عام 2017 عام الجرائم الكبرى ضد الشعب العراقي

الصورة: الأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية وميليشياتها في العراق واصلت انتهاكاتها لحقوق الإنسان في عام 2017 ببشاعة مقصودة.


ناجي حرج

ما هي الا أيامٌ قليلة وينصرف عنّا عام 2017، تاركاً لنا هموماً وأعباءً ثقيلة لن ترحل برحيله، بل ستظل ترافقنا وتسير معنا إلى عام آخر.

 

بالنسبة للعراقيين كان 2017 عاماً مليئاً بالاحداث، وللأسف الشديد، كانت في جلّها احداثاً مؤلمة وقاسيّة.  وقد طغت على هذا العام الاحداث المأساوية التي جرت في مدينة الموصل ضمن محافظة نينوى التي كانت قد خضعت لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي منذ حزيران 2014.

لقد كان ذلك السقوط المريع لهذه المدينة بأيدي مئات من مقاتلي التنظيم تعبيراً دامياً عن فشل السلطات في حماية المدينة رغم وجود وحداتٍ عسكرية كبيرة هناك. ولذلك فهنالك شكوك كبيرة من ان سقوط الموصل بيد داعش كان عمليّة مدبّرة، تشبه ما جرى للفلوجة التي كانت تطوّقها القوات الحكومية عندما استولت عليها بضعة عناصر من داعش في الأيام الأولى من عام 2014. ويبدو ان الهدف كان تدمير هذه المدن المهمّة في سفر مقاومة العراقيّين للغزاة وما لها من مكانة اجتماعيّة وتأريخية واقتصاديّة في حياة العراقيين ككل.

وتحت ذريعة تحرير الموصل من تنظيم داعش بدأت عمليات عسكرّية في تشرين الثاني/ أكتوبر 2016 واستمرت الى تموز/يوليو 2017، تعرّض أبناء الموصل خلالها الى ابشع عمليّات القتل والتهجير والاعتقالات التعسفيّة مصحوبة بعمليّات تعذيب ساديّة.

لقد اتهمت بعض القوات المهاجمة وميليشيات الحشد الشعبي الطائفيّة أبناء الموصل بالتعاون، او السكوت على احتلال داعش للمدينة، متناسيةً ان من سلّم الموصل الى داعش، وترك أهلها فريسة لبطش هذا التنظيم الإرهابي المتوحش، هي تلك الوجوه الفاشلة الفاسدة المجرمة التي باتت تتحكم بمصائر العراقيين منذ غزو العراق عام 2003 حيث أصبحت جزءاً من سلطة غاشمة تقوم على المحاصصة الطائفيّة وتشترك في تدمير البلد وإذلال أهله ونهب خيراته.

لقد عانى اكثر من مليون انسان من الموصل الحدباء اقسى الظروف مشردّين في العراء، في حين ذهب الكثير منهم شهداء امّا جرّاء اعدامات داعش، او عمليّات قوات التحالف وقوات السلطات العراقيّة وميليشياتها التي لا تلتزم بقانون. وخلّفت تلك العمليات مئات الالاف من الجرحى، بينهم الكثير من المعوقين.

وعندما انتهت العمليات العسكرية في الموصل في تموز 2017، كانت المدينة قد تحولت الى خراب تام، وغدت مدينة اشباح عدا عن مناطق معدودة كانت نسبة الدمار فيها اقل.

ولا يعني الحديث عن الموصل ان بقيّة مناطق العراق كانت بخير.

فقد بقيت المناطق الغربية تعاني من نكبتها بعد ان تعاونت داعش والقوات الحكومية على تدميرها، وبقي الكثير من أبنائها مشردّين، في حين ما تزال العوائل تبحث عن الالاف من أبنائها الذين غيبتهم الميليشيات التي كانت تتصيدّهم عندما يهربون من بطش داعش وحمم المعارك بحثاً عن ملاذ آمن. 

