دلالة الاحتجاجات في إيران ومسألة الإرهاب

حسن أبو هنية

بذريعة "حرب الإرهاب"، عمدت الأنظمة السلطوية العربية إلى سحق الثورات الشعبية، وتمكنت من عرقلة مسارات الربيع العربي، وعبر البوابة السورية، حجبت مزاعم مكافحة "الإرهاب" استراتيجيات الهيمنة والسيطرة الإقليمية والدولية، وازدهرت حروب الوكالة. وقد تراجعت الديمقراطية والحريات والحقوق، وازدهرت شبكات الفساد ومافيات الحكم في العالم، بحجة التصدي لمؤامرات "الإرهاب" وتحقيق الاستقرار والازدهار.

لكن مع الإعلان عن تحقيق الانتصار على "الإرهاب"، الذي تجسد عالميا بدعوى هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية"، سرعان ما برزت التحديات الأساسية والحقيقية.

 

وفي دلالة لافتة، اندلعت الاحتجاجات الشعبية في أكثر البلدان استفادة من مسألة حرب "الإرهاب"، حيث شهدت إيران اندلاع احتجاجات شعبية تحمل مطالب اجتماعية، في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2017، في مدينة مشهد الواقعة شمال شرق البلاد، وامتدت لاحقا إلى العاصمة طهران ومحافظات أخرى.

كشفت الحركات الاحتجاجية المفاجئة في إيران، عن مفارقة لافتة، حسب فيكين شيتريان.

فالاندلاع المفاجئ للمظاهرات جاءت بينما كانت السلطات الإيرانية تحتفل بسلسلة من الانتصارات في عام 2017. وفي ظل امتداد غير مسبوق لنفوذها في الخارج، نكتشف فجأة هشاشتها الداخلية. فقد شهد العام المنصرم مزيداً من التوسع في النفوذ الإيراني خارجياً، وهو اتجاه كان موجوداً بالفعل من قبل، إلا أن قتال "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق وسوريا، عززه. ولا جدال في أن إيران هي الفائز الأكبر من القتال ضد داعش، أكثر من أي دولة أخرى تقاتل داعش، بل وأكثر من القوى العظمى، مثل الولايات المتحدة وروسيا، حيث كانت الآلاف من الميليشيات الموالية لإيران، سواء وحدات الحشد الشعبي في العراق أو ميليشيات شيعية مختلفة في سوريا، هي من وفرت جنود المشاة. وتلك القوات شبه العسكرية التي تنسق أنشطتها مع قيادة الحرس الثوري الإيراني، هي من ستبقى على الأرض، وستمدّ نفوذ الدولة الإيرانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

المفارقة وليس المعانقة، حكمت حركة الاحتجاجات في إيران، الأمر الذي يعكس تناقضات عميقة بين فهم النخب الحاكمة والجمهور لمسألة حرب "الإرهاب" ومنظورات الأمن القومي. إذ لا يمكن تبرير السياسات الداخلية الكارثية الفاشلة بإنجازات خارجية، مهما بدت نبيلة وناجحة، ولا يمكن مقايضة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية برهاب "الإرهاب". ففي الوقت الذي انتظرت النخب الحاكمة معانقة الجماهير بالانتصارات الخارجية، استيقظت على مفارقة مذهلة. فالاحتجاجات على ارتفاع أسعار السلع الأساسية وسوء المعيشة والفساد، سرعان ما تحولت إلى صيغة سياسية تندد بالانتصارات الخارجية، وبرز شعار "لا غزة، ولا لبنان، أعطي حياتي لإيران".

