لا خروج من نفق حقبة الخبز

فاروق يوسف

أسطورة الخبز هي واحدة من أعظم الأساطير السياسية العربية في العصر الحديث، منها تستقي الأنظمة السياسية الهزيلة قوتها، ومن خلالها يبدو الشعب ضعيفا متهالكا وفقير الخيال.

 

تفخر بعض الأمم بكثرة أنواع الخبز الذي تنتجه. الأمر هنا يتعلق بالنوع لا بالكم. الخبز بالنسبة لتلك الأمم زينة مادة وليس مادة غذاء أساسية. الخبز هناك يتخذ طابعا شكليا لا علاقة له بمقاومة الجوع أو الانتصار عليه.

تلك أمم عرفت كيف تعيد النظر في قوائم غذائها بما يتناسب مع الوصفات الطبية التي تضع الخبز في مقدمة الأسباب التي تمهد للإصابة بأمراض عديدة، تؤدي السمنة إليها.

غير أن الأساس في تبدل المزاج الغذائي لتلك الأمم لم يكن طبيا بل كان اقتصاديا. لقد حفز الاستقرار على إحداث مسافة بين المواد الأولية للغذاء وبين قدرة الإنسان على تطوير صنيعه الغذائي، لذلك لم يعد الخبز يشكل عنصرا أساسيا من عناصر المائدة. لقد تراجع دوره ليكون جزءا تكميليا، يتغاضى البعض عن غيابه ولا يتذكره آخرون إلا حين تقع أبصارهم عليه وهو ما يحدث نادرا.

كل هذا حديث ترف بالنسبة لشعوب لا تزال تعلّق على الخبز آمالا كبيرة في التخلص من شبح الجوع. تلك شعوب تتعرض للمجاعة إذا ما حدث نقص في الخبز. ذلك لأن الخبز يشكل الأساس الذي تنبعث منه فكرة الوجبة الغذائية. فالخبز يظل هو الأرخص بين العناصر الغذائية.

مَن يخرج متظاهرا ومحتجّا على ارتفاع سعر رغيف الخبز لا يمكن أن يصل به خياله إلى درجة التفكير في أن هناك شعوبا تخلو موائدها من الخبز. لا لنقص بل عن استغناء.

ذلك المتظاهر الذي لا يزال يعيش في ما يمكن أن اسميها بحقبة الخبز يمكن أن يصدق ويردد بسخرية تلك الكذبة الفرنسية المضللة التي أُلصقت بماري أنطوانيت والتي تكشف عن جهلها بالمستوى الغذائي لشعبها الجائع. لذلك فقد ارتبطت مسألة الخبز دائما بثورة الجياع.

فالجياع وبعد أن تخلّوا عن كل ملذات الطعام لا يمكنهم التخلّي عن الخبز الذي لا يفكر المترفون بغيابه عن المائدة. وهنا بالضبط تقع الفاصلة القاتلة بين الشعب وأهل الحكم.

وهي مسألة لا تزال عصية على التفكيك والمعالجة في أجزاء عديدة من العالم العربي. وهو ما يؤشر تراجع النظام السياسي العربي عن فهم المستوى المتدهور لأدائه الاقتصادي، الأمر الذي دفع بشعوب عربية إلى ذيل قائمة الشعوب التي تعاني الحرمان وتفتقر إلى أدنى سبل وأساليب الحياة الكريمة.

لا تمر سنة إلا ويخرج الجائعون إلى الشارع العربي محتجين على رفع الدعم الجزئي عن الخبز. وهي حوادث إن دلت على شيء فإنما تدل على إصرار النظام السياسي العربي على أن يبقي الشعوب في منأى عن الوصول إلى شعار من نوع “ليس بالخبز وحده”.

الخبز بالنسبة لتلك الشعوب هو المطلب الوحيد. الحقيقة التي تتمحور حولها شرعية الحكم وديمقراطية السلطة.

وكما يبدو وفي إطار ذلك النسق من العلاقة بين الشعوب وحكامها، فإن هناك حربا خفية يمكنني أن أسميها حرب الخبز تدور رحاها من أجل أن تبقى الشعوب مقيمة وساكنة ومتحجرة في حقبة الخبز.

وكما أرى فإن الخروج من حقبة الخبز يمكنه أن يحدث تغييرات جذرية كبيرة لا ترغب الأنظمة السياسية العـربية في وقوعها.

فتلك التغييرات يمكن أن تنطوي على الكثير من الخيال في النظر إلى طبيعة العلاقة التي تربط الشعوب بكيفية وآليات الحكم. وهو ما يهدد بانتقال الشعوب إلى مرحلة المطالبة بما بعد الخبز، حين يكون شعار “ليس بالخبز وحده” متاحا للجميع.

أسطورة الخبز هي واحدة من أعظم الأساطير السياسية العربية في العصر الحديث، منها تستقي الأنظمة السياسية الهزيلة قوتها، ومن خلالها يبدو الشعب ضعيفا متهالكا وفقير الخيال.

غير أنها في الوقت نفسه لا تشير إلى تدني الأحوال الاقتصادية فحسب، بل أيضا إلى تمترس النظام السياسي في فلسفة التجويع القديمة، التي أثبتت الوقائع أنها تقود إلى انهيار قيم المـواطنة وهلاك الأوطان.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,781,746

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"