدولة العراقية الحديثة بهدف بناء دولة مغايرة على ‏أنقاضها لا علاقة لها بدولة النظام الوطني وتوجهاته فكرا وفلسفة عمل ‏مزجت بين المتطلبات الوطنية وبعدها القومي.‏

-حل وتفكيك وسائل القوة والسيادة الوطنية، وأفساح المجال للفوضى ‏التدميرية لتأخذ مداها وبما يخدم توجهاتهم العدوانية.‏

-لم يغفل المستعمر الجديد، القوة المجتمعية في البنية العراقية، فعملوا ‏وشجعوا رسم خارطة أخرى للعلاقات والوشائج الاجتماعية التي كانت ‏تشكل اللحمة الوطنية الجامعة، فتم توسيع وتأصيل الخطاب التفتيتي، الذي ‏يتعامل مع المجتمع العراقي بصورة مغايرة لحقيقته، بالتعامل معه ‏باعتباره مجتمع أشتات وليس مجتمعا متماسكا من خلال توظيف الاثنيات ‏العرقية والطائفية اليات لهذا التوجه التفتيتي.‏

-العمل على تراجع العدو في الادراك العراقي الاجتماعي المتمثل بالعدو ‏الصهيوني واستبداله بعدو افتراضي جديد هو أرث النظام الوطني ‏وشخوصه والأصولية الإسلامية المتطرفة، بمعنى جمع الاضداد في ‏مصفوفة واحدة باعتبارها هي العدو البديل للعدو الصهيوني الحقيقي.‏

اذا أردنا أن نلخص الأهداف الأميركية بأبعادها الاستراتيجية من ‏احتلالهاالعراق، نستطيع التحديد بالآتي:‏

‏1 ــ الموقع الجيو ـ استراتيجي العملاق للعراق، وتوسطه الأقاليم ذات ‏الاحتياطات النفطية الكبرى.‏

‏2 ــ توافر الاحتياطات النفطية في البلد (المستكشفة وغير المستكشفة) ‏وعلاقتها بصراع وتنافس الولايات المتحدة مع القوى العالمية الأخرى.‏

‏3 ــ تطابق الابعاد (1 و2) أعلاه مع السعي الأميركي لأنشاء ما يسمى ‏بأقليم الشرق الأوسط الكبير، وجعل العراق الممول الرئيس لهذا الإقليم.‏

‏4 ــ إنهاء التجربة العراقية الوطنية بأبعادها القومية الرائدة.‏

‏5 ــ ممارسة منهجية منظمة لتدمير تراث العراق، وتصفيه علمائه في ‏محاولة ألغاء قدرة العراق، كقوة مجتمعية وعلمية مؤهلة ذاتيا لمعادلة ‏الإمكانات في مفردات الصراع العربي الصهيوني.‏

وعندما روجت الولايات المتحدة الأميركية خطة الخداع التي عبر عنها ‏انسحابها المموه عام 2011 ،والذي لم يكن انسحابا بالمعنى العسكري ‏الفني  لانسحاب قوات أجنبية محتلة ، وأنما جزء من خطتها لتحقيق ‏هدفين ، تمثل الاول بأعاده ترتيب أوراقها في العراق بعد الضربات ‏الموجعة التي تلقتها من المقاومة العراقية الباسلة وتزايد عدد قتلى أفراد ‏قواتها أضافة الى الكلفة العالية التي أرهقت الخزينة الأميركية ، أما الهدف ‏الثاني فقد مثله التواطؤ مع الشريك الإيراني لإكمال أنجاز خطة التدمير ‏بواسطة إيران وميليشياتها المسلحة التابعة لها .‏

اذا ما حاولنا تحليل البعد التاريخي المتصل بالحاضر للنظرة الإيرانية ‏تجاه غربها ، والعراق مدخلها ، يتضح لنا أن إيران كانت دوما مستعدة ‏للانغمار والتوافق مع أي عدو هاجم العراق ، انطلاقا من ترسخ فكرة ‏عدائية عبرت عنها ممارسات تاريخية ، فالنظر الى وادي الرافدين ‏والانحدار أليه من الهضبة الإيرانية كان هو النمط السائد لسلوك جميع ‏الاقوام التي حكمت إيران ، فكورش وداريوس وسابور والبويهيون ‏والصفويون والقاجاريون والبهلويون ، وأخيرا حكام إيران الحاليون ، لم ‏يفعلوا إلا نفس الفعل ، وأنما بوسائل مختلفة ، وشكلت هذه الحالة في ‏حقيقة الامر أحدى أهم معضلات العراق التي عانى منها طيلة حقب ‏التاريخ لتستمر فاعليتها في الوقت الراهن ، كانت المجابهة والغزو بديلا ‏من الجوار الطيب هدف في ما يعرف بأيران الان.‏