ثمة اتفاق بين الخبراء والباحثين على أن الحركة الاحتجاجية الحالية في إيران تختلف عن الحركات الاحتجاجية السابقة، إذ يقودها أناس عاديون تجازوا الانقسام التقليدي بين المتشددين والإصلاحيين. فما جرى يختلف عما حدث في تموز/ يوليو 1999، من احتجاج الطلبة السلمي من أجل حرية التعبير، ولا يدخل في إطار الانقسام الذي تجلى مع بروز "الثورة الخضراء"، عقب معارضة إعادة انتخاب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، في حزيران/ يونيو 2009، والذي توج باعتقال المعارضين البارزين في المعسكر الإصلاحي مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وهما لا يزالان قيد الإقامة الجبرية. وقد تم قمع الاحتجاجات، وألقي القبض على العديد من النشطاء. فبحسب حميد دياشي، كانت هذه الاحتجاجات "تدار من أجندة إيرانية"، كحركة تصحيحية داخل الإطار الثوري الإسلامي الإيراني. فاهتمام "الحركة الخضراء" يقع في إطار ما بعد الإسلام السياسي، حسب آصف بيات، الذي ينشد تحقيق المزيد من الحريات، وتوسيع حقوق الإنسان، وتحقيق الشفافية، وتحديد سلطة المرشد الأعلى، في إطار التمييز بين الديني والسياسي.

الحركة الاحتجاجية الحالية للشارع الإيراني تتميز بطابع مختلف. فهي حسب صحيفة "ميديابارت" الفرنسية، مواجهة بين المستبعدين من الاستفادة من النظام الحالي والمستفيدين منه، بين الفقراء المحرومين ومن امتلأت جيوبهم من أموال النفط، بين ضحايا الفساد الواسع ومن هم في واقع أمرهم أدواته. والواقع أن شخصيات معسكر الإصلاح إما التزمت الصمت منذ بداية الاحتجاجات أو نددت بها، ولهذا، فإن ما يبرز اليوم هو ما يمكن أن يعتبر قوة ثالثة على المسرح الإيراني، قوة غير منظمة وبدون قيادة.

الاختلاف في طبيعة الحركة الاحتجاجية الجديدة انعكس على سلوك النظام مع المظاهرات. فمع بداية الاحتجاجات، أظهر النظام اعتدالا نسبيا يتناقض مع العنف الذي ميز رد الحكومة الإيرانية على أحداث 2009. وقد خلفت الاضطرابات الحالية 24 قتيلا على الأقل وعشرات المصابين، فيما أوقفت قوات الأمن أكثر من ألف محتج. وتحاشي الرئيس روحاني مواجهة قاعدته الاجتماعية التي انتخبته، مؤكدا أنه "يتفهم بعض مطالبهم"، إلا أنه شدد من نبرته لاحقا، وقال إن الشعب الإيراني سيتصدى لمثيري الشغب والخارجين عن القانون.

إذا كان الإجماع منعقدا بين الخبراء والباحثين، على أن الحركة الاحتجاجية الحالية تختلف عن سابقاتها، فثمة شبه إجماع على قدرة النظام الإيراني على قمع الاحتجاجات الجارية وسحقها. وتبدو مسألة "الإرهاب" حاضرة في سيناريوهات كبح أي حركة احتجاجية، كما حدث في حالة "الربيع العربي". فقد باتت ذريعة "حرب الإرهاب" سيفا مسلطا على رقاب الفقراء والمهمشين والمحرومين، في كافة أرجاء المعمورة.

في سياق مسألة "الإرهاب"، أتحفنا المدعي العام في الجمهورية (الاسلامية) الإيرانية، محمد جعفر منتظري، بالكشف عن تفاصيل تأسيس "غرفة عمليات إثارة الاضطرابات الأخيرة في إيران"، وأنها مؤلفة من الأضلاع الثلاثة: أميركا والكيان الصهيوني وآل سعود، لإثارة الاضطربات في إيران، وهي ذات المفردات التي استخدمها نظام الأسد في مواجهة الحركة الاحتجاجية السلمية بداية 2011.

وبحسب المدعي العام الإيراني، فإن "المرحلة الثانية لهذا المشروع، مرحلة العنف والاشتباك مع رجال الشرطة والأمن والمسؤولين، وكذلك زعزعة الأمن في المجتمع. وبالتدريج، جمعوا عناصرهم في الداخل والخارج للهدف النهائي، وهو إسقاط النظام".

