هل تستطيع مصر أن تقول: لا؟!

الصورة: مساعدات أميركا إملاءات وأواومر.

محمد سيف الدولة

يتعامل الأميركان مع دول العالم وكأنهم آلهة الكون وسادته، يُسقطون النظم ويأتون بغيرها، يدعمون الحكام ويعزلوهم، يحتلون الاوطان وينهبون الثروات ويقتلون الشعوب ويقسمون الامم ويغيرون الخرائط ويزيفون التاريخ ويموّلون المرتزقة والجواسيس ويفجّرون الصراعات والحروب الاهلية والحروب بالوكالة، وينهونها بعد ان يحققوا مرادهم منها وبعد ان يكونوا قد قرروا نتائجها ومن المهزوم والمنتصر فيها، من خلال تحكمهم في موازين القوى بتوريد الاموال والسلاح أو حظرهما عن هذا الطرف او ذاك.

ولطالما أذلّوا شعوبا ودولا كثيرة، وفرضوا عليها حصارا وعقوبات من باب الاستعباد والإخضاع والترويض.

فهل نستطيع ان نفعلها نحن هذه المرة رداً على قرارهم الاخير بتصفية ما تبقى من فلسطين وقضيتها، والاعتراف بالقدس عاصمة لـ(اسرائيل) ونقل سفارتها إلى هناك، ولألف سبب وسبب آخر؟

***

 

وانا هنا لا اتحدث عن الدول العربية وخاصة دول النفط التي يمكنها لو ارادت ان توجه ضربات موجعة إلى مصالح الولايات المتحدة بوسائل وادوات متعددة على رأسها سلاح النفط ومقاطعة اسلحتها ومنتجاتها واغلاق قواعدها العسكرية وسحب الودائع السعودية والخليجية من بنوكها ومصارفها...الخ، فهذا حديث آخر.

ولكنني اتحدث عن مصر، فهل تستطيع؟

والاجابة هى نعم بالتأكيد تستطيع، فنحن ايضا نملك عديد من الاوراق التي يمكن ان تمثل ادوات ضغط دائمة على الولايات المتحدة، يمكن ان تجبرها على التوقف عن الاستخفاف بنا ومراجعة عنجهيتها وسياساتها ومشروعاتها العدوانية ضدنا، والتخفيف من انحيازها الفج والمطلق إلى (اسرائيل)، والتراجع عن القرار الاخير بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ(اسرائيل) وتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية.

ويمكننا التعرف على اهم هذه الاوراق من واقع اعترافات وشهادات عدد من المسؤولين الأميركيين عن الخدمات التي تؤديها الدولة المصرية للولايات المتحدة على امتداد السنوات والعقود الماضية، نعرض بعضها فيما يلي :

الشهادة الاولى:

((في اغسطس 2013 وافقت السلطات المصرية على مرور البارجة الأميركية "سان انطونيو" من قناة السويس قبل مرور 24 ساعة من تقديمنا لطلب المرور، بينما في الظروف العادية تحتاج الموافقة إلى 23 يوما، وهذا مثل واحد فقط من التسهيلات التي نحصل عليها جراء التعاون العسكري مع مصر)).

*من شهادة دريك شوليت مساعد وزير الدفاع الأميركي في جلسة الكونغرس بتاريخ 29 اكتوبر 2013

***

الشهادة الثانية :

((مساعدتنا العسكرية لمصر ليست هدية، فهى تحقق لنا فوائد جمة، لا تقتصر فقط على الحفاظ على معاهدة السلام..

فبعد كامب ديفيد قدم الجيش المصري تعهدا بالتحول من نموذج التدريب والتجهيز الروسي للنموذج الأميركي، وكان ذلك قرار كبيرا لأنه انتقال كبير في المفاهيم والعقيدة والمعدات..

في عملياتنا العسكرية في المنطقة، لا نستطيع بدون مصر، ان نصل إلى المواقع الاستراتيجية فيها..

