الربيع الإيراني على الأبواب

علي الكاش

وأخيراً كسر الشعب الايراني حاجز الخوف الذي نصبه الحرس الثوري لحماية ولاية الفقيه ‏ونظامها الذي بدأ الصدأ يأكل في جدرانة الآيلة الى السقوط. وأغلق الرئيس ترامب باب الأمل ‏الذي فتحه اوباما لإيران عبر الإتفاق النووي. فقد أتاح الاتفاق بين مجموعة 5 زائد واحد لايران ‏الإستفادة من (120) مليار دولارا مجمدا، وكان يفترض أن يؤدي إلى إنتعاش الإقتصاد الراكد ‏وارتفاع مستوى المعيشة عند الشعب الايراني، وتقليص التضخم ونسبة البطالة العالية. لكن الذي ‏حصل هو عكس ذلك تماما، وهذا ما عبر عنه السيناتور الأمريكي (توم كاتن) " ان آيات الله فشلوا ‏رغم الحصول على مليارات الدولارات المجمدة من تلبية المتطلبات الأساسية للشعب، فقد تدفقت ‏الأموال الى العراق وسوريا ولبنان واليمن".‏

 

الإنتفاضة الجماهيرية الايرانية الجديدة ضد النظام القمعي اكدت للمراقبين السياسيين ان ‏الشعب الإيراني بات واعيا تماما الأسباب التي أدت الى وضعه المأساوي. فالشعب لم يستفد من ‏تحرير الأموال المجمدة قيد انملة وانما تسربت هذه الأموال الى دعم الميليشيات الموالية لأيران ‏في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغزة والبحرين وتغذية الخلايا النائمة في دول الخليج العربي ‏وافريقيا، ودعم قوى الإرهاب الدولي، وخرج الشعب الإيراني فارغ اليدين من هذه الأموال التي ‏بنى عليها الكثير من الآمال. لقد جاءت الانتفاضة الشعبية كردة فعل طبيعية للواقع الايراني ‏المتردي على كل الصعد.‏

حملت الشعارات التي رفعها المحتجون طابعين مهمين:‏

الأول: الطابع المحلي الذي يتمثل في رغبة الجماهير بالتخلص من مظاهر الفساد الحكومي ‏المتفشي في جسد النظام كله، وإنهاء حقبة الدكتاتورية المتمثلة بنظام ولاية الفقيه، وجاءت ‏الشعارات (الموت لروحاني)، (الموت للدكتاتور)، (الموت لخامنئي)، (الموت للغلاء) وشعارات ‏إنهاء الفساد والمطالبة بالإصلاح الحكومي. مع ملاحظة ان الشعار في البداية كان (الموت ‏للدكتاتور) دون تحديد الدكتاتور مع إنه واضح للعيان. لكن في اليوم الثاني إتسم بالصراحة وتغير ‏الى (الموت لخامنئي) بالإسم والخطوة التالية في اليوم الثالث تمثلت بتمزيق صور الخامنئي ونقل ‏الولي الفقيه من مقره الرئيس الى مقر عسكري سري.‏

وجاء وصف خامنئي بالدكتاتور موافقا تماما لتسمية ولي عهد المملكة العربية السعودية لخامنئي، فمن ‏سخر من هذا التشبيه، واعتبره غير موافق للولي الفقيه، وهناك من سفه التشبيه لغاية ما، فجاء رد ‏الشعب الإيراني ليلجمهم، فالوصف الذي أطلقه ولي العهد  السعودي محمد بن سلمان هو نفس ‏وصف الشعب الإيراني لخامنئي.‏

الثاني: الطابع الإقليمي، ويتمثل في الشعارات المرفوعة (اخرجوا من سوريا) (لا غزة ولا لبنان ‏نفدي بأرواحنا ايران) وهي دلالات على ان الشعب الإيراني يعي تماما ان خزينة النظام في الوقت ‏الذي يبخل فيه النظام الإنفاق على الشعب، فإنها سخية جدا مع الميليشيات الموالية لولاية الفقيه في ‏الدول العربية علاوة على تغذية الخلايا النائمة.‏

وكان الشعار الأخطر (نريد جمهورة ايرانية وليست جمهورية إسلامية) اي رفض ايديولوجية ‏ولاية الفقيه وما يترتب عليها من خزعبلات حول ظهور المهدي ومظلومية الشيعة ونصرة ‏المذهب وتصدير ما يسمى بالثورة البائسة، ومناهضة الإستكبار الدولي والشيطان الأكبر.‏

