فيلم «صناعة أميركية» يفضح "إيران- كونترا وتدخلات الإدارة في العالم

أيمن يوسف أبولبن

فيلم «صناعة أميركية» للمخرج «دوغ ليمان» وبطولة النجم «توم كروز»، مأخوذ عن أحداث حقيقية أخذت مكانها في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، وشكّلت حجر الأساس لفضيحة «إيران- كونترا»، التي تناولتها العديد من الكتب، وخضعت لتحليلات سياسية عميقة.

 

تنبع أهمية الفيلم، من أهمية القضايا الشائكة التي يطرحها والتي كانت وما تزال مثار اهتمام ونقاش، وسبق أن احتلت صدارة الأخبار، وأخذت حيزا كبيراً من التحليل والأخذ والرد داخل الأروقة السياسية والإعلامية، لا سيما أنها تُناقض مصداقية الرؤية الأميركية المُفترضة، وتتعارض مع المبادئ التي قام عليها الدستور الأميركي في الأساس، والذي يعتبره الأميركان ميثاقاً للحرية والعدالة والشفافية.

أنصح كل من يرغب في مشاهدة الفيلم، التعرّف على البيئة الحاضنة لأحداثه أولاً، ولعلّي أتوفق في هذه السطور بإلقاء الضوء على خلفية تلك الحقبة، التي كانت مغلّفة بأجواء الحرب الباردة، وكان العنوان العريض لها: تدخل الإدارة الأميركية في شؤون دول أميركا الجنوبية والوسطى لردع المد الشيوعي، حيث كانت مُجمل المنطقة هناك على مسار التحول لتبنّي المبادئ الشيوعية.

وقد وصل التدخل الأميركي إلى حد تسليح بعض الفصائل المُعارضة للحكم الشيوعي، بل واغتيال بعض الرؤساء والمسؤولين ذوي الميول الاشتراكية الشيوعية، أو على العكس تماماً دعم الأنظمة السلطوية الديكتاتورية التي لا ترغب في التحول إلى الشيوعية، ومساعدتها على سحق المعارضة اليسارية.

تبدأ أحداث الفيلم، بتعاقد ضابط من المخابرات الأميركية مع طيّار مدني «باري سيل» (يُجسّد شخصيته توم كروز) لتنفيذ مهام استطلاع سريّة وتصوير مناطق النزاع عن طريق كاميرات خاصة يتم تجهيز طائرته بها.

ثم تتطور مهام الطيّار لتشمل التعاون مع أحد جنرالات الفساد في بنما «نورييغا» عن طريق تسليمه مبالغ من الأموال، في مقابل الحصول على معلومات مخابراتية وأمنية.

نورييغا هذا، حَكَمَ بنما لاحقاً وكان مشبوهاً بالفساد والاتجار بالمخدرات، وقد ظن أن دعم المخابرات الأميركية له غير مشروط وغير محدود، فحاول القيام بمشروع فتح قناة جديدة تؤثر سلباً على مصالح أميركا في قناة بنما المعروفة، فما كان من إدارة بوش الأب إلا الهجوم العسكري على بنما عام 1989 والإطاحة بنورييغا ثم أَسْره وجلبه إلى المحاكم الأميركية حيث قضى بقية عمره متنقلاً بين سجون أميركا وفرنسا وبنما، إلى أن قضى نحبه في أيار من العام الماضي.

وبالعودة إلى الفيلم، فإن محور القصة يتلخص في قيام المخابرات الأميركية بدعم قوات «الكونترا أو الثورة المضادة» المُعارضة للسلطة «اليسارية» في نيكاراغوا، وتهريب السلاح لها عن طريق الطيار «باري»، إلى أن وصل الأمر إلى نقل عناصرها إلى الولايات المتحدة وتوفير تدريبات عسكرية خاصة لهم.

الأنكى من ذلك أن تمويل هذا الدعم كان يأتي من نقل المخدرات بين كولومبيا وبنما ثم تهريبها إلى الولايات المتحدة، عبر تعاون عملاء المخابرات الأميركية «السريّين» وعصابات «الكارتيل» في كولومبيا!