وقال إن "غرفة العمليات هذه، وبغية تنفيذ المخطط رقم 2، أخذ بنظر الاعتبار إطلاق غرفة عمليات في أربيل بالعراق وهرات بأفغانستان، لتسلل الدواعش التكفيريين إلى داخل إيران خلال تنفيذ الاضطرابات، وبالتالي خلق الاضطرابات المسلحة، وحسب تصورهم، السيطرة على المراكز المهمة وإنهاء القضية".

بصرف النظر عن وجود غرفة العمليات المزعومة، فإن السيناريو المتخيل للمدعي العام يتطابق مع ما حدث في سوريا تماما، حيث تقوم انتفاضة شعبية لأسباب مطلبية مشروعة، يجري استثمارها إقليميا ودوليا ومحليا للتخلص من المطالب المحقة والعادلة، تحت ذريعة محارية "الإرهاب".

وللمفارقة، فإن "داعش" لم يكن قد ولد في سوريا مع بداية الاحتجاجات آنذاك، كما أن الاحتجاجات الإيرانية الحالية تأتي مع الإعلان عن هزيمة "داعش"، الأمر الذي يكشف عن استراتيجيات التلاعب السياسي بالمسألة الإرهابوية، والاستثمار في لعبة "الإرهاب" واقتصادات "حرب الإرهاب". وكما يعلم الجميع، فإن إيران المستفيد الأكبر من مسألة الحرب على "الإرهاب"، وهي الأشد دهاء في التعامل مع المسألة الإرهابوية.

إحدى المفارقات في التعامل مع الاحتجاجات الإيرانية، أن الأنظمة الدكتاتورية العربية التي تقود الثورة المضادة على ثورات "الربيع العربي"، تحت ذريعة حرب "الإرهاب"، تتباكى على مصائر المحتجين، وتنعتهم بالثوار والأحرار، وتصف قضاياهم بالعدالة، ومطالبهم بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بالمشروعة. كما أن الولايات المتحدة الأميركية التي تدعم هذه الديكتاتوريات، سارعت إلى طلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن. وبينما كان المحتجون في العالم العربي يتعرضون للقتل بأبشع الطرق، كانت أميركا تزود الأنظمة السلطوية بالأسلحة والخبرات لقمع الثورات.

خلاصة القول، أن مسألة "الإرهاب" توشك على استنفاد أغراضها وأهدافها، وقد كشفت الاحتجاجات في إيران أن حدود الاستثمار في حرب الإرهاب بلغت غاياتها النهائية.

فعلى الرغم من المكاسب السياسية الخارجية الكبيرة بالتمدد والنفوذ، إلا أن مسائل السياسة الداخلية تبقى أساسية.

ولعل الإعلان العالمي المتسرع عن هزيمة "الدولة الإسلامية" سيولد موجة من الاحتجاجات المحلية في مناطق عديد في المنطقة، بانتفاء ذريعة حرب "الإرهاب" من جهة، وبروز أولويات شعبية مغايرة للاستثمار في مسألة "الإرهاب".

وعلى الصعيد العالمي، فإن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يتعرض لهزات لأسباب داخلية، ولن تفلح ذرائع حروب "الإرهاب" الخارجية من تخفيف حدة الضغوطات والانتقادات. وأما الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، الذي أعلن عن هزيمة "الإرهاب" قبل حلول الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي ستجري فى آذار/ مارس من هذا العام، فإنه بانتظار أزمات داخلية لا تمحوها "الفتوحات الخارجية".

وفي حالة الديكتاتوريين العرب، باتت مسألة حربهم على الإرهاب مهزلة بكافة المقاييس، وهم وحدهم سيتمسكون بمسألة "الإرهاب"حتى النهاية، ولكن الشعب العربي انتهى منهم منذ زمن حروبهم عليه بذريعة "الإرهاب".

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,343,977

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"