صفقة فاشلة أو إنجاز مهم: كواليس محضر 1951 وأزمة أراضي الكنيسة في القدس

«الادعاء أن 99 سنة هي فترة طويلة، ويجب عدم القلق مما سيحدث في حينه، ليس ادعاء صحيح. علينا أن ننظر بعيدا»، كتب في كانون الثاني/يناير 1936 الصحافي (الاسرائيلي) شوخمان في صحيفة «دافار» (الإسرائيلية). في حينه، قبل نحو 80 سنة، حذر من صفقة التأجير التي وقعت بين شركة يهودية ودير راتسبون في حي رحافيا في القدس. الصفقة مكنت من إقامة عدد من المباني «رأس رحافيا» كانت الأولى من بين صفقات التأجير مع الكنيسة. مثلما هو الوضع في حالات أخرى كان الأمر يتعلق بصفقة محدودة زمنيا ـ 99 سنة. بعد ذلك ترجع الأرض إلى أصحابها، الدير. «من خلال السعي إلى أرباح سهلة سبب هؤلاء الأشخاص مشكلة عامة جدية»، كتب شوخمان، «يجب أن يوضح لهؤلاء الأشخاص الذين يأتون للتفاخر أمام الجمهور بأعمالهم هذه، ما هي القيمة الحقيقية لهذا العمل وما هي الأخطار المترتبة عليه بالنسبة للجمهور».

 

الـ 99 سنة التي حددت لرحافيا في تلك الصفقة لم تنته بعد، هذا سيحدث سنة 2035، لكن من الآن يمكن أن نقول إن شوخمان تنبأ جيدا بأزمة «أراضي الكنيسة»، في العقود التي مرت منذ أن باعت الكنائس ـ في الأساس الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية ـ أراضيها في القدس لشركات خاصة. السكان الذين يعيشون في هذه الأماكن، أكثر من ألف عائلة، يقفون الآن أمام معضلة: أن يبيعوا بيوتهم بأسعار منخفضة جدا عن اسعار بيوت مشابهة لم تبن على أراضي الكنيسة أو أن يسكنوا فيها إلى حين انتهاء العقد، وعندها أن يتركوها من دون أي مقابل. ما ظهر في يوم ما وكأنه صفقة لملكية على شقة إلى الأبد يتبين الآن لسكان أحياء وسط القدس كصفقة لها تأريخ انتهاء، صفقة تهز حياتهم. في أعقاب احتجاج السكان والسياسيين شكلت وزيرة العدل اييلت شكيد لجنة لفحص الموضوع برئاسة نائب المستشار القانوني للحكومة، ايرز كامنتس. طرح على اللجنة أيضا مسألة لِمَ وافقت منذ البداية دولة (إسرائيل) والكيرن كييمت على التوقيع على اتفاقات تأجير كهذه التي كان من الواضح أنها ستعقد وضع العاصمة، وهل لم يكن بالامكان شراء الأرض من الكنيسة. مؤخرا عثر د. ميخائيل تسور، من لجنة انقاذ مستأجري الشقق في (اسرائيل) ـ وهي لجنة السكان المستأجرين على أراضي الكنيسة ـ على بروتوكول لجلسة المجلس التنفيذي للكيرن كييمت ل(اسرائيل) من عام 1951 يتعلق بالصفقة الأكبر التي وقعت مع الكنيسة اليونانية ـ تأجير مئات الدونمات في رحافيا، الطالبية ونيوت. المحضر يسلط الضور على هذه الصفقة وعلى مسألة هل الموقعون على الاتفاق فهموا تمامًا تداعياته على السكان وعلى القدس بعد عشرات السنين من ذلك الوقت.
منذ بداية القرن العشرين فإن قصة ازدهار القدس اليهودية الغربية مرتبط بقصة ضعف الكنيسة اليونانية في المدينة. فعليًا لولا ضعف الكنيسة فإن من شبه المؤكد أن القدس الغربية لم تكن لتنمو بالسرعة التي نمت بها. الخلفية لضعفها هي أحداث الحرب العالمية الأولى والثورة في روسيا التي في أعقابها حل بالكنيسة اليونانية، الكنيسة الأكبر والأقوى في القدس حتى ذلك الحين، أزمة اقتصادية شديدة. حتى الثورة كان الحجاج الروس والتبرعات من روسيا هي مصدر الدخل الأهم للكنيسة. كان لها مكانة خاصة في الامبراطورية العثمانية ورؤساؤها كانوا مقربين جدا من نظام الحكم. ولكن الثورة البلشفية وبعدها احتلال القدس من قبل البريطانيين أصابت بالضرر الشديد البطريركية التي وصلت إلى شفا الافلاس. من أجل منع ذلك ضغطت حكومة الانتداب على الكنيسة لبيع أراضيها، لحسن حظ الصهاينة، فإن البريطانيين صمموا على أن يتم البيع لكتل كبيرة وثمينة. الحركة الصهيونية كانت هي الجسم الوحيد الذي كان يمكنه تجنيد موارد لشراء تلك الأراضي الواسعة. هكذا، في 1921 باعت الكنيسة المناطق التي سيقام عليها مركز القدس ـ مثلث الشوارع المشهور (يافا، بن يهودا والملك جورج) والأحياء المحيطة به.
في الثلاثينيات وفي أعقاب الثورة العربية، امتنعت الكنيسة عن بيع مناطق أخرى لليهود وفضلت تأجيرها من أجل ألا تكون مركز للانتقاد العربي ـ وهو منع استمر حتى السنوات الأخيرة، عندها بدأت الكنيسة في بيع أراضي وعدم الاكتفاء بالتأجير لأمد طويل.