لقد أدرك الأمريكان أن التسلل الى المجتمع العراقي وضربه من الداخل ‏يحتاج الى أداة قادرة على التغلغل بحكم عوامل موضوعية تتداخل مع ‏النسيج المجتمعي العراقي، وهي (أميركا) تواطأت مع إيران لتسلمها ‏العراق لأداء هذه المهمة التي كان نظام ولاية الفقيه ينتظرها لتفعيل هدفه، ‏تصدير النموذج الإيراني إلى جواره العربي، العراق أولا، ثم باقي ‏الأقطار العربية لاحقا.‏

أن تفتيت المجتمع وشرذمته، يتطلب الارتكاز الى سياسة تحقق هذا ‏الهدف، لذلك عمدت إيران الى إبدال الوطنية بالطائفية التي تجد بذورها ‏إيرانية المنشأ، كي يتراجع الانتماء للوطن كحاضنة للمجتمع لصالح ‏التخندق والولاء للطائفةورموزها، فعملت على تأليب العراقيين ضد ‏بعضهم البعض وتفتيتهم أثنيات وقبائل وطوائف.‏

لخشيتها من الجيوش الوطنية النظامية ، وبعد أن مهد لها المحتل الأميركي ‏بحل الجيش العراقي الوطني ، عملت إيران على إيجاد تنظيمات مسلحة ‏ممولة وموجهة إيرانيا لتضمن الإبقاء على حالة صراع مجتمعي داخلي ‏يتفاعل سلبا وباستمرار لأضعاف العراق الى أبعد حد ممكن ، وتحويل ‏الأحزاب الطائفية بنسخها (أحزاب الله) إلى أحزاب إقليمية تتجاوز ‏الحدود لتشكل أذرع وأدوات إيرانية بالتدخل لصالح فكرة ولاية الفقيه ، ‏وهكذا نجد (حزب الله) في نسخه المتعددة ، بمرجعية إيرانية مركزية في ‏سوريا ولبنان والعراق ودول الخليج العربي والنسخة المستحدثة في اليمن ‏‏(أنصار الله) ‏

ورغم أن السائد اليوم كما يبدو من سطح الاحداث يتسم بقدر عالي من ‏الضعف ، إلا أن هذا لا يمثل عمق وحقيقة وقوة رفض شعب العراق لما ‏هو كائن على السطح ، فقوة الرفض تتصاعد في عموم أرض العراق ، ‏تشارك فيه جميع مكوناته بصرف النظر عن الانتماء الفرعي الضيق ، ‏هناك أرادة شعبية رافضة أدركت بوعيها وحسها ، أن المؤامرة على ‏العراق وعلى الامة يشترك في تنفيذها المحتل الأميركي وشريكه الراهن ‏المرحلي إيران ولاية الفقيه ، لذلك فأن القراءة الصحيحة للحدث تؤكد أنهم ‏لن ينجحوا في كسر إرادة شعب العراق واعتزازه بنفسه وانتماءه العربي‏، وهو ما أعرب عنه بجلاء في مقاومته الجليلة التي انطلقت ما أن دنس ‏المحتلون وأدواتهم أرض العراق.

 

الاحتلال الصهيوني لفلسطين.. الوظيفة والهدف

أسفرت متغيرات صعود الأيديولوجية الشيوعية في روسيا (عام1917) ‏عن مراجعة استعمارية جذرية لمناطق التواجد والنفوذ الغربي، البريطاني ‏على وجه التحديد.‏

ولما كانت منطقة المشرق العربي تمثل المرتكز البريطاني الأساس في ‏شبكة علاقاتها الاستعمارية، فقد تنبهت الإدارات البريطانية الى التحسب ‏من الارتكاز فقط على النظم العربية التي ظهرت بعد تقسيم التركة ‏العثمانية، ذلك أن تلك النظم ما زالت في طور بناء الكيانات القطرية ومن ‏ثم عدم قدرتها بالدفاع عن المصالح البريطانية في المنطقة، لذلك نجد أنها ‏شرعت بعد عام 1920 في زيادة وتيرة ضخ المهاجرين اليهود الى ‏فلسطين وصولا الى تعظيم الوجود الاستيطاني الأجنبي في فلسطين.‏

