التسريبات صحيحة ولو كانت مُفَبركة

محمد سيف الدولة

بصرف النظر عن صحة التسريبات أو فبركتها، فإن كثيراً مما ورد فيها حول الموقف الرسمي المصري من (اسرائيل) قريب جدا من الحقيقة، وعلى الأخص فيما هو منسوب الى الضابط المُلَقِن، سواء كان حقيقيا أو مزيفا، من ان "الصراع مع (اسرائيل) ليس من مصلحة مصر الوطنية".

 

فالحقيقة ان هذا هو مربط الفرس في كل ما يحدث في المنطقة منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، التي بموجبها انسحبت مصر من الصراع ضد (اسرائيل) واعترفت بشرعيتها وبحقها ان تعيش على ارض فلسطين التاريخية ما عدا الضفة الغربية وغزة، مقابل استرداد سيناء مقيدة السلاح والقوات.

ومنذ ذلك الحين والخطاب الرسمي المصري والمواقف الرسمية المصرية تلتزم بفلسفة ونصوص اتفاقية السلام التي تنحاز الى امن (اسرائيل) على حساب الامن القومي المصري والأمن القومي العربي وحقوق الشعب الفلسطيني.

وهو ما ورد بالتفصيل في نصوص معاهدة السلام المصرية/ الاسرائيلية، ففي الملحق الامني منها قُيدَت ١٥٠ كيلومترا من سيناء من القوات والسلاح مقابل ثلاثة كيلومترات فقط داخل فلسطين التي يسمونها (اسرائيل).

وفي المادة السادسة تم النص على اولوية المعاهدة على ما عداها من التزامات ومن اتفاقيات دولية أخرى في اشارة ضمنية لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، كما تم حظر توقيع اي معاهدات اخرى مستقبلية تتناقض مع احكام هذه المعاهدة، وتم النص ايضا على ان المعاهدة والعلاقات المصرية/ الاسرائيلية سارية وملزمة بصرف النظر عن اي أطراف او احداث تقع خارج علاقة الطرفين، وهو ما يعني انه مهما قامت (اسرائيل) باعتداءات على العرب والفلسطينيين وحقوقهم وأراضيهم ومقدساتهم، فانه لا يحق لمصر ان تنسحب من المعاهدة او تنتهك اي من نصوصها وأحكامها.

***

هذه عينة مما ورد في نصوص المعاهدة على الورق، اما على الارض وفي الواقع العملي، فلقد تطورت هيمنة (اسرائيل) وأميركا على القرار والارادة المصرية، بحيث أصبحت لهما يد طولى في طبيعة وتوجهات النظام الحاكم في مصر بل وفي شخصية من يحكمها، او على حد قول الدكتور مصطفي الفقي عام ٢٠٠٩ حين قال ان رئيس مصر يجب ان توافق عليه أميركا وتقبله (اسرائيل).

***

كان هذا هو الموقف الرسمي المصري منذ ١٩٧٩ حتى اليوم، الا ان لعبدالفتاح السيسي إضافاته وبصماته الخاصة في هذا المضمار، فلقد ذهب بالعلاقات المصرية/ الاسرائيلية الى اعماق غير مسبوقة لم تكن لتخطر على بال السادات او مبارك نفسيهما، انه العصر الذهبي للعلاقات المصرية/ الاسرائيلية، انه العصر الذي قامت فيه (اسرائيل) لأول مرة بالضغط على الكونغرس الأميركي لاستئناف المساعدات العسكرية لمصر بعد ان كانت تطالب دائما بإيقافها، وهو العصر الذي لبى السيسي طلبها القديم الذي رفضه مبارك باخلاء الحدود الدولية من السكان وإقامة منطقة عازلة، وهو العصر الذي انحازت فيه السلطة المصرية علانية الى (اسرائيل) في عدوانها على غزة عام ٢٠١٤، وهو العصر الذي سحبت مصر قرار ادانة المستوطنات الصهيونية من مجلس الامن بعد مكالمة تليفونية من ترمب، وهو العصر الذي اجرى رئيس الجمهورية لقاءات سرية مع نتنياهو احدهما في القاهرة، والذي صدرت فيه احكام مستعجلة بتوصيف المقاومة الفلسطينية كمنظمات ارهابية واحكام مماثلة برفض توصيف اسرائيل كذلك لعدم الاختصاص، وهو العصر الذي طالب فيه السيسي عام ٢٠١٥ بدمج (اسرائيل) في المنطقة وتوسيع السلام معها لمواجهة المخاطر المشتركة، والقائمة تطول.

أضف الى كل ذلك سببا مهما لتأكيد طبيعة توجهات الادارة المصرية الحالية بعيدا عن القضية الفلسطينية وهو انه كان بمقدور مصر الرسمية وأخواتها، لو ارادوا، ان يستخدموا عديد من أوراق الضغط على الولايات المتحدة و(اسرائيل) للحيلولة دون صدور قرار نقل السفارة الى القدس، ولكنهم لم يفعلوا، ولا شك عندي ان ترمب قد استشار مؤسساته حول ردود الفعل المُحتملة من الدول العربية الحليفة والتابعة للولايات المتحدة مثل مصر ودول الخليج والأردن في حالة إصداره مثل هذا القرار، ومن الواضح ان كل التقارير جاءت مطمئنة مما شجعه على إصدار قراره.

***

والخلاصة هو ان الفلسفة الرئيسية التي تقوم عليها شرعية النظام الرسمي المصري منذ سنوات بعيدة، سواء كان هذا التسريب صحيحا ام لا، هو ان وجوده وبقاءه ومصالحه مع أميركا و(اسرائيل) وليس مع فلسطين ولو ضاعت كل الارض وأُبيد كل الشعب واغتُصبت كل المقدسات.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :100,545,370

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"