حكام إيران والشعب الغاضب، وجهاً لوجه!‏

جاسم الشمري

منذ عدة أيام وحتى الآن تزداد ضَرَاوَة المظاهرات الإيرانية الشعبية – ‏كانت شرارتها الأولى في مدينة مشهد قبل أن تمتد لعدة مدن أخرى- ‏المنددة بالعديد من الملفات السياسية والاقتصادية لحكام إيران، وتطالب ‏الزعماء الإيرانيين بالكف عن دعم نظام بشار الأسد وحلفائهم في العديد ‏من دول الإقليم، وكل ذلك على حساب أوضاع المواطنين الإيرانيين في ‏الداخل.‏

 

طلاب الجامعات الإيرانية كانوا هم أصحاب الشرارة الأولى في ‏المظاهرات الشعبية، وكان طلاب جامعة طهران من السباقين للخروج في ‏تلك المظاهرات الغاضبة على تردي الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، ‏ورددوا شعارات حادة ومعارضة لنظام الحكم " الإسلامي" في إيران.‏

المتظاهرون الغاضبون احتجوا على التضخم والبطالة، ونددوا بتركيز ‏حكومة طهران على الخارج وبالتحديد على سوريا ولبنان، وملفات إقليمية ‏أخرى بدلاً من تحسين الظروف المعيشية داخل البلاد.‏

المظاهرات الغاضبة بثتها بعض الوكالات الإيرانية، ومنها وكالة أنباء ‏مهر القريبة من المحافظين، والتي أظهرت صوراً مسربة من داخل إيران ‏لجموع المتظاهرين وهم يهاجمون مقرات حكومية، ومنها بلدية الدائرة ‏الثانية في طهران، ويضرمون النيران ببعض السيارات التابعة للشرطة ‏الإيرانية.‏

المواجهات بين الحكومة والشعب تطورت لدرجة وقوع ضحايا بين ‏المتظاهرين، ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن حبيب الله خوجاستهبور ‏نائب حاكم محافظة لورستيان، أن" شخصين قتلا وأصيب ثلاثة آخرون ‏خلال المظاهرات التي شهدتها مديرية دورود بمحافظة لورستان وسط ‏إيران".‏

حكومة طهران حاولت تبرئة نفسها من قتل المتظاهرين، واتهمت "أجهزة ‏مخابرات أجنبية" – لم تسمها- بالوقوف وراء مقتل المتظاهرين؛ بالمقابل ‏نشر ناشطون إيرانيون صورة عنصر الحرس الثوري الذي أطلق النار، ‏كما نشروا أسماء القتلى وهم:" محمد تشوباك ومحسن ويراشي وحسبن ‏رشنو وحمزة لشني، وقد تلقى أحد القتلى رصاصة مباشرة في قلبه".‏

وهكذا يبدو أن المظاهرات أخذت تتسع يوماً بعد يوم، وكأن صبر الشعب ‏الإيراني المضروب به الأمثال قد نفد، وهذا يؤكد أن طهران سائرة باتجاه ‏مرحلة جديدة، لا يمكن تحديد ملامحها الآن بسهولة لأن النظام في إيران ‏ما زال متماسكاً، ولا يمكن تصوره انهياره بين ليلة وضحاها.‏

قبل عام تقريباً كتبت مقالاً – ولم انشره- عن التدخلات الإيرانية في دول ‏المنطقة، واليوم يبدو أن اللعبة انقلبت على إيران، ولهذا نرى حالياً ‏احتراق الشارع الإيراني غضباً ضد الحكام الذين لم يلتفتوا للداخل، وكان ‏همهم تحقيق مصالح – ربما- بعيدة المدى للجمهورية الإيرانية، ولو على ‏حساب المواطن الإيراني.‏

إيران لا تنفك عن التدخل العلني والصريح في شؤون دول المنطقة ‏وبالذات في العراق وسوريا واليمن والبحرين وبدرجات أقل في دول ‏الخليج الأخرى ومصر وغيرها بحجج مذهبية أحياناً ودعوية وإنسانية ‏أحياناً أخرى.‏

وسبق للرئيس الأول لجمهورية إيران أبو الحسن بني الصدر، أن ذكر ‏بتاريخ 17/1/2000، على قناة الجزيرة أن" من سياساتهم الخارجية ‏إقامة حزام شيعي للسيطرة على ضفتي العالم الإسلامي".‏

والتدخل الإيراني المبكر في شؤون المنطقة يؤكد أن إيران لا تحترم ‏قواعد حسن الجوار ولا الأعراف الدبلوماسية ولا القوانين الدولية، وهذا ‏مؤشر خطير على أنها تنظر بفوقية لتلك الدول، وربما باستخفاف لبعضها ‏الآخر.‏

التدخل الإيراني في العراق – على سبيل المثال- وصل لدرجات مخجلة ‏حتى أنهم اعتبروا بغداد من المدن التي تأتمر بأوامر طهران – ومعها ‏دمشق وعدن وبيروت- وهذا في الواقع وصمة عار في تاريخ العلاقات ‏العراقية الإيرانية التي دخلت في إطار التبعية العراقية الواضحة لإيران ‏في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق.‏

