هل فعلاً هي "أميركا أولاً"؟!‏

صبحي غندور

عامٌ مضى على وجود دونالد ترمب في "البيت الأبيض". عامٌ كان حافلاً بالمواقف المتناقضة لترمب تجاه ‏جملة من القضايا الدولية، لكن ليس تجاه (إسرائيل) ومصالح حكومة نتنياهو تحديداً، حيث كانت بالنسبة لترمب هي ‏‏"إسرائيل أولاً"!. فشعار "أميركا أولاً" الذي رفعه ترمب في حملته الانتخابية، وكرّره ويكرّره في أكثر من مناسبة، هو ‏عكس الواقع والممارسة العملية لسياسة إدارته.

 

فالمصلحة القومية الأميركية تتطلّب على المستوى الداخلي رئيساً يحرص على التعدد الإثني والعرقي في ‏المجتمع الأميركي، وترمب صرّح وتصرّف عكس ذلك مع الأميركيين الأفارقة والمسلمين والمهاجرين اللاتينيين. ‏والمصلحة القومية الأميركية تفترض وجود رئيس في "البيت الأبيض" يعمل لصالح الفئات الفقيرة والمتوسّطة من ‏الأميركيين، وترمب خدم ويخدم الفئة القليلة من الأثرياء في الكثير من مراسيمه الرئاسية ومشاريع قوانين الكونغرس ‏‏"الجمهوري"، وما يتّصل بها من مسائل الصحّة والهجرة والضرائب والضمانات الاجتماعية. ‏

الحال هو نفسه على مستوى السياسة الخارجية الأميركية حيث أخرج ترمب الولايات المتحدة من اتفاقيات ‏دولية وهدّد بالخروج من المزيد منها، وهي اتفاقيات تحقّق مصالح قومية أميركية مع جيرانها الكنديين والمكسيكيين ‏ومع الحلفاء الأوروبيين ودول أخرى في آسيا. أيضاً، سبّبت تصريحات ترمب وتغريداته أزماتٍ عديدة مع زعماء ‏دول أخرى، حتّى مع داخل إدارته، كما حدث مع وزير الخارجية ريكس تيلرسون في ختام زيارته للصين لوضع ‏تسوية سياسية للمشكلة مع كوريا الشمالية!

فأين مثلاً، "المصلحة القومية الأميركية"، في إضعاف دور وزارة الخارجية لصالح سفيرة ترمب في الأمم ‏المتحدة؟! وأين هذه المصلحة في تزايد مشاعر الغضب لدى شعوب دول العالم تجاه السياسة الأميركية ورمزها في ‏‏"البيت الأبيض"؟! حتّى بريطانيا الحليف التاريخي لأميركا رفض شعبها استقبال ترمب! فكيف بتقييم ترمب لدى ‏شعوب فرنسا وألمانيا وأوستراليا، وهي شعوب صديقة للولايات المتحدة؟! بل كيف تنظر مجتمعات دول العالم ‏الإسلامي وروسيا الاتحادية والصين وغيرها الكثير، إلى ترمب وسياسته؟!.‏

وأين كانت "المصالح القومية الأميركية" في قرار ترمب بالاعتراف بالقدس كعاصمة لـ(إسرائيل) وبنقل السفارة ‏الأميركية إليها، وهو قرار يتناقض مع قرارت دولية صادرة عن "مجلس الأمن" ومع سياسة أميركية سار عليها كل ‏من سبقه من رؤوساء أميركيين؟!

وأين المصلحة الأميركية في معاقبة الشعب الفلسطيني والملايين من اللاجئين ‏الذين يعتمدون على مساعدة الوكالة الدولية (الأونروا)، وبما يخالف أيضاً سياسة دول العالم كلّه؟!

