المغرب العربي: بحث مشروع عن منظومة الأمان الاجتماعي

د.مثنى عبدالله

 


أليس غريبا أن تُحيي تونس الذكرى السابعة لثورتها، التي أطلقت الربيع العربي، في ظل حراك شعبي يبحث عن الخبز والعمل والنزاهة؟ ألم تكن هي الأسباب عينها تلك التي دفعت الناس إلى الشوارع وأفضت إلى هروب الديكتاتور من السلطة والبلاد في 14/كانون الثاني يناير 2011؟ 

 

وهل من المعقول أن يستمر الجوع والبطالة يسحقان شباب المغرب، وهم يبحثون عن الأمن الغذائي والكرامة في منجم فحم مهجور، وفي عربة سمك صيده غير مسموح به؟ وليس بعيدا عن هذين القطرين يخرج أهل السودان احتجاجا للسبب نفسه، في حين أن هذا البلد قادر على أن يكون سلة غذاء للوطن العربي كله، لما يحويه من موارد مائية وأراض زراعية وثروة حيوانية. فهل بات الخبز هو القاسم المشترك الأول المفقود بيننا نحن العرب في بداية القرن الحالي؟
يجتهد المسؤولون في المغرب وتونس بعد كل احتجاج وتظاهرة بعرض قائمة طويلة من التطمينات والوعود والمشاريع، التي تبشر ببداية عصر الرخاء والحياة الحرة الكريمة، والعمل المستقر، لكنها سرعان ما تتبخر. وما بين تعاقب الحكومات التي ليس لديها سوى الوعود الكاذبة، والصبر والانتظار والإقصاء والتهميش الذي يعانيه المواطن، نشأت حالة إحباط كبرى وانعدام تام للثقة بين الحاكم والمحكوم، قادت إلى احتجاجات خطيرة جدا تنذر بتهديد جدي. ولو بحثنا عن مسؤولية الحكومات نجدها لا تنتج برامج وليس لديها تصورات ولا رؤية واضحة للمستقبل. وكل السياسات الكبرى في هذين القطرين تخرج من رحم خارج رحم الحكومة، لأنها حكومات هجينة لا شيء يجمعها، لا خلفيات أيديولوجية ولا مرجعيات فكرية، حتى البرلمانات التي فيها لا تقوم بأدوار الرقابة الفعلية، بينما تتغول الأجهزة الشرطية والأمنية وتنشر ثقافة الخوف، من خلال اعتقال كل الذين يستعملون الشارع كوسيلة مشروعة من أجل إسماع الصوت. 


كما يجري التضييق على الحقوق والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية الحرة.
إن من أعظم المشاكل المستديمة التي يعانيها المغرب وتونس هي غياب التنمية التي تأتي من تحت، وانعدام الفرص التجارية الصغرى والمتوسطة، التي يمكن أن تجلب العيش الكريم للمواطنين. والأعظم من ذلك كله هو اعتماد اقتصادياتهم على الأرباح التي تأتي من تصدير السلع الرخيصة إلى أوروبا، ومن السياحة الرخيصة للاوروبيين أيضا. وقد نتج عن ذلك تباين كبير في تنمية المناطق، حيث اقتصر الاستثمار على المناطق التي تقدم هاتين الفقرتين، بينما غرقت المناطق الداخلية في الحرمان والتهميش والإقصاء، مثل الحسيمة وسيدي بوعلام وجرادة في المغرب، حتى الشركات التي كانت في هذه المدن وأغلقت أبوابها، لم تدفع الحكومات المتعاقبة بالبحث عن بديل لأهلها.

تاريخيا كانت مدينة جرادة هي هبة الفحم الذي يوظف الكثير من شبابها فيه طاقاتهم لاستخراجه، والحصول على قوت عيشهم، لكن عندما أغلقت شركة مناجم الفحم المغربية أبوابها عام 1998، لم تفكر الدولة في إيجاد بديل يديم العيش الكريم لكل العاملين الذين ألقت الشركة بهم إلى الشارع. ما أجبر العديد من شبان هذه المدينة إلى العمل خلسة في المنجم المهجور، وبوسائل بدائية جدا تؤثر على صحتهم وعلى البيئة، في سبيل الحصول على لقمة خبز لهم ولعوائلهم. حتى فضح الحادث الأخير تجاهل الحكومة لهؤلاء الناس، عندما توفي شقيقان كانا يعملان في المنجم، أي أن أهل جرادة صبروا على الحكومة أكثر من عقدين من الزمن أملا في الالتفات إليهم، لكن من دون جدوى.


