من يدفع أميركا لمعاداة العرب والمسلمين؟

محمد زاهد غُل

منذ مطلع القرن الواحد والعشرين دخلت الولايات المتحدة الأميركية في حرب مفتوحة مع الإسلام والمسلمين، من دون مبررات قانونية ولا أسباب عقلانية، وهي، أي أميريكا، تواصل هذه الحروب العدوانية المفتوحة على بلاد المسلمين من دون رادع ولا محاسبة عالمية، وهذا يفرض سؤالا يقول: من الذي يدفع الولايات المتحدة الأميركية للدخول في حروب ضد المسلمين، وداخل بلادهم، من دون وجه حق، ومن دون امتلاك شرعية قانونية؟ 


وحيث أن نتائج هذه الحروب الأميركية العدوانية مدمرة لبلاد المسلمين أولاً، ومدمرة للاقتصاد الأميركي ثانياً، ومن دون ان يجني الشعب الأميركي منها خيراً، فإن السؤال يزداد أهمية لمعرفة الأسباب الحقيقية، لوزارة الدفاع الأميركي (البنتاغون)، لماذا تصر على خوض هذه الحروب الخاسرة؟ وهل البيت الأبيض هو من يدفع البنتاغون للحرب أم العكس؟ أم أن الكونغرس هو من يخطط ويوزع الأدوار السياسية والعسكرية؟ أم أن الكونغرس نفسه ضحية ضغوط لوبيات صهيوأميركية يمينية متطرفة؟ أو ضغوط شركات رأسمالية في تجارة السلاح والأدوية الأميركية، لا تختلف في عقليتها في الهيمنة عن أعتى الديكتاتوريات التي عرفها التاريخ، شراهة في خوض الحروب وتدمير الشعوب الأخرى؟ بحسب أوصاف بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق.
بدأت أميركا القرن الحالي باحتلال افغانستان، وهي من أضعف الدول الإسلامية والعالمية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، والذريعة هي أحداث سبتمبر 2001 على برجي التجارة في نيويورك، من دون أن تقدم أميركا المتهمين بتنفيذها أمام محاكم دولية علنية، لإثبات التهمة عليهم أمام دولهم وشعوبهم، قبل خوض الحروب ضد بلادهم وتدميرها، فكانت حرب أميركا على أفغانستان مدمرة للشعب الأفغاني، من دون وجه حق، فالحكومة الأفغانية لم تكن مسؤولة عن الهجمات، ولم يشارك فيها احد من الشعب الأفغاني. وجاءت حرب احتلال العراق عام 2003 بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، ثم اعترفت أميركا وبريطانيا بأنهما كانتا مخطئتين في اتهامهما للعراق، فلم يثبت امتلاك العراق لهذه الأسلحة، ولكن ثبت أن أميركا قد دمرت العراق بحرب عدوانية لا تزال آثارها المأساوية تلاحق الشعب العراقي حتى الآن، ومن قبله مآسي الشعب الأفغاني.
واستغلت أميركا أحداث سوريا وليبيا واليمن وغيرها منذ عام 2011 بإشعال حروب مدمرة فيها، وهي تدعي البحث عن حلول فيها، وحتى تبقى كافة الأطراف المتقاتلة فيها رهينة التدخل الأميركي لصالحها وهي حالمة بذلك. وقام الكونغرس الأميركي بتوتير العلاقات الأميركية مع السعودية أكثر من مرة، بسبب تحميل السعودية مسؤولية أحداث سبتمبر 2001، بحجة أن المنفذين لها كانوا يحملون الجنسية السعودية. وسنّ الكونغرس الأميركي قانون «جاستا» للضغط على السعودية وإيران وكل الدول العربية والاسلامية، التي قد يشارك أفراد منها بأعمال تفجيرية في العالم، حتى لو قاموا بذلك رغما عن إرادة دولهم، وعلى مسؤوليتهم الخاصة. اميركا تريد بذلك محاسبة الدول العربية والاسلامية والدخول معها في حروب فعلية، أو فرض عقوبات اقتصادية والمطالبة بتعويضات باهظة منها. كما دخلت في صراع سياسي مع تركيا في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بدعمها للمنظمات الارهابية التي تهدد الأمن القومي التركي، وبالأخص حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، ودعمه بالأسلحة، فضلا عن الدعم الذي تقدمه أميركا لمنظمة إرهابية تركية هي منظمة غولن، التي قامت بانقلاب عسكري في يوليو 2016، قتلت فيه 241 مواطنا تركيا واستهدفت المباني المدنية والأمنية والعسكرية التركية، وأخيراً وليس آخراً دخلت أميركا في صراع سياسي واختلاف عسكري مع باكستان، باتهام الحكومة الباكستانية بعدم التعاون مع أميركا، بقول الرئيس الأميركي ترمب نفسه في تغريدة على حسابه في «تويتر»: «إن الولايات المتحدة قدمت بغباء لباكستان أكثر من 33 مليار دولار على شكل مساعدات على مدى السنوات الـ15 الماضية، وهم لم يعطونا سوى الأكاذيب والخداع، ظناً منهم أن قادتنا حمقى»، وقد رفضت الحكومة الباكستانية هذه الاتهامات من ترمب، وقالت إنها قدمت كل المساعدات المطلوبة منها حتى أنها أضرت باقتصادها وأمنها القومي بسبب تورطها بالشراكة الأمنية مع أميركا في محاربة الإرهاب على الطريقة الأميركية.