بدون قناة السويس وحقوق الطيران فوق مصر والتسهيلات بقاعدة غرب القاهرة وغيرها لا يمكننا تحريك أو دعم قوات الانتشار السريع وقوات الطوارئ .

لقد وفَّرت مناورات النجم الساطع في مصر لنا وللأوربيين مساحات واسعة للتدريب كان من الصعب الحصول عليها في مناطق أخرى..

لقد ظلَّت علاقة أميركا بالجيش المصري قوية جدا وذهبنا إلى ساحات المعارك سوياً وأعطونا كل ما نحتاجه لمواجهة حالات الطوارئ وكانوا بجانبنا اثناءها)).

*الجنرال انطونى زينى القائد السابق للمنطقة المركز الأميركية- في ندوة بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن- مايو 2013

***

الشهادة الثالثة:

الجيش المصري شريك قوى لأميركا والاستثمار فيه له عوائد كثيرة:

فهو يزيد من نفوذنا وتأثيرنا على القادة العسكريين

ويمثل عنصر تمكين للسياسة الخارجية الأميركية

ويعطينا مرورا تفضيليا في السويس وتحليقا ديناميكيا، وتعاوناً استخباراتياً، وتعاوناً في مكافحة الارهاب.

*من وقائع جلسة إعادة تنصيب رئيس الأركان الأميركى مارتان ديمبسى بمجلس الشيوخ الأميركى- لجنة القوات المسلحة- 18/7/2013

***

الشهادة الرابعة :

من تقرير مقدم إلى الكونغرس عام 2006 من مكتب المحاسبة الحكومى وتقارير مماثلة للكونغرس في عام 2007:

  • أنفقت مصر بين عامي 1999 و2005 مبلغ 3.8 مليار دولار لشراء معدات عسكرية ثقيلة من الشركات الأميركية وبما يوازي 80 % من إجمالي المشتريات العسكرية المصرية، وأن 52 % من مجموع المعدات العسكرية المصرية وفقاً لاحصاء 2005 هي معدات أميركية، وأن المساعدات العسكرية الأميركية تم استخدامها في استبدال المعدات التي كانت مصر قد حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي السابق بمعدات عسكرية أميركية عصرية .

  • قدمت مصر خدمات لوجستية ومباشرة للقوات الأميركية في العراق وأفغانستان، مثل السماح بعبور 36553 طائرة عسكرية أميركية في الأجواء المصرية خلال الفترة من 2001 إلى 2005.

  • منحت مصر تصريحات على وجه السرعة لعدد 861 بارجة حربية أميركية لعبور قناة السويس خلال نفس الفترة، ووفرت الحماية الأمنية اللازمة لعبور تلك البوارج..

  • بالإضافة إلى قيامها بنشر حوالي 800 جندي وعسكري من قواتها في منطقة دارفور غربي السودان عام 2004.

  • ان مساعداتها في عملية نقل الجنود في الحرب ضد العراق كان أساسيا لانجاح الغزو الأميركي، بالاضافه لمجهوداتها بعد الحرب لإعادة تأهيل العراق عربيا و عالميا في المجتمع  الدولي .

  • قامت مصر أيضا خلال نفس العام بتدريب 250 عنصرا في الشرطة العراقية و25 دبلوماسيا عراقيا.

  • إنشائها مستشفى عسكريا وإرسالها عددا من الأطباء إلى قاعدة "باغرام" العسكرية في أفغانستان بين عامي 2003 و2005 ، حيث تلقى أكثر من 100 ألف مصاب هناك الرعاية الصحية .

  • تأثير مصر في المنطقة محوري فيما يتعلق بمصالح أميركا في العالم العربي والاسلامي والدول النامية.

  • ان المساعدات العسكرية لمصر سوف تدفع بأهداف السياسة الخارجية لأميركا إلى الأمام في المنطقة.

