الفلسطينيون فقدوا مساعدات صدام حسين

ملاحظة أولية من هيئة تحرير وجهات نظر

نشر هذا المقال في 16 أيار/ مايو 2003، وهو لكاتب أوروبي، كتبه بعد معاينات ولقاءات ميدانية مع الأسر الفلسطينية التي استفادت من دعم العراق للانتفاضة الفلسطية، وللشعب الفلسطيني بكل فصائله، دون تمييز.

واليوم، حيث يعاني شعب فلسطين من قلة الناصر وخذلان الشقيق، رأت وجهات نظر إعادة نشره، دون تدخل في ما ورد فيه، للتذكير بمواقف قومية أصيلة كان العهد الوطني في العراق حريصاً علىى القيام بها، كواجبٍ أخوي، رغم ضراوة الحصار الشامل الذي كان مفروضاً على شعب العراق، بينما يصرُّ بعض المستفيدين من تلك المواقف على تناسيها خدمة لمشاريع معادية للأمة ولقضية فلسطين العربية المحتلة.

هيئة التحرير


جوستن هوغلر

مع سقوط نظام صدام حسين توقفت ملايين الدولارات التي كان يرسلها صدام لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد (إسرائيل) على نحو مفاجئ. لن تستطيع أن تصدق 12.5 مليون دولار أميركي من الأموال العراقية قد مرت من خلال بيت من طابق واحد في الريف، يقع وسط المزارع الطويلة لبيت حانون، بالقرب من الحدود بين قطاع غزة و (إسرائيل)، ولكن صاحبه هو الرجل الذي اعتاد على توزيع مساعدات صدام النقدية.

تبدو المظاهر خداعة في قطاع غزة: فبيت حانون تبدو في الشمس الحارقة مكانا هادئا، ولكن في الليل هناك معارك منتظمة بالأسلحة بين الجنود (الإسرائيليين) والمسلحين الفلسطينيين، ويقول السكان إنهم اعتادوا على الذهاب والمبيت خارج المدينة خوفا من نيران الأسلحة ليلا.

ويعتبر مبلغ 12.5 مليون دولار منحة صدام لقطاع غزة فقط منذ اندلاع الانتفاضة في أيلول/ سبتمبر 2000. ويعتقد انه ربما كان هناك مبلغ أكبر من هذا قد خصص للفلسطينيين في الضفة الغربية. فقد حدد صدام 20 % من عائد برنامج النفط مقابل الغذاء للفلسطينيين.

وعلى النقيض من الادعاءات الأميركية و (الإسرائيلية)، ليست كل الأموال ترسل دعما للعمليات الاستشهادية. على رغم أن هاك جزءا معتبرا من هذه المساعدة، يذهب إلى أسر الاستشهاديين الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات في عمق (إسرائيل)، فإن ملايين من أموال صدام ترسل كذلك إلى أسر المدنيين الفلسطينيين الأبرياء الذين قتلوا في عمليات الجيش (الإسرائيلي)، وهو شيء يحدث تقريبا يوميا في الأراضي الفلسطينية.

ومن غير الواضح ما إذا كان صدام أرسل أيضا أموالا إلى المجموعات المسلحة الفلسطينية التي تنفذ هجمات استشهادية. فإذا كان فعلا قد أرسل فإن صاحب البيت زينين لم يوزع تلك الأموال. وقال زينين «آخر وقت وزعنا أموالا كان في 21 آذار/  مارس الماضي». إذ يضع النظام العراقي المبالغ في حساب مصرفي كان زينين مسئولا عنه وبدوره يوزعها شخصيا. ووفقا لما يقوله فإن الحساب مكشوف الآن اذ «لم يعد هناك مال يأتي من العراق، فالوضع صعب للغاية. توقفت المساعدة من صدام وحزب البعث العراقي. والآن ترغب الولايات المتحدة في مساعدة (إسرائيل) لانهاء الانتفاضة».

وتوزع الأموال جبهة التحرير العربية (مجموعة بعثية فلسطينية مدعومة عراقيا)، وهي غير متورطة في تنفيذ هجمات استشهادية أو هجمات مسلحة أخرى. ويعتبر زينين ممثل غزة. وقد أوضح لائحة تقييم بسيطة يستخدمها العراقيون. فمثلا أسرة منفذ العملية الاستشهادية تحصل على 25 الف دولار أميركي. وأسرة الشهيد- أي فلسطيني يقتل في القتال، سواء كان من مجموعات مسلحة أو مدنيا بريئا- تحصل على 10 آلاف دولار أميركي.

وقد أرسل صدام أموالا إلى الفلسطينيين الذين دمر الجيش (الإسرائيلي) منازلهم، ويتحدد فيها المبلغ الموزع بحسب قيمة المنزل المهدم. ويدين مراقبون كثيرون صدام بارساله أموالا إلى الفلسطينيين بينما العراقيون جائعون. ولم يقل هذا زينين الذي يذهب إلى أنه يشعر «بأن صدام حسين لديه مسؤولية في مساعدة الفلسطينيين». وهذا بالضبط ما يوضح سبب عمل الأميركيين ضد العراق وصدام.

ودعم صدام كان معنويا أيضا، فالرسالة مغزاها «انكم لستم وحدكم في القتال. الآن سيستمر الفلسطينيون في القتال من دون أموال العراق».

وأوضح زينين كيف يتم اختيار الفلسطينيين لتلقي مساعدة صدام. وأخرج قائمة من المستحقين، إذ تدقق عليهم جبهة التحرير العربية وممثلو فتح، المنظمة الفلسطينية المسيطرة بقيادة ياسر عرفات.