ترمب تحدّث ‏بحضور نتنياهو عن حجم المساعدات الأميركية للفلسطينيين ولم يرَ مليارات الدولارات التي تقدّمها واشنطن لتل ‏أبيب والتي لم يتمّ وقفها أو تخفيضها رغم خلافاتٍ عديدة حدثت بين الطرفين ومع أكثر من إدارة أميركية!.‏

ترمب أعلن إخراج القدس من جدول المفاوضات بين (الإسرائيليين) والفلسطينيين، وهو طبعاً لم يشِر إطلاقاً ‏لمشكلة المستوطنات ولا لحقّ العودة ولا لحدود (دولة إسرائيل)، فعلى ماذا يريد ترمب من الفلسطينيين أن يتفاوضوا، ‏عِلماً أن والد صهره جيرالد كوشنر (المعني الآن بالمسألة الفلسطينية في إدارته)، وأيضاً سفيره الحالي في (إسرائيل)، ‏هما من أشدّ الداعمين للإستيطان والتطرّف الصهيوني، وكذلك الملياردير الأميركي الصهيوني شيلدون أديلسون الذي ‏كان أبرز الداعمين لترمب في حملاته الانتخابية!

فأين ترمب من الرئيس الأميركي "الجمهوري" السابق جورج بوش الأب الذي قرّر تجميد مبلغ 10 مليارات ‏كانت مخصّصة كقروض للحكومة (الإسرائيلية) (إضافةً للمساعدات السنوية) إذا لم يستجب مناحيم بيغن للدعوة ‏للمؤتمر الدولي في مدريد؟!

وأين نيكي هيلي، سفيرة أميركا في الأمم المتحدة، والتي هدّدت بحذائها كل من ينتقد (‏إسرائيل)، من الوزير جيمس بيكر الذي قطع التواصل مع حكومة بيغن وأعطاه رقم "البيت الأبيض" في جلسة علنية ‏في الكونغرس إذا أراد تغيير موقفه من الدعوة الأميركية لمؤتمر مدريد في مطلع عقد التسعينات؟!

طبعاً، ما فعلته الإدارات الأميركية السابقة (ومن ضمنها إدارة بوش الأب) من دعم وتخاذل وخنوع أمام ‏الأطماع الصهيونية في الأراضي العربية التي احتلّت في حرب العام 1967 كان، وما زال، هو السبب الرئيس ‏لاستمرار الصراع لخمسين عاماً بعد هذه الحرب ولعدم تنفيذ القرارات الدولية بشأن المسألة الفلسطينية، وهي أيضاً ‏مسؤولية عربية وفلسطينية أن تحصل معاهدات واتفاقيات وتطبيع مع (إسرائيل) قبل إنهاء احتلالها لكلّ أرضٍ عربية، ‏وقبل تحصيل كل الحقوق الوطنية الفلسطينية.  ‏

لا ليست "أميركا أولاً" هي حقيقة عنوان أجندة ترمب، بل هي "إسرائيل أولاً" على المستوى الخارجي، وهي ‏‏"التيّار الديني المحافظ" والأثرياء على المستوى الداخلي. ولن تثمر هذه "السياسة الترمبية" إلاّ مزيداً من الأزمات ‏والانقسامات الداخلية، وتصاعداً في احتمالات التورّط في حروب عسكرية حذّر منها رئيس لجنة الشؤون الخارجية ‏‏(الجمهوري) في مجلس الشيوخ، واعتبر أنّ ترمب قد يورّط أميركا في حربٍ عالمية ثالثة!.‏

ومرّةً أخرى، ستكون المنطقة العربية، في حقبة رئاسة ترمب، حقل تجارب لمشاريع إقليمية للولايات المتحدة ‏الأمريكية تستهدف دول منطقة "الشرق الأوسط". فبعد مرحلة إدارة الرئيس جيمي كارتر (الديمقراطي) التي كرّست في ‏معاهدات "كامب ديفيد" نتائج ما بدأه هنري كيسنجر (في فترة  الرئيس فورد الجمهوري) من اتفاقيات بين مصر- ‏السادات و (إسرائيل)، جاءت فترة إدارة ريغان الجمهورية التي وافقت على غزو العدو الصهيوني للبنان ولأوّل عاصمة عربية ‏وعلى إخراج قوّات "منظّمة التحرير الفلسطينية" منها. ثمّ كانت فترة جورج بوش الأب (الجمهوري) التي رعت "مؤتمر ‏مدريد" في مطلع عقد التسعينات ليكون مقدّمةً لسلام عربي/ (إسرائيلي)" شامل يتضمّن تطبيعاً للعلاقات بين كلّ ‏العرب و (إسرائيل)، وفق مقولة "شيمون بيريز" عن "الشرق الأوسط الجديد".