اتسمت الخطة البريطانية بالتنسيق الوثيق مع الوكالة اليهودية سياسيا على ‏الصعيد الدولي، ولوجستيا على صعيد الداخل الفلسطيني الذي كان أنذاك، ‏تحت الوصاية البريطانية، على الصعيد الاؤل تدرجت الخطة البريطانية ‏بأصدار وعد بلفور (1917) القائل بفكرة أنشاء وطن لليهود في فلسطين، ‏ثم تحولت هذه الفكرة إلى أنشاء دولة عربية تعطي لليهود فيها بعض ‏الحقوق، ثماستبدلت هذه الفكرة بفكرة أنشاء دولة ثنائية يشارك فيها العرب ‏واليهود، ثم استبدلت بأصدار قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين الى ‏دولتين عربية وإسرائيلية.‏

في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تتظاهر بتسويق دبلوماسية محاذية تجاه ‏الصراع العربي الصهيوني، كانت في الواقع تنسق بشكل معمق مع الوكالة ‏اليهودية لكسب الوقت لأجل استكمال بناء الدولة قبل إعلانها، حيث كان ‏هناك جيش صهيوني حقيقي مزود من بريطانيا ودول أوربية أخرى ‏بأحدث الأسلحة المتوفرة أنذاك عماده عصابات صهيونية مسلحة ومنظمة ‏تنظيما دقيقا (الهاغانا وشتيرن على سبيل المثال) وغيرها.‏

لقد وصل الدعم البريطاني والاوربي لبناء مرتكزات الدولة القادمة الى ‏مستوى بناء مصانع متكاملة للذخيرة والعتاد العسكري أضافة الى ‏الطائرات المقاتلة وبما تتجاوز قدراتها القتالية ما هو متوفر لدى الجانب ‏العربي.‏

وعند بدء الحرب النظامية العربية الصهيونية الأولى(1948) كانت الكفة ‏في ميزان القوى على صعيد القوة المادية والبشرية مرجحة بالكامل ‏لصالح العصابات الصهيونية، رافقها دعم سياسي ودبلوماسي دولي، ذلك ‏الدعم الذي ظهر واضحا بالاعتراف الفوري من قبل الولايات المتحدة ‏وحتى الاتحاد السوفيتي حال إعلان بن غورين قيام الدولة الصهيونية.‏

أن من أهم دوافع الغرب الاستعماري بالسماح باحتلال فلسطين واقامه ‏الكيان الصهيوني فيها، يتمثل باعتبارات استراتيجية بالغة الأهمية تمثل أولها ‏بكون الوجود الاستيطاني انما هو في حقيقته قاعدة استعماريةمتقدمة ترتبط ‏عضويا بالغرب ومصالحه في المنطقة، ومن ثم ليكون هذا الكيان حارسا ‏لهذه المصالح وتوظيفه لتولى تأدية مهام وظيفية في المنطقة والجسم ‏العربي منها:‏

-منع وأجهاض أي بادرة توحد عربي.‏

-ضمان تفوق الكيان الصهيوني العسكري، التقليدي وغير التقليدياستعدادا ‏لخدمة المجهود العسكري الاستعماري الغربي في المنطقة.‏

-جعل الأقطار العربية، سواء دول الطوق أو البعيدة عنها في حالة ‏استنزاف دائم بالسعي للتزود بالسلاح على حساب التنمية.‏

-ليكون هذا الكيان منطلق للاختراق الاستخباري للبنية العربية، مجتمعا ‏وعسكريا واقتصاديا.‏

-ممارسة أكبر قدر ممكن من التخريب في البنية العربية بوسائل متعددة ‏وبالتعاون الاستراتيجي الغربي مع الكيان الصهيوني.‏

-التنسيق العسكري والأمني والاستخباري مع دول الجوار غير العربية، ‏وبناء تحالفات معها تخدم التوجه المشترك المعادي للامة العربية.‏