مشكلة المناطق

على الفور بعد إقامة الدولة في 1948 وقفت الحكومة أمام مشكلة: أراضي واسعة في غرب القدس، في منطقة رحافيا، الطالبية ووادي الصليب بقيت في أيدي اليونانيين، وإدارة الكنيسة ورؤساؤها بقوا في الجانب الشرقي للحدود، في الأردن. حسب اقوال د. امنون رامون، الباحث في معهد القدس لأبحاث السياسات، فإن (اسرائيل) الفتية أحسنت استغلال هذا الوضع. اليونانيون تلقوا رسائل بأن الحكومة ستقوم بمصادرة الأراضي أو منع نقل عملة أجنبية إلى الاردن اذا لم توافق الكنيسة على بيع الأراضي. لقد كان ل(اسرائيل) والبطريركية في ذلك الوقت عدو مشترك ـ خطة تدويل القدس: حسب قرار التقسيم كان على المدينة أن تكون تحت حكم دُولي.
البطريركية اليونانية خافت أن يكون هذا النظام منحازا إلى الكنائس الغربية لا سيما الميل نحو عدوتها التأريخية، الكنيسة الكاثوليكية. في المقابل، (اسرائيل) خافت من أن تنتقل القدس الغربية من أيديها إلى أيدي الأمم المتحدة. لذلك، عملت (اسرائيل) والكنيسة ضد هذه الخطة، وهذا التعاون سهل التقارب تمهيدا لعقد صفقة بينهما.
في المحضر الذي عثر عليه تسور تبين أن معارضا آخر لخطة التدويل، الملك عبد الله الأول، ملك الأردن الذي قتل قبل أقل من3 أشهر من النقاش، أوصى الكنيسة ببيع الأراضي ل(اسرائيل). «رجال الكنيسة زاروا الملك عبد الله، وهو بدوره نصحهم بالبيع»، أوضح في الجلسة رئيس الكيرن كييمت ابراهام غرانوت. خلافا للملك الأردني فإن القنصل البريطاني في (اسرائيل) والأردن وكذلك رئيس لجنة المصالحة التابعة للأمم المتحدة، أوصوا البطريرك بعدم البيع.
إن من قام بدور رئيسي في المفاوضات كان يعقوب هرتسوغ، الأخ البكر لمن سيصبح رئيسا في المستقبل حاييم هرتسوغ، ومدير قسم الطوائف المسيحية في وزارة الأديان. هرتسوغ الذي كان حاخاما ودكتورا، أجرى مفاوضات صعبة مع اليونانيين.
في رسالة لغرشون افنر، مدير قسم غرب أوروبا في وزارة الخارجية، تذمر من الصعوبات «اليوم تنهي معهم وغدا يطيرون من يدك، والفراغ الذي يتركونه يمتلئ بمرشحين جدد وتعود إلى الدوران التقليدي المرتبط بكل علاقة باليونانيين».
الرسالة تم اقتباسها في البحث الذي قام به رامون الذي كتب رسالة الدكتوراة الخاصة به في موضوع علاقة المسيحيين مع دولة (اسرائيل).
في الحكومة كان من اعتقدوا أنه يمكن مصادرة الأرض، لكن وزارة الخارجية عارضت ذلك، وكانت تحفظات لغرانوت أيضا. «يحتمل أن تتم إعادة طرح مسألة تدويل القدس في الجمعية العمومية للأمم المتحدة القادمة»، قال. «يجب الحذر من إغضاب الكنيسة اليونانية وباقي الكنائس». في النهاية أعلن البطريرك أنه يوافق فقط على تأجير المنطقة لمدة 99 سنة مقابل مبلغ 350 ليرة / الدونم سنويا (التي تساوي الآن 34 ألف دولار تقريبا في السنة عن كل المنطقة ـ مئات الدونمات). المحامي ابراهام ابرمان من مكتب افرايم افرامزون وشركاه الذي يمثل المشترين الجدد لأراضي البطريركية في رحافيا يدعي أن الثمن الذي دفعته الكيرن كييمت في الصفقة التأريخية كان فقط جزءا صغيرا من المقابل، لأنه في نظر البطريركية فإن أساس المقابل هذا كان الحصول على الأرض بعد مئة سنة مع المباني التي عليها. «هذا اتفاق يشبه اتفاق بي.أو.تي في مجال البنى التحتية»، قال ابرمان، «المقابل الأساسي منخفض والمقابل الإضافي هو الحصول على العقارات بعد مئة سنة حيث تكون مبنية وجاهزة».
وهكذا فإن الاتفاق الذي وقع لا يترك أي مجال للشك بخصوص وضع العقارات في نهاية فترة التأجير، كتب فيه أن الكيرن كييمت تتعهد بإرجاع المنطقة مع المباني التي عليها «بوضع جيد، من دون أي ديون أو قروض… ولا يتم دفع أي مبلغ من جانب البطريركية مقابل تلك المباني أو البنى التحتية التي أقيمت على الأرض». لذلك فقد اضطرت في النهاية الحكومة والكيرن كييمت على الموافقة، لكن ليس قبل ان يتم بذل محاولات لتغيير الشروط. أحد المتحدثين، السيد كاستن بويم (كما جاء اسمه في البروتوكول) اقترح أن يتم ادخال بند في الاتفاق يمكن من الحصول على الملكية الكاملة على الأرض في المستقبل. ولكن هذا البند لم يتم إدخاله إلى الاتفاق. أيضا اقتراح شخص باسم حزان أن يتم ادخال بند يمكن الكيرن كييمت من شراء الأرض بسعر كامل، لم يتم إدخاله. متحدثون آخرون من بينهم الرئيس غرانوت وافقوا على أنه لا يوجد ما يقلق، حيث أن دولة (اسرائيل) تستطيع حل هذه المسألة بعد 99 سنة. «بعد مئة سنة وأكثر ستكون دولة (اسرائيل) قوية جدا ولا يوجد ما يقلق بشأن مصير الأرض المؤجرة»، شرح الرئيس.
في الأقل متحدثان أشارا بالإيجاب إلى حقيقة أن الصفقة ستعزز الكيرن كييمت تجاه الداخل، في فترة حاسمة يجب عليها أن تجد مكانها بالنسبة لمؤسسات الدولة الآخذة في التشكل.