في العاصمة بغداد، والمدن الأخرى، تؤكد المعلومات، استمرار تدنّي الخدمات الاساسيّة. فلا مدارس عامة قد أُهلّت، إذ الدولة لم يعد يشغلها التعليم ولا المستوى العلمي، بل تركت آفة الآميّة تنخر جسد المجتمع مما حوّله الى مرتعٍ سهل لإنتشار الخرافات والخزعبلات الوافدة. كما لم يجرِ بناء مستشفيات او مراكز صحيّة او إعادة بناء المدمّر منها، وتجهيزها بما تحتاجه من الأجهزة الطبيّة. وينطبق القول نفسه على خدمات الماء والمجاري.

التطور الوحيد اللافت هو بناء المجمّعات التجارية الكبيرة (المولات) التي غالباً ما تعود لمتنفذين في السلطة أو لأقاربهم. لكن ما يؤسف له ان هذه المجمّعات التجارية تخلو من أية بضائع عراقيّة، فهي قد بُنيت من اجل تصريف البضائع الفاسدة (أو المُفسدة) القادمة من إيران وغيرها من الدول.

لقد اصبح العراق مجرد سوق واسعة لتصريف بضائع مختلف دول العالم ولم يعد ينتج شيئاً بعد أن كانت بضائعه تصدّر إلى أكثر من مكان في العالم قبل أعوام الغزو والحصار الظالم.

ولم يجلب العام 2017 شيئاً افضل للمواطنين في مدن الجنوب، بل ان المآسي ازدادت وتفاقمت حيث ترى الغنى الفاحش في أوساط أولئك المتسيدين أمور الدين والسلطة في حين يعاني (العامة) من الفقر والمرض وانعدام ابسط مستلزمات العيش.

يضاف الى ذلك فان (بركات) الثورة الإيرانية الخمينيّة بدأت تدبّ في هذه المدن عبر المخدرات وحبوب الهلوسة.

لقد إزداد عدد العاطلين عن العمل، وتضاءلت فرص الباحثين عن وظائف حيث بات الحصول على وظيفة يتطلب من الساعي اليها دفع معظم رواتبه (المستقبلية) مقدّماً. وهكذا فإن معظم من حصل على وظيفة تطلّب منه دفع رشوة، ربّما دون أن يعي أن ذلك يضعه تحت طائلة العقاب فيما لوكانت هنالك دولة يحكمها القانون.

العراق ما يزال يتصدر قائمة الفساد في العالم، فقد أنهى العام 2016 وهو بالمرتبة 166 ضمن أعلى الدول فساداً ولا تسبقه إلا دولة واحدة أو دولتان. وفي العام 2017 لم تتوقف السرقات بدليل انّنا لم نرَ سارقاً واحداً يقف أمام القضاء، بل يستمر استنزاف ثروة البلاد بمشاريع وهميّة يقف خلفها مسؤولون كبار من (عيار) نائب رئيس جمهورية، وزراء وبرلمانيون وقادة عسكريون، ناهيك عن المدراء العامين والسفراء وصولاً إلى أصغر درجات السلّم الوظيفي الذي بات يعجّ، إلاّ ما ندر، بالجهلة والاميّين وأرباب السوابق.

وعندما تتضارب مصالح مجموعة من السرّاق (الحكوميون) فقد يقع احدهم ضحيّة ابتزاز بتحويله الى القضاء، لكنّه سرعان ما يرفع بوجههم جوازه (الأجنبي) ويهرب بما سرقه إلى الدولة التي تحميه.

وللعام الرابع عشر على التوالي، منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ظل الاكاديميون والطبقة المثقفة هدفاً للعصابات وللميليشيات اذ تطال الاغتيالات سنوياً عدداً من خيرة الأساتذة والمحامين والأطباء. ومع الاغتيالات جاءت الهجمات الامريكيّة على المجموعة الثقافيّة في الموصل، بداية عام 2017، لتودي بحياة ما يقرب من 15 استاذاً جامعيّاً.

وفي عام 2017 بقي العراق اخطر دول العالم على الصحفيين، اذ تواصلت عمليّات الخطف والاغتيال. كما تعرّض عدد من الصحفيين للتهديد والابتزاز من قبل السلطات وميليشياتها. ولم تسلم المؤسسات الصحفية والإعلامية ومكاتب القنوات التلفزيونية من الاغلاق وسحب الرخص اوالتهديد بذلك.