دفعت المتغيرات الدولية في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي، ‏خاصة في الشرق، القوى الغربية، وبريطانيا تحديداً، الى الضلوع ‏في رسم خارطة جديدة للمشرق العربي ، بدأت أولها بأنشاء كيانات ‏عربية ترتبط معها بمعاهدات ملزمة مدعومة بقواعد عسكرية تأكيداً ‏للوجود والنفوذ البريطاني ، وقد أختص الكيان الإسرائيلي بدور كبير في ‏دعم السياسات الغربية ،وهو ما يفرض على هذا الكيان أن يتلاقى مع ‏استراتيجيات العمل المنفذة والمعدة للتنفيذ في الوطن العربي ،وبتوافق مع ‏قوى إقليمية، وربما يكون المثال المجسد الممارس التلاقي الإسرائيلي ‏الإيراني في نشاطهم المدمر في العراق ‏

منذ احتلاله عام 2003، فعمليات التصفية الجسدية الممارسة بحق علماء ‏العراق وناشطيه الوطنين تنفذ من خلال تعاون وتنسيق مباشر بين ‏عناصر الأجهزة الصهيونية والأحزاب الطائفية وأذرعها الإيرانية ‏المسلحة الموجهة من النظام الثيوقراطي الإيراني.‏

ربما تختلف بعض التوجهات من قبل أعداء الامة في بعض مفرداتها، ‏لكنها تتلاقى عند هدف مركزي ثابت ممثلا بممارسة كل أشكال ‏الاصطفاف والاستهداف بالضد من الامة وبما يهدد صميم أمنها القومي.‏

 

الاحتلال (الفارسي) الإيراني لإقليم الاحواز العربي

المعطيات الأساسية للإقليم

-عدد السكان العرب 11 مليون نسمة.‏

-تشكل نسبتهم الى مجموع سكان الإقليم 95%.‏

-الكتلة الأرضية للإقليم 375 ألف كيلو متر مربع تمتد من شرق محافظة ‏ميسان العراقية الى الشمال وعلى طول الساحل الشرقي لحوض الخليج ‏العربي بامتداد جنوبي حتى عنق مضيق هرمز في أقصى جنوب الخليج ‏العربي.‏

-الاحتياطي النفطي المؤكد 183 مليار برميل، بما يقدر ب 85% من ‏موارد إيران النفطية.‏

- تشكل موارد الإقليم المائية ما نسبته 35% من مجموع موارد إيران ‏المائية.‏

لم ينته التنافس بين روسيا الشرق وبريطانيا بسقوط القيصرية الروسية ‏عام 1917 وأنما أكتسب بعدا جديدا مضافا تمثل بإيديولوجية الشيوعية ‏التي أكتسبها وتبناها النظام الروسي الجديد وسعيه لمواجهة الغرب ‏بمفاهيمه الرأسمالية وتواجده في مستعمرات ووصاية وانتداببريطاني.‏

لقد شكل مؤتمر شعوب الشرق (عام1919) الذي رعته وتبنته السلطة ‏الروسية الجديدة أولى الإشارات على تصاعد مفردات التحدي للوجود ‏البريطاني في منطقة المشرق العربي ومناطق أخرى من العالم، مما ‏أستدعى من الدوائر البريطانية إعادة رسم سياستها لتأمين وحماية ‏مصالحها في أهم وأبرز المناطق في العالم ومنها المشرق العربي.‏

الخطوة البريطانية الإجرائية الأخرى كانت في الاحواز، الإقليم العربي ‏العربي الذي يشكل الحاضنة الشرقية للخليج العربي، فتواطأت بريطانيا ‏مع الشاه بهلوي لاقتطاع الإقليم وضمه إلى إيران نهائيا (عام1925 ) حين ‏دخل الجيش الإيراني مدينة المحمرة، عاصمة الإقليم، لإسقاطها وأسقاط ‏أخر حكامها الأمير خزعل الكعبي وبذلك انتهت هذه الامارة العربية.‏

