بعد إطلاقها «غصن الزيتون»… عين تركيا على «التفاح الأحمر» في عفرين

عبر البث المباشر، تقدم مراسل إحدى القنوات الفضائية التركية نحو الدبابات التي كانت تعبر الشريط الحدودي نحو مدينة عفرين السورية في إطار عملية «غصن الزيتون»، وسأل أحد الجنود الذي كان يعتلي ظهر إحدى الدبابات، إلى أين أنتم متوجهون؟ رد عليه بالقول: «إلى التفاح الأحمر».

 

هذا المشهد الذي كررت بثه الفضائيات التركية مئات المرات خلال الساعات الماضية، ونشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، رافقه تساؤلات كبيرة حول المعنى الذي تحمله عبارة «التفاح الأحمر» التي ذكرها الجندي التركي على أنها وجهة عملية «غصن الزيتون».


لا تفسير مباشراً ومحدداً لهذه العبارة، لكنها جزء من أساطير تاريخية تحولت تدريجياً رمزاً للقوميين الأتراك وتعني في عمومها القوة والسيطرة التركية إلى جانب معنى آخر أوسع انتشاراً يعني الهدف المحدد الحتمي الذي يجب تحقيقه، وقال أردوغان في أحد خطاباته: «نعمل على تحقيق أهدافنا لعام 2023، وأعيننا على التفاح الأحمر في 2053»، وهنا استخدمها الرئيس التركي بمعنى «الهدف والغاية» الثمينة.
ومن هنا، تجسد هذه العبارة القصيرة ذات المعنى المعقد غير المباشر هدف الجيش التركي من إطلاق عملية عسكرية واسعة تشارك بها مئات الطائرات والدبابات وآلاف الجنود من الجيش التركي و»الجيش السوري الحر» يتوقع أن تكون تكاليفها العسكرية والاقتصادية مرهقة للحكومة التركية.

وصل مناطق

الهدف الأكبر لتركيا هو منع وصل مناطق سيطرة الوحدات الكردية في عفرين بمناطق سيطرتهم الأخرى في منبج، وهو ما يعني منع وصل مناطق سيطرة الوحدات في شرقي وغربي نهر الفرات. لكن عملية وصل مناطق السيطرة في عفرين ومنبج لم تكن الهاجس المباشر لتركيا وإنما ما سيتبعها من تمكن هذه الوحدات من إكمال توسعها غرب الفرات وصولاً إلى البحر المتوسط، وهو ما يعني اكتمال المشروع الكردي المتمثل في السيطرة على شريط حدودي كامل من البحر المتوسط وحتى أقصى شمالي شرق سوريا للإعلان عن إقامة كيان كردي مستقل «دولة» وهو ما تطلق عليه تركيا «الممر الإرهابي».
ويُجمع مراقبون على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يتخذ قرار الحرب الصعبة في عفرين في ظل تعقيدات دولية غير مسبوقة ومخاطر متعددة تصل حد «المجازفة»، لولا أن جميع الجهات السياسية والأمنية في البلاد باتت ترى أن هذا «السيناريو المرعب» بات قاب قوسين أو أدنى من الحصول.
وفي هذا الإطار قال أردوغان، الاثنين: «ليس لدينا أي مشكلة مع إخواننا الأكراد، ومشكلتنا الأساسية ليست أيضاً في تكون ممر إرهابي، المشكلة الأساسية أن هذا الممر هو مخطط لتدمير تركيا».
فالوحدات الكردية التي كانت تسيطر على أجزاء بسيطة جداً من الحدود السورية مع تركيا شرقي البلاد، توسعت بسرعة هائلة بدعم أمريكي وتحت شعار الحرب على تنظيم الدولة، حتى سيطرة على الشريط الحدود كافة شرقي الفرات، وبدعم أمريكي أكبر واستثنائي سيطرة على مدينة منبج وتوسعت في ظروف معقدة في عفرين، قبل أن تسيطر على مدينة الرقة بعد أن طردت تنظيم الدولة منها، وهي مناطق تمتد على طول أكثر من 70% من الحدود السورية مع تركيا.
وعلى الرغم من أن منبج كانت خياراً أفضل لتركيا من حيث أن نسبة أكبر من سكانها هم من العرب وغيرها من العوامل الأخرى، إلا أن التواجد الأميركي الأكبر في منبج جعل من إمكانية مهاجمة المدينة عملية معقدة رغم أن الإدارة الأمريكية تعهدت سابقاً لتركيا بأنها سوف تجبر الوحدات الكردية على الانسحاب منها عقب انتهاء الحرب على التنظيم الدولة، وهو ما ترفض واشنطن الاستجابة له حتى اليوم.

