مسمار في جدار البرلمان!

جهاد بشير

على مدى سنوات الاحتلال، تزاحمت في المشهد العراقي نظريات كثيرة تبنّتها شخصيات يصنفها المجتمع العراقي على أنها (دينيّة)- بغض النظر عن الاتفاق مع المصطلح أو عدمه- لكنها عكست فقراً مُدقعاً في مجال الفكر والرأي السياسي المنضبط بالثوابت المعتبرة، أو في سياق الرؤية القائمة على مبدأ يستحق الاحترام.

 

ومما دار من حديث عن جدوى المشاركة في العملية السياسية، غث وسمين لم يبق عراقي إلا وعبّر عن وجهة نظره تجاهه، لما فيه من تماس مباشر مع واقع الحال، لاسيما وأن تجارب تلك السنين أثبتت أن جلّ نظريات الدعوة للمشاركة السياسية في ظل النظام الحالي في العراق، هي مجرد كلام لا يستند على حقيقة، فهو يتبعثر مشتتًا في وادٍ غير ذلك الذي تتعقد فيه الأحداث وتجري.

ومع وصول حال سنّة العراق إلى هذه المرحلة المظلمة، من تشريد وشتات في مخيمات النزوح، ودمار في المدن، وضياع لجيل كامل حيل بينه وبين التعليم، ووضع اقتصادي متدهور، وغير ذلك من أسباب سلب الحياة، يلفت الانتباهَ ما يتم تداوله مؤخراً من دعوة المكون السني للمشاركة في الانتخابات المقبلة، وكأن شيئاً لم يكن، بل وصل الحال بأحد الدعاة المرابطين على أبواب العملية السياسية أن يقول: شاركوا ولو لم تحصلوا إلا على مسمار في جدار البرلمان!

يقول هذا وهو يدرك جيداً أن المسمار المنشود لن يُعطى لهم حتى لو استقطبوا سنّة العالم أجمع للمشاركة في منظومة أنشأت أساساً على المحاصصة والتقسيم الطائفي، ورضي المشاركون في بنائها بنصيبهم الذي يتدنى بين كل دورة انتخابية وأخرى، حتى باتوا محترفين في ممارسة سياسة التنازلات والرضا بمستويات أدنى بفارق شاسع عن طموحاتهم، وصار الخروج على الناس بوجه ملؤه الكذب وهم يتجاهلون وعوداً قطعوها، وشعارات رفعوها، لم تتحقق ولن تتحقق، سجية أذهبت بما يرجوه العقلاء أن يروه فيهم من الحياء وصدق النية الذي يعكسه صلاح العمل.

ومن المفارقات، أن صاحب المسمار لم ينجح في أي نظرية قدّمها طوال حقبة العملية السياسية، ولم يجد مساحة أرض لتطبيق ما كان يدعو إليه من تقسيم البلاد بدعوى الفيدرالية والإقليم السني، ولم يُسمح لأي واحد ممن كان يصفهم بأنهم "القوى الفاعلة التي يُعتمد عليها داخل العملية السياسية"، للبقاء في المواقع التي مُنحت لهم وجاء نصيبهم فيها في سياق المحاصصة، بعدما كان يدّعي أن مشاركتهم ستفضي إلى تنفيذ مشاريع وإجراء إصلاحات، وما هي في الحقيقة سوى وهم ليس له من الحياة نصيب، ومجرد شعارات تتلاعب بمشاعر الناس، لأنها ذات خطاب طائفي خالص.

كل تلك التنظيرات كان القائمون عليها والمموّلون لها يعملون لكي تكون ذات زخم واستعلاء في الخطاب لتتحول إلى قناعة عند المجتمع العراقي السني خاصة، مع أملٍ جامحٍ في أن تحظى بدعم وسند جماهيري عام، وكانت تجري في وضع معقول- تجوّزاً- من ناحية الأداء السياسي بعمومه، بغض النظر عن الموقف المبدئي منه في العراق، ولكنها فشلت وسقط دعاتها من اللكمة الأولى التي كانت قاضية لدرجة أنها أزاحتهم عن الحلبة، ولم يكتف خصمهم بالرقص فرحاً واستهزاءً بهم، بل سعى ليحظر عليهم أي فعل آخر بما فيه ما اتفق عليه سلفاً بينهم، وأخذت تلك الخطابات والتنظيرات تتهاوى شيئاً فشيئاً حتى بات السياسيون السنة لا يقوى أحدهم على أن يدخل بلدته، رغم استخذائه على أعتاب مكاتب الميليشيات.

والآن، كيف يريد (المسماريون) مجدداً تحقيق مشاريع وطموحات في ظل الظرف الحالي لسنة العراق، بدعوتهم للمشاركة في الانتخابات في حال أجريت في موعدها الذي لا يعرف أحد منهم هل ستجري فعلاً أو لا؟!

وكيف يريدون إقناع الناس المحتجزين في سجون كبرى بمخيمات النزوح بأن عليهم أن ينتخبوا ويدعموا المشاركة السياسية التي يتلذذ بها أشخاص فارهون في العيش والأمن والحرية، في الوقت الذي لا يجد أحدهم قطعة خبز يسد بها رمق أطفاله الذين تطرقهم الأحداث على مدار الساعة؟!

لا يمكن لذي عقل أن يترك لحسن الظن مجالاً في تبرير الدعوة للمشاركة السياسية في العراق على أنها وسيلة إصلاح وتغيير، بل إن الواقع المدعم بالتجارب، يؤكد أن دعوات المشاركة المتواصلة رغم الإقرار والتصديق بفشلها وعدم جدواها، ليست إلا طاعة وولاءً تضع على رؤية المتبنين لها آلاف علامات الاستفهام، بشأن حقيقة انتمائهم لمنهج يدعو في ثوابته إلى عدم طاعة من جاءوا قاصدين القضاء على دين الإسلام وعقيدته، ويُحذّر من اتخاذهم أولياء.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :101,577,354

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"