وتتم مراقبة كل العملية، من وضع قائمة المستحقين إلى توزيع النقود، في مدن الضفة الغربية على يد زملاء زينين في جبهة التحرير. وكان إيداع المبالغ في حسابات الجبهة عبر العقوبات الصارمة المفروضة على عراق صدام عملية صعبة. وفي أحيان كثيرة تتجاوز المصارف الأردنية العقوبات والحصار وتحول الأموال من العراق. وفي أحيان أخرى، يزور رجال أعمال مقيمون في الدول الغربية العراق ويأخذون النقود، ويودعونها في مصرف خارج الدولة لكي تحول بعد ذلك إلى الحسابات الفلسطينية.

وتعتمد جبهة التحرير العربية على أولئك الزوار للعراق للاتصال بالنظام العراقي. إذ ان الهواتف في غزة مرتبطة بالبدالة (الإسرائيلية)، ومن الممكن أن تراقب بسهولة. ثم انه ليس من الممكن دائما الحصول على اتصال.

مثل كثير من الفلسطينيين، لا تميز حكومة صدام بين الضحايا الفلسطينيين الأبرياء الذين يقتلون في العمليات العسكرية (الإسرائيلية)، ومنفذي العمليات الاستشهادية. فجميعهم «شهداء» من أجل القضية الفلسطينية. ويترك هذا ضبابية أدبية بشأن متلقي أموال صدام. وأدان الجنود الأميركيين في بغداد جبهة التحرير العربية لتوزيع الأموال على «الارهابيين» الفلسطينيين.

عائلة مطر في مدينة غزة، التي تلقت 70 ألف دولار من نظام صدام. يقع منزلهم في منطقة مكتظة بالسكان، إذ أسقط الجيش (الإسرائيلي) في  تموز/ يوليو الماضي قنبلة تزن طنا من المتفجرات ليلا عندما كانت المنطقة تعج بالمدنيين النائمين. كان هدف القنبلة قتل زعيم في حماس، وقتل هو مع ثمانية أطفال فلسطينيين. ووصف شارون العملية بأنها «ناجحة». وكان خمسة من الأطفال أعضاء في أسرة مطر أصغرهم رامي وعمره شهران فقط. وقتلت سيدتان كبيرتان في السن من الأسرة أيضا عمر احداهما 79 عاما. ودمر منزل الأسرة بالكامل، فارسل إليهم العراق 70 ألف دولار، أي 10 آلاف لكل ضحية. ومازال عميد الأسرة محمد مطر في حزن عميق، على رغم مرور عام تقريبا على الحادثة. فقد قتل أحفاده. وعندما سئل عن أموال صدام، كل ما استطاع قوله «ذهب صدام حسين» كانت هناك نبرة يأس في صوته، وهو جالس يحملق في الأرض.

بالنسبة إلى هؤلاء الناس، يعتبر (الدكتاتور المخلوع) بطلا. ففي وقت شدتهم وحاجتهم، صدام هو الذي أرسل إليهم مساعدة. وأضاف مطر «طبعا لستُ سعيدا لما حدث لصدام حسين في العراق. فقد قام بعمل رائع تجاهنا».

وتحدثت ابنته مها التي تبلغ من العمر 22 عاما بغضب قائلة «كان صديقا للفلسطينيين ولجميع العرب. فإذا فقدت الأسرة الفلسطينية منزلها الآن لن يكون لديها مال. ولا تستطيع السلطة الفلسطينية الدفع لها». وقد أعيد بناء منزل أسرة مطر بالمعونات الدولية، ولكن استفادت الأسرة من أموال صدام لكي يعاد تأثيثه.

بعض الأموال ذهبت أيضا إلى أسر الاستشهاديين. وبعضها وزعت على أسر الحركات المسلحة مثل أسرة عبدالكريم شعبات. وتنتمي مجموعة شعبات إلى حركة حماس، وهي التي قتلت كثيرا من (الإسرائيليين) في عمليات استشهادية، على رغم أن شعبات نفسه لم يقتل أي مدني. فهو استشهد في هجوم على أفراد شرطة الحدود (الإسرائيلية) على الحدود مع قطاع غزة. وأسرته لم تتلق 25 ألف دولار فتلك فقط لأسر الحركات التي تنفذ هجمات استشهادية داخل (إسرائيل). ولكنها تسلمت 10 آلاف دولار من النظام العراقي. وهي من آخر الأسر المتلقية للأموال العراقية وذلك في دفعة 21 آذار الماضي.

الآن خصص والد عبدالكريم وهو ضابط في قوات الأمن الفلسطينية، كثيرا من وقته في تذكر ابنه في منزل يقع على بعد مجمعات سكنية قليلة من بستان أزهار زينين في بيت حانون. زينت غرفة الجلوس فيه بالصور الجدارية للفقيد (18 عاما) إذ تظهر فيها بندقية أوتوماتيكية على كتفه. وانتج شعبات شريط فيديو لابنه مع مقتطفات واقتباسات من مأتمه. في قطاع غزة الكئيب، باقتصاده الراكد وفي ظل التوغلات (الإسرائيلية) المتكررة، هناك قليل مما يفعله المرء بوقت فراغه... فلا شيء يبقى سوى ذكريات الموتى.

يقول شعبات «ما حدث لصدام كارثة للشعب الفلسطيني وللأمة العربية. كان صدام زعيما عربيا شهما لأنه كان يدعم الفلسطينيين. يمكنكم مشاهدة العراقيين في التلفاز يضربون وجه تمثاله بالأحذية. وهذا شيء ليس لائقا». وبدأ شعبات يهز رأسه عجبا ولكن الأمر أصبح واضحا. توقف سيل الملايين المتدفقة الآن، لم يعد هناك متلقون لأموال صدام بعد أعضاء أسرة شعبات

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,781,704

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"