بلا شك أن من أشعل جذوة الإنتفاضة الجماهيرة يعود إلى عوامل أساسية داخلية وأهمها:‏

‏1. افلاس الشركات وطرد العمال وارتفاع معدل البطالة في البلاد، وتتباين  نسبة البطالة من ‏محافظة لأخرى وتترواح ما بين 12 ـ 60%.‏

‏2. ارتفاع مستوى التضخم الىى 9.6 % في حين ان المستوى الطبيعي لبقية الدول حوالي بنسبة ‏‏3%.‏

‏3. تشير المعلومات الرسمية إلى إرتفاع خط الفقر الى 25% اي حوالي عشرين مليون مواطن ‏يعيشون تحت خط الفقر، في حين ذكر رئيس مؤسسة الخميني للمعونات الانسانية ذكر بان (40) ‏مليون مواطن ايراني يعيشون تحت خط الفقر. و(15) مليون يعيشون في بيوت الصفيح.‏

‏4. سيطرة الحرس الثوري على ما يقل عن 30% من الموارد الإقتصادية في ايران. وقد صرح ‏‏(جانكير) نائب الرئيس روحاني انه اكثر من 70% من الدعم الحكومي للشركات الخاصة ضمن ‏ما يسمى بخصخصة الإقتصاد ذهبت الى الشركات العائدة الى الحرس الثوري.‏

‏5. قلة الإستثمارات وتراجعها بسبب الإنتكاسات المتتالية في الملف النووي من جهة وتخوف ‏رأس المال من المغامرة في مشاريع اقتصادية عبر نظام غير مستقر.‏

‏6. الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار، وزيادة الضرائب.‏

‏7. سياسة القمع والإضطهاد التي يمارسها النظام ضد الشعب، وتهميش القوميات غير الفارسية ‏من العرب والمرد والأذر وأهل السنة بشكل خاص.‏

‏8. ارتفاع مستوى الفساد الحكومي، فمرتبة ايران في الفساد (131) عالميا من بين (176) دولة ‏وفقا لبيانات منظمة الشفافية الدولية.‏

‏9. كبت الحريات العامة وتكميم الأفواه وفرض تعتيم إعلامي على ما يحصل في الداخل، وإنتهاك ‏حقوق الإنسان، وزج الآلاف من المواطنين في المعتقلات. لذا لم يكن غريبا أن يطالب بعض ‏المحتجين بعودة الملكية بعد معاناتهم من ما يسمى بالجمهورية. كما حصل في العراق بعد عام ‏‏2003.‏

‏10. فشل العهود التي قدمها الرئيس الإيراني لناخبيه، بما فيهم الذين انتخبوه ممن أطلقوا على ‏أنفسهم جماعة (نادمون)، سيما انه في حملته الإنتخابية أكد على تحسين العلاقات مع دول الجوار، ‏وإنتهاج سياسة الإنفتاح على الدول الغربية. كما انه بشر الشعب الايراني بتحسين الوضع ‏الأقتصادي و المعيشي بعد الحصول على الأموال المجمدة التي أفرج عنها اوباما، وبناء علاقات ‏جيدة مع العالم الخارجي، ما جرى هو العكس تماما.‏

أما العوامل الخارجية:‏

‏1.سياسة  التدخل في شؤون دول الجوار، وتصدير الإرهاب تحت ذريعة ما يسمى بتصدير الثورة ‏الإسلامية، والتي أثقلت كاهل الخزينة.‏

‏2. إرتفاع عدد القتلى الإيرانيين في سوريا والعراق واليمن، فقد جر النظام الشعب الى معارك لا ‏ناقة له فيها ولا جمل.‏

‏3. سياسة الحظر الإقتصادي على النظام، وتعثر الإتفاق النووي مما أدى الى صعوبة الحصول ‏على النقد الأجنبي وإبتعاد رؤوس الأموال الأجنبية عن ايران.‏

‏4. انخفاض اسعار النفط الدولي، فلم يتمكن النظام الايراني من اخراج اقتصادة من خانة الأحادي ‏الجانب الذي يعتمد على النفط كمورد رئيس للحصول على النقد الأجنبي، مما أدى الى تدهور ‏العملة قيمة الوطنية.‏