لقد مثّل صعود الميليشيات على المسرح العسكري في العراق تهديداً مباشراً للسلم الاجتماعي، اذ راحت تمارس سلطات مطلقة من الاعتقالات والاعدامات الجماعيّة والتعذيب المُفضي إلى الموت تحت ستار محاربة الإرهاب. وكان الإرهاب بالنسبة لهذه الميليشيات المجرمة، التي انضوت شكليّاً تحت يافطة "الحشد الشعبي"، هو نصيب كل من يعترض على تصرّفاتها، وكل من يحاول البحث عن معتقل لديها، وكلّ من تلقي عليه القبض في الأماكن التي سيطر عليها داعش. والآن يحاول قادة هذه الميليشيات تسيّد المشهد السياسي في العراق أيضاً من خلال تشكيل أحزاب أو ائتلافات سياسيّة بهدف الترشّح للدورة المقبلة للبرلمان. عنذاك، سيكون العراق امام مأزق كبير جدّاً وستسود لغة العنف والإبتزاز اكثر من أي وقت مضى.

وبقي القضاء العراقي أداة طيعة لسلطة لا تشبع من القتل واراقة الدماء. فاحكام الإعدام تقرّر سلفاً وما على القضاة سوى التوقيع. وهكذا فمع نهاية العام 2017 يقف المئات على منصّات الإعدام ينتظرون تنفيذ الحكم الجائر لسلطة لا تعرف ما للحقّ في الحياة من قدسيّة. فقد تم في هذا العام تنفيذ اكثر من 100 حكمٍ بالاعدام كلّها تحت ذريعة الإرهاب! ومع فساد القضاء، وعدم حياديّته، لا تبدو في الأفق معالم لأي اجراءٍ ضد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في العراق. ولذلك ظل عتاة المجرمين طلقاء في حين يقبع آلاف الأبرياء في السجون والمعتقلات.

التدهور البيئي في العراق يستمر، ويتصاعد عاماً بعد عام، في ظل غياب إجراءات حقيقيّة لمشاريع الخدمات والمياه ولتحديث محطّات الصرف الصحي.

كذلك لا وجود لأية جهود لتخفيف الآثار البيئية للعمليات العسكرية التي لم تبق من المزارع والحقول شيئاً، فضلاً عن استخدام مفرط لشتّى أنواع الأسلحة، وخاصّة من الصواريخ والقنابر والقنابل العنقودية.

ورغم ان العراق عضو في معظم المعاهدات والإتفاقيّات الدوليّة الخاصّة بحقوق الإنسان، ولطالما تبجح وزير خارجيته بدور العراق في المجتمع الدولي وباحترامه لالتزاماته الدوليّة، إلاّ ان الواقع يُثبت أن ذلك مجرد ادعاء كاذب، فالعراق يكاد يخرق يوميّاً كل التزاماته الدوليّة ولا يطبّق شيئاً منها على أرض الواقع.

إن الانتهاكات التي تجري يوميّا للحقّ في الحياة، والصحّة والتعليم، ولحقوق المرأة والطفل، وحق السكن اللائق والحقّ في بيئة نظيفة، وللحقّ في محاكمات عادلة وعدم التعرّض للتعذيب، وللحق في الخصوصيّة ولحرّية الرأي والتفكير، وللحقّ في التجمّع السلمي وتكوين الجمعيّات والنقابات...الى غير ذلك من الحقوق الأساسيّة التي تنتهكها يوميّاً السلطات العراقيّة، إمّا بتشريعات تخالف التزاماتها الدوليّة أو بممارسات تنتهك تلك الالتزامات وتحيلها إلى مجرد حبرٍ على الورق.

وإذا نظرنا إلى المستقبل، وتركنا الحلول الجذرية جانباً، فلا يمكن للوضع في العراق أن يتحسن في العام 2018 إلاّ بحلّ كامل للمليشيات وتقديم قادتها إلى العدالة، محاسبة الفاسدين والمرتشين وتقديمهم لينالوا جزاءهم العادل ايضاً، وإطلاق سراح المعتقلين دون وجه حقّ ومحاسبة المسبّبين لذلك ومحاسبة كل من ارتكب انتهاكات لحقوق الإنسان مهما كان مستواه.

فمن يجرؤ على ذلك، وأين هي أجهزة الدولة التي تتولّى تنفيذه؟

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,781,767

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"