المفارقة هنا، أنه في الوقت الذي كان فيه الرئيس ريغان يعلن الحرب على المخدرات، كانت الذراع الأمنية للرئيس هي من تقوم بجلب المخدرات إلى داخل الولايات المتحدة، وحين غزا خَلَفهُ «بوش» بنما، علّل حملته العسكرية بالنشاط الفاسد لنورييغا وتجارته في المخدرات!

يتطرق الفيلم أيضاً، إلى استعار الحرب بين المخابرات المركزية وعصابات «الكارتيل» رغم التعاون السابق بينهما، حين علمت الإدارة الأميركية في نهاية الأمر أن حكومة نيكاراغوا اليسارية لديها تعاون مشترك أيضاً مع هذه العصابات، فأرادت استخدام هذه الورقة سياسياً لتشويه صورة النظام اليساري أمام العالم وربطه بتجارة المخدرات، وكان لها ذلك عن طريق ذات الطيّار، الذي التقط عدة صور من كاميرات خاصة تم تثبيتها واخفاؤها في طائرته العسكرية، لأعضاء عصابة «الكارتيل» وهم يستلمون شحنات المخدرات رفقة أعضاء من حكومة نيكاراغوا، ثم قام الرئيس ريغان بعد ذلك بعرض هذه الصور على الملأ.

ما لم يذكره الفيلم، أن «أسكوبار» زعيم عصابة «الكارتيل» وامبراطور تجارة المخدرات، قام بعد نشر ريغان لتلك الصور، بالتسلّل إلى داخل أميركا والتقاط صورة تذكارية له من أمام بوابة البيت الأبيض رفقة ابنه، ثم العودة مجدداً إلى بلاده وإرسال تلك الصورة التذكارية إلى مسؤولي البيت الأبيض!

هناك تلميح إلى فضيحة (إيران-كونترا) في نهاية الفيلم، والتي من الممكن تناولها في جزٍء ثانٍ من الفيلم ربما، فبعد أن قررت الرئاسة الأميركية فضح هذه العصابات ومحاربتها في العلن رفقة حكومة «الساندنستا»، تم البحث عن مصدر آخر لتمويل الكونترا، وهذه المرة وجدت المخابرات الأميركية ضالتها في إيران، التي تعاني من نقص شديد في العتاد نتيجة اشتداد المعارك مع جارتها العراق، والمحرومة من شراء الأسلحة دولياً، فقامت المخابرات الأميركية بتهريب الأسلحة لإيران عن طريق وساطة (إسرائيلية)، مما سمح باستخدام النقد الفائض في تمويل قوات الكونترا، وهو ما شكّل أسوأ فضيحة لاحقت إدارة ريغان، من حيث الربط بين خرق الحظر على إيران من جهة، وتسليح قوات الكونترا من جهة أخرى.

من الجدير بالذكر على كل الأحوال، أن الطيار «باري سيل» لم يعترف رسمياً أثناء التحقيقات أنه على ارتباط بالمخابرات الأميركية كما لم يتم إصدار تقرير رسمي في هذه الأحداث أو الإعلان عن محتوى الأشرطة التي قام بتسجيلها ولا الوثائق التي كان يحتفظ بها، إلى أن تم اغتياله على يد عصابات الكارتل، رغم أن الأنباء والتحقيقات الصحافية وصمت الإدارة الأميركية بالتعاون مع عصابات المخدرات، بل وصلت إلى اتهام المخابرات الأميركية برعاية زراعة المخدرات في تلك الدول، والاشراف على الاتجار بها.

فيلم «صناعة أميركية» غني بالتشويق وبالمفارقات العديدة، فيلم سريع مليء بالمغامرة مُفعم بالحيوية

استطاع مخرجه مزج الاثارة والتشويق والحركة مع المفارقة الكوميدية، وتوليف كل ذلك لخدمة الرؤية الفنية والدرامية للفيلم، ساعده في ذلك الأداء الرائع واللافت للنجم توم كروز الذي يستحق الإشادة.

ولكن قيمة الفيلم الحقيقية في رأيي، تكمن في القراءة بين السطور وملء فراغات الصورة لاستكمال المشهد السوريالي، ثم القاء نظرة فاحصة عليه، لإدراك الواقع الهزلي الذي نعيش والذي لا يصلح إلا أن يكون فيلماً سينمائياً، بل وصناعةً أميركيةً خالصة!

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :101,531,559

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"