  • وسوف تؤهل القوات المسلحة المصرية للمشاركة كحليف في العمليات العسكرية في العالم أجمع.

  • التدريب والتعليم الدولي العسكري للضباط المصريين يخدم مصالح أميركا في المنطقة.

  • ان تدريب المصريين على الوسائل المختلفة لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، يساعد على دعم المؤسسات والسياسات المتعلقة بالقوانين الاستراتيجية المسيطرة على التجارة .

***

الخلاصة هى ان الولايات المتحدة هى المحتكر الرئيس للتسليح المصري، وتتفاخر دائما بدورها في إعادة بناء وتأسيس الجيش المصري وتغيير عقيدته ومعداته بعد 1979، وتعتبره حليفا استراتيجيا مهما، وتشيد بالخدمات اللوجستية التي يقدمها لها والتي لولاها لما نجح غزوها للعراق، وتؤكد على الدوام انه لا غنى لها عنه، لفرض هيمنتها وتحقيق مصالحها في مصر والمنطقة، ناهيك عن مصالحها الاقتصادية المعتادة في اسواقنا.

وبالتإلي ومن واقع كل هذه الحقائق، فاننا نستطيع، لو اردنا، أن نفعل الكثير، وفيما يلي بعض الأمثلة:

  1. إيقاف التسهيلات العسكرية واللوجستية للقوات الأميركية في قناة السويس وفي المطارات والمجال الجوى المصري.

  2. التوقف عن قبول المعونة العسكرية، وتغيير واستبدال مصادر التسليح المصري. وكذلك المعونة الاقتصادية ببرامجها الثلاثة: برنامج الاستيراد السلعى الأميركى وبرنامج المشروعات الانمائية وبرنامج التحويلات النقدية.

  3. الامتناع عن اى تدريبات عسكرية مشتركة، وعن ارسال أي بعثات عسكرية للتدريب في أميركا.

  4. الانسحاب من أي محاور او تحالفات اقليمية او دولية اسسها الأميركان.

  5. إعادة تشكيل سياستنا وعلاقتنا وتحالفاتنا الخارجية والاقليمية على أساس مناهض للنفوذ الأميركي .

  6. إيقاف التعاون معهم فيما يسمى بمكافحة الارهاب وكذلك التعاون الأمني والمعلوماتي والمخابراتي.

  7. التوقف عن استقبال وفودهم التي لا تنتهى من رجال الكونغرس ووزارة الدفاع وممثلي الادارة الأميركية .

  8. المطالبة باستبدال قواتهم في سيناء ضمن ما يعرف بالـ MFO بقوات تابعة للامم المتحدة.

  9. التضييق على مؤسساتهم المالية والاقتصادية والدبلوماسية والتعليمية في مصر كالبنوك والشركات وموظفي السفارة وغرفة التجارة الأميركية ومجلس الاعمال المصري الأميركي والجامعة الأميركية..الخ. والغاء اتفاقية الكويز والتراجع عن أي اجراءات تشجيعية لاستثماراتهم ووكلائهم وشركاتهم التي تبلغ ما يقرب من 1200 شركة في مصر، مع التركيز على الشركات الكبرى العاملة في مجالات البترول والخدمات وتكنولوجيا المعلومات وغيرها.

  10. إطلاق يد حركات المقاطعة الشعبية للمنتجات الأميركية، وفتح المجال العام سياسيا واعلاميا أمام التيارات والشخصيات والكتاب والمفكرين المناهضين للتبعية الأميركية المفروضة على مصر منذ ما يقرب من 40 عاما.

***

كل هذا ممكن وغيره الكثير، ولكن هل تجرؤ ان تفعلها الادارة المصرية بدولتها العميقة ومؤسساتها السيادية ونظامها الحاكم، ام ان تحالفاتها الدولية والاقليمية ومصالحها الطبقية والاقتصادية والسياسية هى جزء لا يتجزأ من المصالح الأميركية؟!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,759,143

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"