وفي هذه الحقبة الزمنية: عقد التسعينات، ‏وتحت رعاية إدارة بيل كلينتون الديمقراطية، وقّعت (إسرائيل) اتفاقية أوسلو مع "منظّمة التحرير" ومعاهدة السلام مع ‏الأردن، وفشلت محاولات عقد معاهدات مع كلٍّ من سوريا ولبنان.‏

وجاء القرن الحادي والعشرون ليضع الولايات المتحدة، لأوّل مرّة بتاريخها، في موقع المحتلّ لبلدٍ عربي، ‏حينما استغلّت إدارة بوش الابن (الجمهورية) ما حدث من أعمال إرهابية في أميركا لتبرير غزوها للعراق، ومحاولة ‏تغيير عموم منطقة الشرق الأوسط بالمزج بين الوجود العسكري الفاعل فيها وبين حروب العدو الصهيوني على رام الله وغزة ‏ولبنان، طيلة فترتيْ حكم بوش الابن وحتّى نهاية العام 2008.‏

وما ميّز إدارة أوباما (الديمقراطية) عن سابقتها الجمهورية المحافظة هو تجنّب توظيف الدور الإسرئيلي في ‏تحقيق مشروع أوباما للمنطقة، والذي راهن على تغيير سياسي في المنطقة من خلال دعم ما سُمّي باسم "الربيع ‏العربي"، فكانت النتائج وخيمة على كل المنطقة، وأيضاً راهن أوباما على الفصل بين السعي لتحقيق "الدولة ‏الفلسطينية" وبين صراعات الإقليم، ولم ينجح في ذلك بسبب مواقف حكومة نتنياهو. ‏

وفي كلّ هذه الحقب الرئاسية الأميركية الممتدّة منذ عهد ريغان، كان "الملفّ الإيراني" حاضراً بأشكال مختلفة ‏ابتداءً من الحرب العراقية/ الإيرانية وصفقات "إيران-كونترا"، وصولاً إلى توقيع الاتفاق الدولي مع طهران بشأن ملفّها ‏النووي، ومروراً بعلاقة إيران مع قوى لبنانية وفلسطينية مقاومة ل_(إسرائيل)، ومع الحكم السوري منذ حدوث الثورة ‏الإيرانية في العام 1979، ووصولاً لعلاقات خاصة مع جهات عدة في العراق واليمن وبعض دول الخليج العربي. ‏فإيران هي الآن عنصر مهمّ جداً في السياسة الخارجية لإدارة ترمب، كما كانت في الإدارات السابقة، وهي في ‏أولويات نتنياهو منذ وصوله للحكم في العام 2009. ‏

وستشهد واشنطن قريباً حركة دبلوماسية مهمّة لها علاقة بمصير عموم منطقة "الشرق الأوسط"، وقد أشار ‏ترمب إلى وجود مشروع إقليمي يعمل على إعداده زوج ابنته غاريد كوشنر، يتجاوز مشاكل "الملفّ الفلسطيني" ‏ويتعامل مع قضايا المنطقة كلّها. ‏

إنّ الحديث يتكرّر الآن عن إستراتيجيات دولية وإقليمية تجاه المنطقة، بينما الغائب الأكبر هو الإستراتيجية ‏العربية المشتركة، والحاضر الأفعل هو الصراعات البينية بين العرب والتي تشمل بسلبياتها كلّ دول المنطقة، فالقادم ‏على المنطقة، بفضل سياسة ترمب وحليفه الصهيوني، ليس هو الخيار بين "محور مقاومة" و"محور سلام مع ‏(إسرائيل)"، بل بكلِّ وضوح: الخيار بين أوطان موحّدة مستقرة وبين دويلات متصارعة لصالح المشروع الصهيوني.. ‏أوّلاً وأخيراً!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :101,536,945

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"