الجرائم الإيرانية المستمرة في العراق أكدت لنا أنها لا تتوانى عن ‏التصفيات الجسدية والتهجير وبالذات للكفاءات العلمية والعسكرية، وأنها ‏حاقدة -حد النخاع- على العراقيين والعرب، وفي ذات الوقت تدعي أنها ‏تعمل من أجل المصالح المشتركة مع دول المنطقة، والحق أنها تسعى ‏لنشر الفكر الطائفي عبر استغلال الثوب المذهبي لدى البسطاء الذين ‏ينظرون لها على أنها تمثل قوة الاستكبار المعادي لأميركا، بينما التجربة ‏أثبتت أن العلاقات الأميركية الإيرانية متميزة منذ ثمانينيَّات القرن الماضي ‏وحتى الآن بدليل الضوء الأميركي الأخضر لها للعبث في المشهد العراقي ‏وغيره، وبالتحديد بعد العام 2003، وحتى اليوم.‏

وفي ضوء هذا التدخل الإيراني العلني نلاحظ أن الكثير من الدول العربية ‏تتعامل بدبلوماسية عالية، وربما بتغافل عن هذا التدخل، إلا أن بعض ‏الدول ومنها بعض دول الخليج العربي والمملكة الأردنية، تعاملوا ‏بصراحة كبيرة، وأكدوا على أن إيران تتدخل بصورة علانية في الكثير ‏من دول الإقليم.‏

في الأردن على سبيل المثال نلاحظ أنه سبق للعاهل الأردني عبد الله ‏الثاني أن أبدى تخوفه - وفي وقت مبكر (نهاية 2004)- "من وصول ‏حكومة عراقية موالية لإيران إلى السلطة في بغداد تتعاون مع طهران ‏ودمشق لإنشاء هلال يكون تحت نفوذ الشيعة يمتد إلى لبنان". ‏

وفي تأكيد للتشخيص الأردني قال مايكل بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات ‏المركزية الأميركية (سي آي أي) إن" إيران تقترب اليوم من تحقيق ‏الهلال الشيعي الذي لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة".‏

وفي ديسمبر 2016، عبّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية الفريق ‏الركن محمود فريحات، عن" قلق المملكة الأردنية من تمدد فصائل الحشد ‏الشعبي قرب تلعفر باتجاه سورية"، محذّرًا من "وصل إيران بلبنان عبر ‏حزام بري".‏

وفي نهاية العام 2016 اعتبر العاهل الأردني أن" إيران مسؤولة عن ‏تأجيج الصراع الطائفي في منطقتنا. وأنها تدعم منظمات تعتبر إرهابية".‏

وبالمقابل رفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي الاتهامات ‏الأردنية، مدعياً أن" إيران تسعى وتجاهد في الخط الأمامي لمكافحة ‏الإرهاب والتطرف"!‏

أرى أن "الإرهاب" الذي تسعى إيران- كما تزعم- لمكافحته هو "الإرهاب ‏المذهبي" المخالف لها، وعليه فهي ترتكب حماقة كبيرة في استعداء أكثر ‏من مليار وربع المليار مسلم في محيطها العربي والإسلامي، وهذا يؤكد ‏أن الحقد الإيراني الدفين جعلهم لا يفكرون بعقلانية ولا بمنطق حسن ‏الجوار والقانون الدولي.‏

التنبيهات والتحذيرات العربية جعلت إيران تحاول أن تظهر نفسها بمظهر ‏‏"القط الأليف"، إلا أن التجارب الماضية والحالية في المنطقة تؤكد أن ‏إيران ما زالت مصرّة على نفث سمومها عبر السياسات الفوضوية ‏والتخريبية في المنطقة، ولهذا لا يمكن أن ننظر لها نظرة أخرى بمجرد ‏تصريحات هزيلة من هذا المسؤول الإيراني، أو ذاك.‏

أظن أن على إيران الكف عن المشاغبات السياسية والتدخل بشؤون الدول ‏العربية وإلا فان ملفات الأحواز والظلم للمسلمين في إيران – إن حُركت ‏بجدية- يمكن أن تفتح النيران الدبلوماسية وغير الدبلوماسية على طهران، ‏وحينها لا ينفع الندم.‏

اليوم وبعد أكثر من عام على كتابة مقالي الذي لم أنشره أجد أن الملفات ‏في الداخل الإيراني قد بدأت تنفتح واحدة تلو الأخرى، ولهذا فان من ‏مصلحة إيران والإيرانيين انكفاء حكومتهم داخلياً، والانشغال بهموم ‏المواطن الذي يعاني من مآسي البطالة والتضخم وغيرها من الكوارث ‏الاقتصادية والاجتماعية، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدولة ‏الإقليمية، وأظن أن في ذلك الخير الكثير لإيران ولدول العالم.‏

والسؤال الأبرز هنا: هل سيقتنع ساسة إيران بضرورة الاهتمام بالداخل ‏الإيراني والكف عن سياسات التدخل في شؤون الدول الأخرى؟!‏

الأولى أن ننتظر، فربما سيكون للمتظاهرين الإيرانيين الكلمة الفصل في ‏المشهد الحالي المضطرب، وحينها سيكون لكل حادث حديث!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,326,138

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"