انتخابات العراق: هل اعتذر حيدر العبادي؟

هيفاء زنكنة

نقل النائب العمالي البريطاني بول فلين رسالة السيدة روز جنتل، والدة جوردون جنتل، أحد الجنود الذين قتلوا في « حرب العراق»، إلى البرلمان البريطاني. خاطب النائب البرلمان، الأسبوع الماضي، قائلا بأن السيدة « أعربت عن أسفها لبيان الحكومة الذي يبدو أنه يعفي البرلمان من استنتاجات تقرير تشيلكوت. ونحتاج، كما دعت إلى ذلك، إلى اعتذار من هذا المجلس وهذا البرلمان. لم يكن رجلا واحدا. كانت المعارضة و3 لجان مختارة. كانوا من المشجعين لهذا الخطأ الفادح الذي ارتكبناه هذا القرن. أليس هناك اعتذار مناسب، يجب أن يتبعه قراءة أسماء 179 جنديا أرسلناهم إلى وفاتهم؟». 


لرسالة روز جنتل وخطاب النائب علاقة وثيقة بواقع العراق، الحالي، الذي لخصه هانز فون سبونيك، نائب الأمين العام للأمم المتحدة سابقا، قائلا « حيث لا يوجد بند من بنود حقوق الانسان لم يُنتهك». عبرت الرسالة عن استياء اسر الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق لعدم تمكنهم من تأمين محاكمة رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير بتهمة تضليل البرلمان بشأن قضية غزو العراق.
المعروف ان عوائل الجنود تشجعوا بإمكانية محاكمة توني بلير، بعد صدور تقرير تشيلكوت، الذي استغرق العمل فيه مدة 7 سنوات وتوصل إلى مساءلة موقف رئيس وزراء المنطقة الخضراء السابق من قرار خوض الحرب ضد العراق، وان أكد ان الغرض منه لم يكن إدانة بلير لأن رئيس الوزراء يتمتع بالحصانة القانونية. ويشكل موقف الحكومة البريطانية خيبة أمل، كبيرة، لعوائل الجنود، الذين كانوا قد كلفوا محامين، للقيام بالإجراءات القضائية اللازمة، وجمع الأدلة لأثبات تضليل توني بلير للبرلمان في الفترة السابقة للغزو عام 2003.
وإذا كانت عوائل 179 جنديا قد قررت عدم السكوت على ما تعتبره جريمة بحق أبنائها، وهم جنود في جيش يستوجب الموت، وقامت بحملة لجمع مبلغ تدفعه للمحامين، فان النظام العراقي، بكل امكانياته المادية الهائلة، تلقى «تقرير تشيلكوت»، الموثق لحرب عدوانية، استندت على التضليل، بالصمت الكلي. كأن العراق لم يكن البلد المعني بالغزو والاحتلال، وما جلباه من خراب مستمر. كأن حياة ما يقارب المليون، من الضحايا المدنيين، أثرا من آثار ماض، لا يستحق التفكير أو المراجعة، أو، وهو الاصح، ثمنا يستحق الدفع للحصول على المناصب.
ما شجع العوائل على البحث في إمكانية تقديم توني بلير إلى القضاء، أيضا، هو صعود نائب عمالي نزيه، هو جيرمي كوربين، إلى رئاسة حزب العمال. أي ذات الحزب الذي قاد الحكومة البريطانية، في غزوها العراق، تحت قيادة الولايات المتحدة الاميركية. وكان واحدا من مواقفه الشجاعة، المتماشية مع ايمانه، بعدوانية الحرب، هو دعوته إلى مؤتمر صحافي، حضره عدد محدد من الناشطين وممثلي المنظمات المناهضة للحرب (كنت من بينهم)، بالإضافة إلى عوائل شهداء عراقيين، وعدد من أُسر الجنود البريطانيين القتلى، وعدد من الجنود الذين تركوا الجيش احتجاجا على احتلال العراق. وقف كوربين في المؤتمر الصحافي ليتحدث لبضع دقائق كعادته، معتذرا من الشعب العراقي لما أصابه نتيجة الحرب، ومن عوائل الجنود البريطانيين الذين قتلوا في حرب غير شرعية، مع الإشارة بانه سيواصل عمله في تحميل توني بلير مسؤولية اتخاذ القرار الكارثي. لم تضع كلمات كوربين نهاية لعذابات العراقيين، لكنها ستساعد يوما في التئام الجروح بين الشعبين العراقي والبريطاني، وربما ستفتح أبواب التعويضات، دوليا.