‏5. إستنزاف الخزينة الايرانية بسبب تمويل نظام بشار الأسد وحوثي اليمن وحزب الله في لبنان ‏والميليشيات العراقية الموالية لإيران، علاوة على الخلايا الإرهابية في دول الخليج.‏

‏6. صرف مئات الملايين من الدولارات في بناء الحسينيات في ارجاء العالم وتغذية الدعاية ‏المذهبية لنشر التشيع في آسيا وأفريقيا.‏

‏7. الدور السعودي والدولي في تأجيج نار الإنتفاضة، فقد أشار ولي العهد السعودي الى نقل ‏المعركة الى داخل ايران، وان كان ولي العهد لم يرسم خارطة النقل، لكن نتائج الخارطة أثمرت ‏بشكل سريع.‏

‏8. أخطاء النظام من خلال تحدي العالم بتطوير الصواريخ الباليستية رغم الحظر المفروض على ‏هذا الجانب، وتهديد دول العالم بما فيها الولايات المتحدة بهذه الصواريخ. وعدم التوقف عن دعم ‏الميليشيات الإرهابية التي زرعها النظام الإيراني في دول الجوار سيما في دول الخليج العربي، ‏وتصدير أطنان الأسلحة والذخيرة ـ منها التي عثر عليها مع خلية العبدلي ـ مما يؤكد عنجهية ‏النظام وعدم إحترام الشرعية الدولية.‏

‏9. الإستقطاب الدولي الذي حققته منظمة مجاهدي خلق كأفضب بديل لنظام الملالي، إذ لا يمكن ‏عزل الإنتفاضة الجماهيرية عن محركها الفاعل وهي منظمة مجاهدي خلق، والدليل على ذلك ‏إستجابة الجماهير المنتفضة للسيدة الرئيس مريم رجوي عندما دعت الشعب الايراني بأجمعه ‏للتضامن مع الإنتفاضة، وفعلا فقد إستجابت الجماهير الى دعوة الرئيس مريم رجوي حيث ‏توسعت دائرة الإنتفاضة الايرانية فوصلت الى العاصمة الايرانية وكرمنشاه بعد خراسان ومشهد ‏ونيشابور وزاهدان وشيراز والأحواز  وبلوشستان على الرغم من سياسة التعتيم الإعلامي التي ‏يمارسها النظام سيما انه اتبع وسائل القمع والإضطهاد ضد المتظاهرين، كما نوه الرئيس ‏الأمريكي والمسؤولون الغربيون.‏

بدأ التخبط في الإتهامات الإيرانية، فتارة تدعي ان الأسباب التي تقف وراء الإنتفاضة إقتصادية ‏بحته، وعندما رفع المحتجون سقف مطالبهم، إدعت ان هناك مؤامرة خارجية دون تحديد المتهم، ‏من ثم إتهم الحرس الثوري في بيان له الرئيس السابق أحمد نجادي بإثارة الإضطرابات، ووصف ‏الحرس الإنتفاضة بأنها فتنة جديدة. الحقيقة هي ليست فتنة ولكن سياسة النظام الخاطئة هي التي ‏أشعلت جذوة الإنتفاضة.‏

من المتوقع  أن يكون روحاني كبش الفداء لنظام ولاية الفقيه وربما يتم عزله بتحميله تدهور ‏الأوضاع الإقتصادية، علما ان الحرس الثوري هو الذي يمسك الداخل الإيراني بقبضة من حديد ‏والحرس الثوري هو الذي يسيطر على ما يقل عن 50% من الموارد الإقتصادية في ايران. وهو ‏الذي يدير العلاقات الايرانية الخارجية وليس روحاني. وسبق ان نوه روحاني بهذا الشأن. لكن ‏أفضل طريقة لإبعاد الخامنئي على المشهد السياسي هو القاء المسؤولية على روحاني. لكن هل هذا ‏التحول من شأنه أن يغير بوصلة المتظاهرين عن الخامنئي؟ الجواب كلا! لأن الشعب الإيراني ‏يدرك الحقيقة ويعرف من هو المسؤول عن ما آل اليه الوضع الكارثي للبلاد. انه الربيع الإيراني ‏الذي سيمتد ضلاله على العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج، فأهلا ومرحبا بربيع ايران ‏الذي ينتظره العالم كله وليس الشعب الإيراني فقط.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,765,676

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"