وعلى الرغم من كل هذا القصور الحكومي الذي تنتج عنه يوميا حوادث كارثية، تتحصن الدولة في برجها العاجي، ويأبى المسوؤلون فيها الذهاب إلى مناطق الحوادث، كي يوضحوا للناس ما هي البدائل التي سوف يقدمونها لإيقاف هذا النزيف. وما هي مشاريعهم البديلة التي تمنع تكرار هذه الحوادث.

ما يدل على أن السلطات قد نسيت تماما مواطنيها الفقراء، وباتت لا تصحو من هذه الغفلة إلا حينما يصبح الصراخ جماعيا في الشوارع، وليس بين جدران المنازل. وحتى عندما تصحو فإنها لا تسارع لايجاد البديل، بل تستكين عن التعاطي مع الاحتجاجات بانتظار ترتيب السيناريو المقبل لمواجهة الأزمة، بالعمل على تخوين المتظاهرين وتلفيق تهم التخريب والعمالة والخيانة بحقهم. عندها تنتقل قراءة الوضع الصحيحة والصحية من قراءة اقتصادية اجتماعية إلى قراءة أمنية، فيضاف إلى الجوع والبطالة والتهميش، عنصر الاضطهاد والظلم والقمع، من خلال حملات الاعتقالات التي تعقب الاحتجاجات، حيث يعترف التقرير الحكومي التونسي بأن عدد المعتقلين في التظاهرات الأخيرة وصل إلى حدود 800 مواطن. وكانت نسبة الموقوفين من الفئة العمرية بين 10 – 30 تبلغ سنة 31%. 
و54% نسبة الفئة العمرية بين 21 – 30، ونسبة 12% للفئة العمرية بين 31 – 40. وهذه الفئات هي التي تعاني من نسبة بطالة بلغت 13 في المئة، في حين أن هذه الاعمار هي التي يقع عليها الكاهل الأكبر من المسؤولية الشخصية والعائلية في المجتمعات، لذا بات حقا عليها الخروج على السلطات والمطالبة بالحقوق. إن التبرير الحكومي الدائم هو أن شروط صندوق النقد الدولي لمنح القروض تتطلب، زيادة الضرائب وإلقاء آلاف الموظفين إلى الشوارع، من دون عمل، وتخصيص الشركات العامة وتقليل الإنفاق الحكومي، تبرير غير مقنع تماما للكثير من المواطنين، بل هنالك مشكلة تنموية كبرى في المغرب وتونس من خلال الإصرار على انتهاج برنامج تنموي فاسد، لا ينتج الثروة ويزيد الفوارق الطبقية، ويركز الثروة في يد قلة قليلة.

هنالك حاجة ماسة إلى تنمية حقيقية لا تستثني مدينة ولا فئة من الناس. وعندما يكون الوضع الاقتصادي في بلد ما سيئا، ويعاني من الركود الاقتصادي كالمغرب وتونس، تصبح شروط البنك الدولي مزيدا من النيران، وتنفيذ مطاليبه انتحارا لفئات كثيرة من المواطنين، لأن نتائج التطبيق ستكون عكسية تماما، لهذا السبب رفض مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق شروط صندوق النقد الدولي حين منحه قروضا، وأصر على تطبيق رؤيته الاقتصادية والاجتماعية، من دون تقليل الإنفاق والخصخصة، وقد نجح نجاحا باهرا في ذلك المسعى. 
إن مشاريع الاستثمار في دول المغرب العربي مازالت ضعيفة بسبب الكثير من الاجراءات الحكومية، كما أن النسبة الاكبر من موارد هذه البلدان تذهب لدعم الجيش والاجهزة الامنية، بينما يفترض أن تذهب الموارد والقروض إلى البنى التحتية وتوفير مصادر إنتاج قادرة على سد الحاجة السكانية.
إن ما يعانيه المغرب وتونس هو في الحقيقة ملخص لما تعانيه كل الاقطار العربية، حتى الغنية منها باتت اليوم في وضع اقتصادي صعب، وعجز كبير في موازناتها الحكومية نسبة إلى الناتج القومي، ففرض عليها رفع أسعار الخدمات الاساسية وضرائب كبيرة. وهي ليست بمنأى عن انتقال شرارة الاحتجاجات اليها كذلك، فالوطن العربي غارق في الفوضى والحروب الداخلية والتحديات الخارجية، وكل هذه العوامل تستنزف الموارد.
المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,787,310

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"