قارنوا ذلك بخطب حيدر العبادي» رئيس الوزراء ورئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والقيادي بحزب الدعوة الشيعي» التي يرميها بوجوه أبناء الشعب، في خطاب اسبوعي متلفز، طويل كالعادة، بالإضافة إلى تصريحاته ومواعظه اليومية، المتلفزة، أيضا، في اجتماعات مع وزراء وقادة احزاب وميليشيات، ملتفين حوله « كالدمى الخرساء لا تعرف معنى الكلمات» كما يصف الشاعر التونسي الراحل منور صمادح. هل اعتذر العبادي من الشعب عن دور حزبه في غزو واحتلال البلد؟ هل اعتذر عن دور أمين حزبه نوري المالكي في غرز الطائفية البشعة، والفساد، واستباحة حياة كل من عارضه، التي جعلت منه مجرم حرب بامتياز حسب العديد من التقارير الحقوقية المحلية والدولية؟
ان إخبار عوائل الجنود البريطانيين القتلى بعدم إمكانية رفع دعوى ضد توني بلير، لأنه محصن قانونيا من المساءلة، قضية تهمنا كعراقيين، لانعكاساتها على امكانية محاسبة المسؤولين، قانونيا، عن غزو العراق، بضمنهم الساسة العراقيون الذين فتحوا الأبواب للغزاة، خاصة، من تسنم الحكم بالوكالة، والقصف بالبراميل المتفجرة بالوكالة، والاعتقال والتعذيب والاغتصاب بالوكالة، على رأسهم قادة حزب الدعوة، الطائفي، الفاسد. 
مما يجعلنا نتساءل عن البدائل وعما يتوجب علينا عمله إزاء الهراء الحكومي ـ الإعلامي المحلي، المُغلِف للفساد، وأنواع الجرائم الناتجة عن مأسسة الفساد من جهة، وتعدد أنواع « الحصانة» التي يتمتع بها البغاة، محليا ودوليا، والتي تراوح ما بين الحصانة القانونية (توني بلير وبوش مثلا) إلى الدينية ـ الإلهية (عصمة آيات الله وقادة الأحزاب الاسلامية، أدعياء ظل الله على الأرض)؟ التساؤل الثاني هو: كيف نُبعدُ شبح الإحباط واليأس من تحقيق العدالة قانونيا عن الناس، الذين يناضلون من اجل استمرار الحياة بأبسط متطلباتها؟ 
كتبت مرة: الخطوة الأولى هي عدم نسيان جريمة الغزو، والاستمرار بتذكير العالم بما يحدث للعراقيين جراءها. هنا تكمن مسؤولية المثقف والإعلامي والناشط المدني، وهي مسؤولية أخلاقية، تجعل من الصمت تسترا ومشاركة في جريمة ابادة لم تعد تحتمل الصمت، أو الحيادية، أو خلق التبريرات الآنية والتاريخية. فالاحتلال ليس وجهة نظر والكولونيالية، بأشكالها الجديدة، كما شخَص المفكر فرانز فانون، ليست نموذجا للعلاقات الفردية بل هي احتلال لأراضي قوم واضطهاد شعب. انه ليس تصرفا انسانيا.

ثانيا: ان سلوك ساسة النظام العراقي، الحالي، ليس إنسانيا ولا أخلاقيا، تتجاوز انتهاكاته وجرائمه حدود ما يمكن تصوره.
حاليا، يقف صُناع النظام العراقي من الإدارة الامريكية والحكومة البريطانية إلى الجمهورية الاسلامية، على مبعدة مسافة، بانتظار ما ستتمخض عنه الشهور، القليلة، المقبلة، من تغيير للأقنعة. وهذا ما يجب رصده، وتوثيقه، وفضحه، والتحريض على تغييره. فلكل نظام تم تصنيعه اجنبيا، مدة صلاحية محددة، تنتهي بوجوب رميه لئلا ينتقل تعفنه إلى الجميع.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :101,534,095

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"