مثل احتلال إيران لإقليم الاحواز تعبيرا عن التقاء المصالح الاستعمارية ‏البريطانية في لقاء مصالح استراتيجية مشتركة حيث سعت بريطانيا الى ‏تحقيق هدفين مزدوجين ، الاؤل مد إيران بعنصر قوة اقتصادية هائلة بما ‏يتوفر في الاحواز من مقومات كبرى في المقدمة منها توافر المكامن ‏النفطية الكبيرة، لتكون إيران دولة قوية تشكل سدا أمام نمو واحتمالات ‏تمدد الدولة السوفياتية بسعيها للوصول الى المياه الدافئة عبر الخليج ‏العربي ومن ثم في عموم منطقة المشرق العربي ، والهدف الثاني تمثل ‏بانتزاع الهوية المكانية العربية للخليج حين تصبح ضفته الشرقية جزءا ‏من إيران ، وبذلك يتحول الخليج من بحيرة عربية خالصة الى بؤرة ‏للنزاع المستقبلي بين العرب وإيران .‏

إيران من جهتها أدركت القيمة الجيوبوليتيكية الهائلة لإقليم الاحواز الذي ‏حولها من دولة، أو بعبارة أدق، من هضبة شحيحة الموارد إلى دولة ‏نفطية كبرى، وهي بذلك اعتمدت ومنذ عام 1925 تجاه العرب سياسة ‏استبدادية قاسية بضرب أي محاولة لاستقلال الاحواز واستعادة هويته ‏العربية،فالأحواز بالنسبة لإيران تعني الحياة لها وهو ما عبر عنه ‏الرئيس الإيراني حسن روحاني بالقول "بها نحيا".‏

لم تحظ قضية الاحواز كأقليم عربي مغتصب تعرض لاستعمار مباشر، باهتمام النظام السياسي العربي لجهة اغتصاب الأرض وقهر ‏الانسان فقط، ولم يدرك العقل النظمي العربي أن موارد هذا الإقليم تحولت ‏الى قاعدة اقتصادية تغذي التطلعات التوسعية الإيرانية في الأرض العربية ‏، فأيران ما دامت تمتلك موارد الاحواز المنهوبة سوف تبقى تستند الى ‏عنصر قوة اقتصادي كبير يغطي أكلاف مغامراتها التوسعية .‏

لقد اعتمد النظام السياسي الإيراني، سواء كان بهلوي أو طائفيا كما هو ‏حاله الان، سياسة اضطهاد قومي عنصري حاد، كما هو الحال في ‏النموذج الاستيطاني الإسرائيلي، عماد هذه السياسات فرض الحكم ‏العسكري الفارسي وإلغاء كل أشكال الهوية العربية لدرجة منع تدريس ‏اللغة العربية، والاستيلاء ومصادرة كل ما في الاحواز من كتب عربية، ‏والاستيلاء المنظم على الأراضي الزراعية العربية (يتكرر التشابه في ‏الممارسة بين النظامين (الصهيوني والإيراني) وعدم الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب العربي ‏الاحوازي الذي يخوض نضالا ضاريا ضد المستعمر الإيراني، ذلك ‏المستعمر الذي يمارس أبشع أنواع الاضطهاد والقتل حتى تجاوزت ‏معدلات إعدام المناضلين الاحوازيين الالف حالة معلنة سنويا، ناهيك عن ‏الاغتيالات التي تمارسها الأجهزة السرية الإيرانية.‏

قضية إقليم الاحواز لا تقف عند الحدود الجغرافية للإقليم، مثلما هي قضية ‏فلسطين، ولا تقف عند حدود أمن العراق بحكم الجوار الملتصق، وأنما ‏هي في جوهرها قضية الامن القومي العربي الشامل للعرب خصوصا في ‏المشرق والخليج العربي بضفته الغربية تحديدا.‏

لذلك لا يجوز التعامل معها باستحضارها موسميا في أطار الازمات ‏العربية الإيرانية، ومن ثم التخلي عنها عند أول بادرة تطبيع عابرة بين ‏الدول العربية وإيران، كونها تمثل حق عربي ثابت أضاعته وتأمرت عليه ‏الحسابات الدولية الاستعمارية التي استهدفت العرب كأمة مستعينة بأدواتها ‏الإقليمية من دول الجوار العربي.‏

دعم المناضلين العرب في كل ساحاتهم لثوار الاحواز في نضالهم ضد ‏المستعمر الإيراني انما هو أحد أهم مفاصل العمل لترصين الامن القومي ‏العربي الشامل في ساحاته المشرقية الأخرى، في فلسطين والعراق ‏وغيرها ‏انطلاقا من حقيقة أن الامن العربي غير قابل للتجزئة، فالعدو يستهدف ‏الامة بكيانها المكاني والثقافي والوجودي.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,950,211

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"