إيران أمام التظاهرات من "ثورة تويتر" إلى "احتجاجات تلغرام"... الحجب ثمّ القمع

دجى داود

عام 2009، كان موقع "تويتر" لا يزال متاحاً في إيران. حينها، خرجت تظاهرات سُمّيت بـ"الثورة الخضراء"، شارك فيها الملايين، بعد إعلان فوز محمود أحمد نجاد بدورة رئاسيّة ثانية. عبر وسم #IRANELECTION، غرد الإيرانيون حينها، داعين للتظاهر، ووثّقوا خروجهم إلى الشارع. قُتل في تلك التظاهرات 30 شخصاً على الأقل، واعتُقل الآلاف.

امتلأت الصحافة الغربية حينها بالعديد من التقارير عن استخدام المتظاهرين لـ"تويتر" والبريد الإلكتروني، والمدوّنات، والرسائل القصيرة، لتنسيق الاحتجاجات ومشاركة المعلومات ولقاء المتظاهرين. كان الصحافيون أمام تدفّقٍ مفاجئ للمعلومات من إيران، أمرٌ غير اعتياديّ في ظلّ تعتيم السلطات الإيرانية على وسائل الإعلام.

في تقريرٍ لها حينذاك، قالت صحيفة "واشنطن بوست" إنّ فوريّة التقارير كانت مسيطرة. وأشارت إلى أنّ قوائم "تويتر" أظهرت تدفّقاً للمعلومات والتحديثات والروابط والصور ومقاطع الفيديو، التي رسمت صورةً عن حجم التظاهرات والاضطرابات المتنامية. أعطى ذلك مصدراً خارجياً للصحافيين، بعيداً عن رقابة السلطة للإنترنت. حتى أنّ بعض الصحافيين أطلقوا على "الثورة الخضراء" اسم "ثورة تويتر". أمام ذلك، حجبت السلطات الإيرانيّة مواقع التواصل.

في لقاءٍ مع "فورين بوليسي" عام 2010، قالت الصحافية في "إذاعة أوروبا الحرة" غولناز إصفاندياري، إنّ ربط الثورة الخضراء بـ"تويتر" كان تعبيراً مغرياً بعد الانتخابات الإيرانيّة، وكأنّه قصة تكتب نفسها. لكنّ الناشطين الإيرانيين استخدموا بشكلٍ أساسي الرسائل النصية والبريد الإلكتروني والمدونات لتنظيم الاحتجاجات، فيما بقي التواصل الشفهي الأكثر تأثيراً للتواصل والتنظيم. لم تكُن مواقع التواصل كـ"فيسبوك" و"تويتر" الأفضل في التواصل بين الإيرانيين، فهي تُستخدم في الغرب بشكلٍ أكثف، فكان النشر عليها بمثابة مصدرٍ للأخبار للعالم الخارجي.

"ليس تويتر سلاحاً سحرياً يُمكنه أن يجعل الجمهورية (الإسلامية) تختفي"، هكذا لخّص "ذي أتلانتيك" الأمر في مقالٍ عن الموضوع في ذكرى الثورة الخضراء عام 2010.

ونقل الموقع عن الكاتب الأميركي تشارلز كراوثامر قوله إنّ "تويتر لا يستطيع أن يوقف رصاصة. كان هناك الكثير من التفكير الرومانسي حول أنّ فيسبوك يمكنه أن يوقف عناصر الحرس الثوري. لا يمكنه أن يفعل. النظام الإجرامي والقمعي المستعد لإطلاق النار، يربح دائماً".

ورغم فشل "تويتر" في تنظيم التظاهرات حينها، لكنّ الثورة الخضراء كانت الحدث الأول الكبير حول العالم الذي تنقله وسائل التواصل بشكلٍ مباشر.

ونسبةً لمستوى القمع الإيراني، يُعتبر حجم المعلومات المنشورة بشكلٍ آني عبر وسائل التواصل غير مسبوق، فجلب العنف الإيراني ضدّ المتظاهرين في طهران إلى مرأى العالم، بحسب ما رأى "ذي آتلانتيك".

يتقاطع هذا المشهد مع ما تشهده الشوارع الايرانية اليوم.