جاء الرد الباكستاني على لسان وزير خارجيتها خواجة آصف، فكتب ردا على اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبلاده بـ »إيواء إرهابيين»، بقوله إن «التاريخ يعلمنا عدم الثقة في الولايات المتحدة»، هي خلاصة يمكن أن يكررها كل وزراء الخارجية في البلاد العربية والإسلامية، وكان وزير الخارجية الباكستاني من أكثر وزراء الخارجية في الدول الاسلامية غرابة باعترافه بما قدمته بلاده للبنتاغون من مساعدات، سائلاً الأميركيين: «تسألون ماذا قدمنا؟ لقد شهدت بلادنا أسوأ حمام دم، وقمتم بتنفيذ 57800 هجوم على أفغانستان من قواعدنا.. وتم تزويد قواتكم بالسلاح والمتفجرات عبر أراضينا.. وأصبح آلاف من مدنيينا وجنودنا ضحايا لحرب بدأتموها أنتم»، وقال آصف، في تغريدة أخرى: «اعتبرنا عدوكم عدونا، وحاولنا إرضاءكم على حساب اقتصادنا». هذه اعترافات خطيرة لوزير خارجية دولة إسلامية بما قدمته من خدمات لأميركا كانت خسائرها الكبرى على الشعوب المسلمة، وكل ذلك لا يرضي أميركا ولا يقنعها.
والخلاصة الأهم التي خرجت بها الحكومة الباكستانية جاءت على لسان سفيرة باكستان لدى الأمم المتحدة مليحة لودهي قائلة: «إن بلادها مستعدة لإعادة النظر في تعاونها مع الولايات المتحدة، ما لم يتم تقدير هذا التعاون». فهل تدرك الحكومة الباكستانية أن أميركا لن ترضى عن باكستان مهما قدمت لها من مساعدات؟ لأن أميركا تريد من باكستان تحقيق ما لم يستطع الجيش الأميركي النجاح به في أفغانستان، وهو القضاء على كل من يحمل السلاح ضد الاحتلال العسكري الأميركي في أفغانستان وغيرها، كما فعلت إيران في العراق، فالحرس الثوري الإيراني تكفل لأميركا بالقضاء على المقاومة العراقية التي حاربت الاحتلال الأميركي بعد عام 2003، حتى أصبح العراق كله تحت هيمنة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما جعل ايدي البنتاغون الأميركي مكتفة في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن أيضاً، فأميركا تدرك انها دخلت في حرب ابتزازية مع إيران، وانها رهنت مصالحها في العراق للحرس الثوري الإيراني، وهذا مثال واضح امام الدول العربية والاسلامية بطريقة التعامل الأخرى مع الهيمنة الأميركية، بعدم ترك كافة الأوراق بيد أميركا وحدها.
إن العداء الذي يتباهى به الرئيس الأميركي ترمب ضد الاسلام والمسلمين، منذ تسلمه للسلطة ينبع في قسم منه من العقلية الأميركية التي خاضت الحروب الظالمة ضد الدول الاسلامية، من دون حسيب ولا رقيب في العقدين الماضيين، وفي قسم منه يعود إلى شخصية ترمب المضطربة التي تستخف بالدول الإسلامية، بزعمائها وشعوبها، وتتخذ من القرارات السياسية ما يعبر عن تجاهل وجود قرابة ملياري مسلم في العالم، ولا تظن أن لهم حقوقاً سياسية ولا دينية على الأرض، وقرار ترمب الأخير نحو القدس يعبر عن هذه العقلية العدوانية ضد العرب والمسلمين، وتجاهل وجودهم وحقوقهم، والرد الأكثر جدوى للدول الاسلامية أن تعمل بعقلية ذاتية، بحيث تمسك بالأوراق الحقيقية التي تملكها، وعدم التهاون فيها، والسعي لامتلاك أوراق قوة اكثر للحفاظ على مصالحها، وعدم تركها بيد أميركا وحدها، التي تتغير مواقفها العدوانية بتغير معادلات تحالفاتها الإقليمية في الشرق الأوسط والعالم أولا، وضرورة مخاطبة الشعب الأميركي بعدم وجود مبررات للجيش الأميركي بخوض هذه الحروب الظالمة ضد الدول الاسلامية وشعوبها.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :101,534,072

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"