الحكومة أو الكيرن كييمت

أعضاء قيادة النضال على قناعة بأن بذور الأزمة زرعت في تلك الجلسة. الكنيسة تعلمت من تلك العقود أنها تستطيع أن تؤجر بثمن إعطاء ملكية من دون نقل الملكية: في أعقاب هذه الصفقة تم عقد صفقات أخرى لتأجير أراضي في القدس وفي البلاد لرجال أعمال وشركات ـ ليس عن طريق الكيرن كييمت، هكذا كتبوا للمحامي كامنتس. «الكيرن كييمت لم تستكمل شراء الملكية ومن استأجروا الشقق كانوا أدوات في أيدي الدولة والكيرن كييمت».
د. رامون يختلف مع الادعاء أنه كان يمكن التوصل إلى اتفاق أفضل. حسب أقواله فإن اتفاقات التأجير في بداية الخمسينيات كانت إنجازا سياسيا وعقاريا جيدا للدولة الفتية. «نحن ربما ننسى قليلا سنوات عمره السبعين، لكن في تلك الأيام فإن مسائل «ما هي هذه الدولة؟ هل سيمكنها الصمود؟ وهل القدس الغربية ستبقى في أيدي (اسرائيل)؟ كانت أسئلة غير واضحة تماما»، شرح. «في كل هذا الأمر كان يجب بناء عاصمة، وهم نجحوا في تمرير الاستئجار لـ 99 سنة، هذا إنجاز كبير».
كوبي بير، مخمن ووسيط متخصص في مسألة إراضي الكنيسة، يوافق على هذه الأقوال. «كان للكنيسة مشكلة دينية وسياسية في الاعتراف بدولة (اسرائيل)»، شرح. «حتى في عام 2000 عندما استطاعت الدولة حل المشكلة فإن الحد الأعلى الذي كان يمكن التوصل إليه هو تمديد التأجير». من جهة، من الواضح أنه بالنسبة لوقته كان هذا إنجازا، قال مصدر مقرب من البطريركية. ومن جهة أخرى من الواضح أنه خلال السنين كانت هناك حالات كثيرة كان بإمكان الدولة فيها أن تشتري الأراضي ولكن كان هناك إهمال من جانبها.
مهما كان الأمر، يؤكد رامون أن نشطاء قيادة النضال محقون بأن الأمر لم يكن يتعلق بصفقة للكيرن كييمت. الكيرن كييمت كانت الذراع التنفيذية للحكومة في هذه الصفقة، والمسؤولية عن الوضع الذي نشأ تقع على الحكومة. يدعم هذا الموقف أيضا نافا بن تسور، من قادة كفاح المستأجرين: «الاهمال يتمثل في أنه لم يكن حل هذه المشكلة بعد عشر أو عشرين سنة من الاتفاق على جدول الأعمال».

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,950,293

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"