في الثامن والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، خرجت تظاهرات في مدينة مشهد الإيرانية، قبل أن تشهد كلّ من كرمانشاه وقم وأصفهان احتجاجات مشابهة يوم الجمعة، وتستمر حتى اليوم. هذه التظاهرات كانت احتجاجاً على الوضع الاقتصادي للإيرانيين، وارتفاع الأسعار، ورفعت فيها شعارات تنتقد تصرفات الرئيس حسن روحاني وسياساته الاقتصادية.

لكنّ التظاهرات، عندما امتدّت إلى طهران، حملت أبعاداً سياسيّة أخرى، فردد المشاركون فيها هتافات مناوئة لروحاني والحكومة الإيرانية وسياسات النظام

ويُعدّ تطبيق "تيليغرام" للتراسل الفوري منصّة للدعوات للتظاهرات، والأخبار عنها. قُتل على إثرها حتى الآن 22 متظاهراً، واعتقل حوالى 400، بحسب تقارير إعلامية. 
وبينما تحجب إيران مواقع التواصل الاجتماعي، كان "تيليغرام"، إلى حدّ خروج تلك التظاهرات، بين التطبيقات القليلة المُتاحة في البلاد. كما يُعتبر من أكثرها نشاطاً وتداولاً، حتى أنّه لعب دوراً كبيراً في دفع الناس للإقبال على التصويت ونشر الخطب السياسية خلال الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة. فمن بين سكانها البالغ عددهم 80 مليوناً هناك ما يقدر بـ40 مليون شخص يستخدمون التطبيق المجاني الذي أسسه الروسي بافل دوروف.

على سبيل المثال، ساعدت قناة على تطبيق تيليغرام، تحت اسم "أمد نيوز"، يديرها الصحافي الإيراني المنفي روح الله زام، في تأجيج مشاعر الايرانيين، وتسهيل تظاهراتهم ونقل أخبارها إليهم.

لكن "تيلغرام" أغلق القناة، يوم السبت الماضي، بناءً على طلب وزير الاتصالات محمد جواد آذري جهرمي، بحجّة أنّها تُحرّض على العنف، قبل أن تحجب السلطات التطبيق نهائياً يوم الأحد.

ولعبت قناة "أمد نيوز" على "تيليغرام" دوراً كبيراً في نشر المعلومات عن التظاهرات، بحسب مغردين. واستغل زام التطبيق لمشاركة الأخبار والمعلومات التي ينشرها موقعه "أمد نيوز". فالمنشورات تضمنت توقيتات وأماكن للاحتجاجات فضلاً عن مقاطع مصورة للمتظاهرين وهم يرددون هتافات استهدفت المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس روحاني. لكنّ زام عاد وأطلق قنوات جديدة تنشر رسائل حول احتجاجات مقبلة وشارك مقاطع مصورة من التظاهرات، بحسب ما نقلت وكالة "أسوشييتد برس".

وأثار قرار تيليغرام انتقادات من المدافعين عن حرية الإنترنت والإيرانيين. ويوم الأحد، حجبت السلطات تطبيقي "تيلغرام" و"إنستغرام".

وليست هذه الاستراتيجيّة في التعاطي الإيراني مع حريّة الإنترنت بجديدة. فمنذ أكثر من عشر سنوات، يرتفع مستوى الرقابة على الإنترنت في إيران. في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، شهدت البلاد ارتفاعاً في نسبة استخدام الإنترنت. وبدأت الرقابة تبرز عام 2005، تحت إدارة محمود أحمدي نجاد.

وفي عام 2013، وصل عدد مستخدمي الإنترنت في البلاد إلى 46 مليوناً.

عام 2012، كان معدل 27% من مواقع الإنترنت محجوبةً في وقتٍ من الأوقات، بينما حُجبت حوالى 50% من أكثر 500 موقعٍ زيارةً حول العالم عام 2013، وبينها "يوتيوب" و"فيسبوك" و"تويتر" و"غوغل بلاس".

وتستخدم الحكومة الإيرانيّة سرعة الإنترنت كسلاحٍ لمنع المستخدمين من التواصل. فعام 2009، وبعد أيامٍ من الانتخابات الإيرانية، شهدت سرعة الإنترنت انخفاضاً كبيراً. وقبل أسابيع من الانتخابات عام 2013، وخلال العديد من المناسبات السياسية الحامية، وبينها الربيع العربي، تمّ خفض السرعة أيضاً.

تكرّر هذا الأمر يوم الإثنين الماضي.


نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,534,317

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"