تفاهم مع موسكو

وبناءً على ذلك، ركزت تركيا جهودها على عفرين التي تمتلك فيها روسيا نفوذاً أكبر حيث استطاعت التوصل إلى تفاهمات مع موسكو سمحت لها بإطلاق «غصن الزيتون» على أمل النجاح في العملية وطرد الوحدات الكردية منها وصولاً إلى «التفاح الأحمر».
وخلال يومين من العملية البرية التي يقوم بها الجيش التركي إلى جانب الجيش السوري الحر جرى التقدم من محاور عدة 3 منها من الحدود التركية في هاتاي وكيليس، لكن الجبهة الأبرز التي فتحها الجيش التركي، الاثنين، كانت من مدينة أعزاز السورية وتؤشر مجرياتها حتى الآن إلى أن مخطط العملية ربما يهدف في هذه المرحلة إلى إتمام حصار المدينة من خلال التوغل في الشريط الذي يفصل مناطق سيطرة الوحدات الكردية في عفرين عن مناطق سيطرة النظام السوري.
وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم تحدث، الأحد، عن أن العملية تهدف إلى إقامة شريط عازل على طول 30 كيلومتراً من الحدود التركية، إلا أن هذا المخطط لا يبدو مقنعاً وناجعاً عسكرياً لإزالة خطر التمدد الكردي شرقي الفرات، فعفرين منطقة واسعة ويبعد مركزها عن أقرب نقطة من الحدود التركية قرابة 40 كيلومتراً، وحتى أن المناطق الكردية في عفرين الأقرب لفكرة الوصل مع مناطق السيطرة مع منبج هي المناطق الداخلية وليس المناطق القريبة من الحدود التركية.
ويُظهر التقدم الجديد من محور أعزاز أن الجيش التركي يهدف إلى استغلال عامل أساسي من خلال التقدم من منطقة تل رفعت ذات الأغلبية العربية وهو ما سيقوده إلى مناطق مهمة أبرزها مطار منغ العسكري وبالتالي يصبح قريباً على مركز المدينة وتحقيق انتصار معنوي مبكر في حال سير العمليات كما هو مخطط لها.

لا أطماع!

ولا يبدو هناك ما يؤشر لأي أطماع تركية في الأراضي السورية وأنقرة تعرف أن الظروف الدولية لا تتيح أي توسع بفكرة الاحتلال خارج الحدود، لكنها رأت أن لا مفر أمامها سوى التدخل عسكرياً وبشكل مباشر لإبعاد خطر الوحدات الكردية والبقاء حتى استقرار الأوضاع السياسية في سوريا وعودة سلطة مركزية قوية تسيطر على الحدود.
وفي هذا الإطار لا يبدو أن هناك مشكلة كبيرة لتركيا في أن تكون هذه السلطة هي نظام الأسد، وفيما تعتبر أنقرة أن الأسد قاتل ومجرم ويجب أن يزاح من السلطة، تعتبر الوحدات الكردية خطراً إستراتيجياً على أمنها القومي، وفي هذا الإطار أكدت مصادر كردية متعددة أن موسكو عرضت فعلياً على الوحدات الكردية تسليم عفرين للنظام لكنهم رفضوا وهو ما أتاح لأنقرة الحـصول على الضـوء الأخضـر الروسـي.
والاثنين، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أن بلاده ليس لها أي أطماع في شبر واحد من الأراضي السوري وأن ليس لديها أي أهداف بالاحتلال أو التوسع، لكنه أكد على أن حدود العملية ووقتها يحددها سير العمليات على الأرض وأن الجيش التركي لن ينسحب قبل إتمام عملياته بنجـاح.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,947,563

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"